تمثل المعلومة في المجتمعات إحدى الركائز الأساسية للتعايش السلمي. فهي ضرورية في علاقات الأطراف في ما بينهم كما لها نفس الأهمية والضرورة في علاقة الفرد بالسلطة. في خضم الحديث عن الديمقراطيات الناشئة وعن الحوكمة الرشيدة والشفافية في البلدان النامية، وعن ضرورة تفعيل اتفاقيات حقوق الإنسان الكونية وضمانها لكل فرد، وعن تفعيل دور المواطنين في مكافحة الفساد ومقاومته، يندرج الحق في النفاذ المعلومة ضمن أهم الركائز. وقد كرس الدستور التونسي الحق في النفاذ إلى المعلومة في إطار الفصل 32 منه الذي ينص على أن: "الدولة تضمن الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة"  وذلك في إطار الباب الثاني المتعلق بالحقوق والحريات. وهذا ما رفع تونس إلى ترتيب هام ضمن الدول التي تقر الحوكمة المفتوحة قانونيا[1] .

ومن الملاحظ أن بوادر تكريس هذا الحق برز منذ سنة 2011 اثر الثورة من خلال صدور الأمر عدد 41 المؤرخ في 26-5- 2011المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للمؤسسات العمومية كما وقع تنقيحه بالأمر عدد 54 المؤرخ في 11-4-2011.
إلا أن الجهود المبذولة من المجتمع المدني المتمثل بالأساس في الجمعيات الحقوقية والأحزاب السياسية انتقدت محدودية مجال انطباق ذلك الأمر، ذلك أنه لم يكرس مفهوما شاملا للمعلومة كما أن الإجراءات المتبعة للنفاذ إلى المعلومة معقدة إضافة إلى غياب هيكل مختص لرقابة حسن سير الإجراءات واحترام ذلك الحق. وقد شهدت المناقشات الدستورية تبعا لذلك مساعي حثيثة لإقرار الحق في النفاذ إلى المعلومة ضمن الدستور ليرتقي إلى مرتبة الحقوق الأساسية. فقد ترجمت إرادة التحرر من الدكتاتورية ومن التعتيم والحرمان وغياب الشفافية ضرورة اللجوء إلى آليات لتفعيل الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور وفي قائمتها يندرج الحق في النفاذ إلى المعلومة الذي وقع تكريسه بمقتضى القانون الأساسي عدد 22 المؤرخ في 24 مارس 2016.

ولئن أصبح في القانون التونسي الحق في النفاذ إلى المعلومة حقا أساسيا، إلا أن تكريسه في النظام القانوني التونسي يستوجب أولا تحقيق التوازن بينه وبين الحقوق الأساسية الأخرى من جهة ،كما يستوجب وضع الآليات الضرورية لتفعيله من جهة أخرى.
ففي هذا الإطار حدد القانون الصادر في هذا الشأن أهدافه، مع إبراز أهم المفاهيم والآليات الضامنة له بأن أقر إنشاء هيئة النفاذ إلى المعلومة مع تحديد صلاحياتها.

أهداف القانون
حددت أهداف القانون في إطار الفصل الأول منه الذي ضمن الحق في النفاذ إلى المعلومة لكل شخص طبيعي أو معنوي بهدف تحقيق الشفافية والمساءلة، وخاصة فيما يتعلق بالتصرف في المرفق العام وتحسين جودة أدائه ودعم الثقة في الهياكل الخاضعة لأحكام هذا القانون، ودعم مشاركة العموم في وضع السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها وتقييمها وتشجيع البحث العلمي.
وتخضع لواجب النفاذ إلى المعلومة جميع الهيئات العمومية، من ذلك رئاسة الجمهورية وهياكلها، رئاسة الحكومة وهياكلها، مجلس نواب الشعب ، الوزارات والمنشآت العمومية، البنك المركزي، الهيئات الدستورية، الهيئات العمومية المستقلة، أشخاص القانون الخاص التي تسير مرفقا عموميا والجمعيات والهياكل التي تنتفع بتمويل عمومي.
كل هذه الهياكل خاضعة لواجب نشر المعلومة بهدف تحقيق الأهداف المرجوة من خلال إصدار هذا القانون.

