تنفيذاً لمقتضيات القانون عدد 05 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح وإتمام مجلة الإجراءات الجزائية، بات على باحث البداية في تونس أن يجري أبحاثه "تحت رقابة قضائية حقيقية".

المحامي بمقرّ الأمن، عين رقيب على ممارسة السلطة
اعترف الفصل 13 جديد من مجلة الإجراءات الجزائية للمشتبه به[1] في جنحة أو جناية بحقّه في "إنابة محام يتولى الحضور معه خلال سماعه أو مكافحته بغيره من قبل الباحث الابتدائي". كما اعترف ذات الفصل بحق المشتبه به في أفعال توصف بجنايات بالحق في طلب أن يسخّر له محامٍ. وسحب الفصل 57 جديد ذات الحق على المتهمين الذين يتم سماعهم بالمقرات الأمنية بمقتضى إنابة عدلية.
كان الحديث عن المحامي في مرحلة البحث الأولي قبل يوم 01-06-2016 تاريخ دخول هذا النص حيز النفاذ لا يعدو كونه تنصيصاً مُفرغاً من أيّ مضمون. وكان هذا التنصيص يرد في مطبوعة محاضر البحث التي يحررها أعوان الحرس الوطني وينص على أنه بسؤال المشتبه به عن حقه في إنابة محام، أجاب أنه يختار أن يجيب عن أسئلة باحثه دون توقف على حضور محاميه". وكان يسمح فقط بحضور المحامي مع المتهم بمقر الباحث متى كان البحث يتم بموجب إنابة قضائية مسندة لأعوان الضابطة العدلية[2]. ولم يكن حضور المحامي في مثل هذه الحالة يتعدى الاطلاع المسبق على الأبحاث وحضور الاستنطاق دون حق في طرح السؤال أو الترافع. ولهذا التعديل أهمية كبرى في ظلّ أزمة الثقة التي لم تكن الثورة كافية لإنهائها فيما تعلق بشفافية البحث الأولي. فالباحث الأولي يتهّم في تونس باعتماد المعاملة العنيفة التي ترقى لدرجة التعذيب في انتزاع الاعترافات كما أكدت على ذلك منظمة العفو الدولية[3] وعديد المنظّمات الحقوقية الأخرى[4].
وما يعزز من أهمية هذا التعديل أنه مكّن المحامي من أداء دور رقابة قانونية من أهم مظاهرها حقه في تدوين ملاحظات كتابية تضاف للأبحاث يضمن بها ما نشأ عن السماع والمكافحة من وقائع وتضاف إلى إجراءات البحث.

رقابة النيابة العمومية على الاحتفاظ
فرض الفصل 13 مكرر جديد أن يتحصل الباحث الابتدائي على إذن كتابي بالاحتفاظ بالمشتبه بهم من وكيل الجمهورية. كان ذات الفصل في صياغته التي ظلت نافذة لغاية يوم 01-06-2016 يسند صلاحية الاحتفاظ للباحث ويكتفي بإلزامه بإعلام وكيل الجمهورية لاحقا بقراره. فانسجم الاختيار مع الدستور الذي أكد في الفصل 115 منه أن النيابة العمومية جزء من القضاء العدلي، هذا القضاء الذي حمله في الفصل 102 منه مسؤولية حماية الحقوق والحريات. طما انسجم مع أحكام الفصل 29 من الدستور التونسي الذي أكّد الصبغة الاستثنائية للاحتفاظ بما هو قيد على الحرية.

تغيب في هذا الإطار الإحصائيات الرسمية عن عدد الأشخاص الذين يُحتفظ بهم سنويا في تونس. كما تغيب الإحصائيات حول أعداد من احتفظ بهم وحُفظت لاحقا في حقهم التهم أو صدرت لفائدتهم أحكام بعدم سماع الدعوى. لكن تكشف الممارسة القضائية أن مقولات موروثة في الثقافة القضائية مثل"الإحالة بالأحوط" أي ضرورة أن يحيل ممثل الإدعاء على أساس الشبهة ولو كانت ضعيفة، فلا يحفظ الملفات الجزائية بل يترك للقضاء الجالس مهمة التثبت من الشبهة عملا بمقولة "المجلس يصفّي". وهذا الأمر إنما يثبت أن الحرية كأصل ليست ثابتاً ثقافياً.
يؤمل بالتالي أن يؤدّي تعقيد إجراءات الإحتفاظ إلى تطوّر في الممارسة القضائيّة تنتصر للحريّة كمبدأ. فيستحيل الاحتفاظ ومن بعده الإيقاف التحفظي استثناءً يجب إمعان النظر قبل اعتماده.

اختزال آجال الإحتفاظ: حقّ المشتبه به في المحاكمة وواجب الرقابة القضائية
اتّجه التعديل التشريعيّ لتقليص آجال الإحتفاظ بالمشتبه بهم في الجنايات والجنح إلى ثماني وأربعين ساعة يمكن أن ياذن وكيل الجمهورية بتمديدها لمرة واحدة لذات المدة في الجنايات ولمدة أربعة وعشرين ساعة في الجنح. فاجأ التنقيح وزارة العدل التي اقترحته. فلم تتمكّن خلال المدّة التي منحها إياها المشرّع لتعديل منظومة العمل بالمحاكم وفق القانون الجديد، من إصدار أيّ وثيقة تبين كيفية ضمان تعهد القضاء الجالس بملفات المحتفظ بهم بمجرد انتهاء آجال الاحتفاظ. وقد اختزل العجز في دلالته صعوبة تنزيل الثورة التشريعية لتصبح ممارسة حقيقية في منظومة تفصل بين الشعار الحقوقي والممارسة[5].
ختاما، جاز القول أن الثورة التي تحققت في العدالة الجزائية التونسية وإن كان منطلقها نص تشريعيّ، فإنه يجب أن يكون منتهاها ثقافة قضائية جديدة متعددة الأبعاد هدفها تجاوز الصعوبات التي تعيق التطور وأولها الموروث الثقافيّ.
 
 
نشر هذا المقال في العدد 5 من المفكرة القانونية في تونس. 


[1]لم يعرف المشرع التونسي المشتبه به ولكن يمكن تعريفه بأنه الشخص الذي بدأت ضده تحريات أولية  للاشتباه بارتكابه جرم دون أن توجه له التهمة قانونا.
 
[2]الفصل 57 مجلة اجراءات جزائية في فقرته الثانية التي اضيفت بموجب  القانون عدد 17 لسنة 2007 المؤرخ في 22 -03- 2007.
 
[3]ورد ببيان منظمة العفو الدولية المؤرخ في 20-04-2016 والذي صدر على هامش الاستعراض الدوري لملف تونس أمام لجنة الامم المتحدة لمناهضة التعذيب "أنّ استمرار استخدام السلطات التونسية للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة أثناء الاعتقال، يشوه التقدم المحرز في السنوات الأخيرة في مجال حقوق الإنسان".
 
[4]يراجع تصريح العميد عبد الستار بن موسى رئيس الرابطة التونسية لحقوق الانسان لصحيفة الصباح التونسية يوم 04-05-2016 والذي ورد به " ان التعذيب في مراكز الاحتفاظ متواصل والمؤسسة الامنية لم تصلح "
 
[5]يراجع تقرير المفوضية السامية لحقوق الانسان " السجون التونسية بين المعايير الدلوية والواقع".
http://www.ohchr.org/Documents/Countries/TN/rapport_prison_inTunisia