مفهوم النفاذ الى المعلومة
بالرجوع إلى فصول القانون عدد22، نلاحظ أن النفاذ إلى المعلومة يتضمن معنيين:
*المعنى الأول مفاده أن الهيكل المعني بالأمر مطالب من تلقاء نفسه بنشر المعلومة المتعلقة بالخدمات التي يسديها إلى العموم. ويعد النفاذ إلى المعلومة إذا في جانب الهيكل واجباً محمولا عليه، حدد مضمونه بمقتضى الفصل السادس من ذات القانون. ويتضمن هذا الواجب  ضرورة نشر المعلومة بصفة دورية في شكل يجعلها قابلة للاستعمال وذلك بوضعها على ذمة العموم. كما يتضمن  ضرورة تحيينها، فالمعلومة غير المحينة قد تحيد عن هدفها الأساسي في إرساء الشفافية. كما يتعين عليه توفيرها في الصيغة المطلوبة (نسخة ورقية مثلا) أو في الصيغة المتاحة إذا تعذر ذلك (الفصل 12 من القانون عدد 22 لسنة 2016).
*المعنى الثاني مفاده أن لكل شخص طبيعي أو معنوي غير الشخص الذي يحوز عليها، الحق في طلب النفاذ إليها.
أما المعلومة فهي كل معلومة مدونة مهما كان تاريخها أو شكلها أو وعاؤها والتي تنتجها آو تتحصل عليها الهياكل الخاضعة لهذا القانون. ويفهم من القانون (الفقرة 2 من الفصل الثالث) أن مصدر المعلومة يمكن أن يكون الهيكل نفسه أو غيرالهيكل المعني بالأمر، لكنه يتعاطى معها أو يستعملها وبالتالي يصبح مجبرا على وضعها على ذمة العموم.
وفي هذا الإطار تجدر الملاحظة أن القانون التونسي وسع في نطاق  مفهوم المعلومة القابلة للنفاذ واعتبر أن النفاذ ممكن في جميع الحالات، للمعلومات التي تخزن في شكل الكتروني أو في شكل وثيقة مكتوبة أو في بنك معلومات. وهذا ما يستشف من عمومية العبارات الواردة في النص. فمهما كان شكل أو وعاء المعلومة، يبقى النفاذ إليها ممكناً حتى ولو تم إيداعها في الأرشيف.

حدود النفاذ الى المعلومة
حدد المشرع ضوابط ممارسة هذا الحق. وككل الحقوق وجب الأخذ بعين الاعتبار الحقوق الأساسية الأخرى لوضع أطر ممارستها ووضع حد  للنفاذ المطلق إلى المعلومة والذي قد يشكل خطراً إما على المجموعة أو على الأفراد. لذلك نص المشرع في إطار الفصلين 24 و25 من ذات القانون على حدود النفاذ إلى المعلومة اذ اعتبر الأمن العام والدفاع الوطني والعلاقات الدولية من الأولويات التي تقتضي حماية خاصة وتكتماً حولها.
كما اعتبر المشرع أن الحق في حماية الحياة الخاصة الذي هو حق دستوري ضمنه المشرع في الفصل 24 من الدستور، يعلو على الحق في النفاذ إلى المعلومة، إذ لا يمكن طلب معلومة أو وضعها على ذمة العموم اذا ما تعلقت بالحياة الخاصة للأفراد.
وفي نفس الإطار، وتشجيعا على ضمان فعالية الحق في النفاذ إلى المعلومة، اعتبر المشرع في الفصل 25 أن المعلومة لا يمكن النفاذ إليها إذا ما تعلقت بهويات أشخاص أبلغوا عن حالات تجاوزات أو فساد.
وهكذا قدم المشرع إيضاحات حول الأولويات التي تحدّ من السلطة المطلقة في النفاذ إلى المعلومة، وحاول في الآن ذاته إبراز ترتيب الحقوق الأساسية حسب أهميتها حتى لا يقع تضارب بينها، في مسعى منه إلى تحقيق توازن بين مختلف الحقوق حفاظا على وحدة المجتمع ككل.

الأشخاص المعنيون بحق النفاذ
من الملاحظ أن المشرع منح هذا الحق لكل شخص طبيعي أو معنوي دون مزيد من التوضيح أو التدقيق. فالإشكال المطروح يتعلق بجنسية طالب المعلومة، ذلك أن عبارة النصّ وردت عامة ولم تشترط أن تكون جنسية الذات الطبيعية أو المعنوية تونسية. ففي هذا الإطار يبقى التساؤل مطروحا في صورة طلب المعلومة من مستثمر أجنبي سواء كان ذاتا طبيعية أو معنوية، هل توافق الإدارة على مده بالمعلومة؟.
القانون حديث جدا، ولعل تطبيقاته تثمر جوابا على هذا التساؤل.

هيئة النفاذ الى المعلومة
من أجل تفعيل حق النفاذ إلى المعلومة وضمان حسن تطبيقه واحترامه من الهياكل المعنية بالأمر، سعى المشرع إلى إرساء هيئة تراقب الإجراءات والآليات التي تخول النفاذ إلى المعلومة، فنص الفصل 38 من القانون المذكور أعلاه على أن الهيئة تبت في الدعاوى المنشورة لديها كما تنشر قراراتها وتتابع الالتزامات المتعلقة بضرورة توفير المعلومة تلقائيا والمحمولة على الهياكل. كما يدخل في مشمولات الهيئة العمل على إعداد برامج تحسيسية تهدف إلى نشر ثقافة النفاذ إلى المعلومة بالتعاون مع مكونات المجتمع المدني.
وفي هذا الإطار يتجه التذكير بأن دور الهيئة جد فعال. فالنفاذ إلى المعلومة لا يمكن أن يكرس فعلا إلا إذا ضمنته الهيئة لفائدة الأشخاص أصحاب الحق. ففكرة النفاذ إلى المعلومة حديثة جدا في مجتمعنا وقد تلاقي صعوبات في التطبيق سواء من جهة الهياكل أو من جهة  الأطراف المعنية التي قد تجهل هذا الحق أو تغفل عن طلب تطبيقه خشية من أن يقع رفض مطلبها.
جاء قانون 2016 مقرا لحق طال انتظاره، جعل من تونس بلدا يتميز بقوانينه الحديثة الضامنة لحقوق الإنسان، ومنح بذلك للهيئة سلطة النظر في الطعون المرفوعة من أصحاب الحق ضد قرار الرفض الصادر عن الهيكل المعني (الفصل 30-31 من القانون)، وفرض قرارها الذي تصدره على الهيكل المعني.

وضمانا لحق التقاضي على درجتين، خوّل المشرع لطالب المعلومة الذي جوبه برفض مطلبه لدى الهيئة إمكانية الطعن بالاستئناف أمام المحكمة الإدارية في أجل 30 يوما من تاريخ إعلامه بقرارها.

دور الجمعيات في دعم حق النفاذ إلى المعلومة
لقد لعب المجتمع المدني دورافعالا في إرساء هذا القانون وتكريس هذا الحق دستوريا. ولعل أهم عنصر فعال هو جمعية "بوصلة" التي أرست فكرة "الحوكمة المفتوحة"، ودافعت على تفعيلها داخل المجلس التأسيسي منذ صدورأمر 26 ماي 2011. وإذ جوبهت برفض إدراج بعض الفصول التي من شانها أن تضمن الشفافية في النظام الداخلي للمجلس التأسيسي، رفعت الجمعية الأمر إلى المحكمة الإدارية في إطار دعوى تجاوز السلطة مع جمعية "نوات" بتاريخ 29 أوت2104.
وبتاريخ 10 جوان 2015 أصدرت المحكمة الإدارية أحكاما في خصوص الطعون المرفوعة مبطلة جزئيا قرار المجلس التأسيسي الذي رفض تمكين النفاذ إلى المعلومة ونشر محاضر الجلسات العامة ومحاضر جلسات اللجان على الموقع الإلكتروني الخاص بالمجلس.
ويعتبر هذا القرار بالرغم من صدوره على أساس الأمرالصادرسنة2011 وقبل صدور القانون قرارا جريئا يبشر بتوجه إيجابي للمحاكم نحو دعم الشفافية وتفعيل الحق في النفاذ إلى المعلومة في الواقع.

وتحتل تونس بصدورهذا القانون المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط والمرتبة 95 عالميا في إطار  النفاذ الى المعلومة. ولعل مجانية النفاذ عنصرهام جدا ومن شأنه أن يشجع الأفراد على اللجوء إلى ممارسة حقوقهم.
إن  سن قانون النفاذ إلى المعلومة في تونس دليل على إرادة تشريعية تهدف إلى التجديد،إلى التطوير والى دعم الشفافية ، ويتأكد ذلك بتعميم هذا الحق وإمكانية المطالبة به سواء كان إزاء المؤسسات العمومية آو الخاصة. وبالرغم من ضرورة نشر القانون وتوعية العامة به وبضرورة مساهمتهم في حسن سير المرافق العمومية بمراقبتها ، فانه لا بد من تكثيف الجهود حتى لا يبقى القانون حبراعلى ورق.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.
 


Opengov : www.OpenGov.tn[1]
"الشفافية ومشاركة المواطنين في شؤون الدولة"، هي مبادرة قامت بها مجموعة من الجمعيات، أهمها جمعية بوصلة التي شاركت بصفة فعالة وجدية في إرساء وسن قانون 24 مارس 2016.