من الذي يحكم في تونس؟ هل هو رئيس الدولة أم البرلمان أم الحكومة أم الاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية العمالية الاقوى أم الاتحاد التونسي للصناعة  والتجارة والصناعات التقليدية، المنظمة النقابية للاعراف الأبرز أم أنه المال الفاسد والمؤامرات الخارجية؟
هذه الأسئلة لم تكن تطرح زمن الاستبداد فالكل يعلم أن القرار بيد فرد يمكن أن يتأثر بمحيط مقرب منه، لكن في النهاية كل السلطات تعود إليه قانونا وواقعيا. التحول الذي عاشته تونس بعد الثورة أشبه بمشهد سريالي يصعب تخيله في النظام السياسي الذي تعود عليه الشعب التونسي. ولا نجازف بالقول إن النظام السياسي تحول من حالة تركيز للسلطة بيد شخص أو مجموعة من الأشخاص إلى حالة تشتت أو تفتت سواء لجهة مصدر القرار، أو أيضا مآلاته وفرص نفاذه. فالعبرة اليوم ليست بالتحكم في سلطة القرار بل وأيضا بإمكانات تحول ذلك القرار إلى واقع. وليس أدل على ذلك من حالة تعطيل عدد من القوانين القديمة والجديدة بل وحتى الاحكام القضائية التي بات الكثير منها معلق التنفيذ.
هذا الجمود الذي استحال الى حالة جمود مؤسساتي أصبحت معه الدولة شبه مشلولة كما لوأن هناك خوفا مستترا لدى الجميع من التغيير أو خشية باطنة من أن التغيير قد يعود بالنفع على البعض دون البعض الآخر. إن الجميع مدرك وواع بهذه الحالة والكل ساع على الأقل ظاهريا إلى "حلحلة الأمور" باتجاه ما. لكن لن يتحقق ذلك ما لم نفهم أسباب حالة عطالة الدولة ومن ورائها ضعف السلطة.
يمكن تلخيص تلك الأسباب في أسباب ظاهرة لا نجد عناءً كبيراً في الوقوف عندها وهي أسباب مؤسساتية بالأساس (الجزء الأول) وفي أسباب مستترة غير بادية للعيان لكن خطورتها تكمن في أنها تدب دبيب الحمى في الجسد ولكنها هي الأكثر تأثيرا (الجزء الثاني)

السلطة الظاهرة في تونس: سلطة أم سلط
منذ الأيام الأولى للثورة، كانت إرادة النخب السياسية متجهة نحو قطع الطريق أمام عودة الاستبداد. وكان ذلك منذ تركيز الهيئة العليا للإصلاح السياسي والانتقال الديموقراطي. .لقد كانت النخبة حينئذ مهووسة بصيانة الحرية وتوفير أسباب إرساء مجتمع ديموقراطي في اعتقاد بأن الدولة القوية أخذت حظها أكثر من اللازم وحان الوقت لتقليم أظافرها التي أكلت لحم مواطنيها.
.   طغت على رجال ونساء الثورة رغبة جامحة في اقتلاع الدكتاتورية من جذورها. فكانت المرحلة مليئة بقوانين ومراسيم تقدمية. وفي زمن المجلس الوطني التأسيسي، وضع المؤسسون الجدد دستورا لخص تلك الرغبة الجامحة في إضعاف السلطة التنفيذية دون تمكين بقية السلطات من الاخذ بزمام المبادرة.
لقد قامت الهيكلة العامة لمؤسسات الدولة صلب دستور جانفي 2014 على فكرة توزيع السلطة قدر الإمكان بدعوى إحداث توازن بين السلطات. ولقد تعززت هذه الرغبة من خلال التكثيف من الهيئات الدستورية والإدارية المستقلة والتي من المتعارف عليها أنها تتمتع باستقلالية كبيرة مقارنة بالإدارة التقليدية.
ولم يتوقف الامر عند ذلك الحد حيث ولأول مرة في تاريخ تونس تستعمل عبارة "السلطة المحلية" للدلالة على عبارة "اللامركزية" التي تعودنا عليها.
وفي كلمة، تحولت السلطات الدستورية الى سلط ثلاث تقليدية (التشريعية والرئاسية والقضائية) وسلطات الهيئات الدستورية المستقلة والسلطة المحلية.يضاف إلى ذلك سلطات أخرى (بالمفهوم الموضوعي للكلمة) فاقت في أحيان كثيرة سلطة الدولة ونقصد بذلك النقابات والاعلام والمجتمع المدني.

لقد بدا من الواضح أن مصطلح دولة القانون والمؤسسات الذي كان شعارا من شعارات نظام بن علي غير قادر على استيعاب تطلعات الثورة وأصبح الشعار الأقرب إلى قلوب التونسيين شعار "المجتمع الديموقراطي" أو "الدولة الديموقراطية".
ولئن كان هذا التحول في الأفكار السياسية من النموذج الفيبري (نسبة الى ماكس فيبر) أو الكلسني (نسبة الى هانس كيلسن) للدولة والذي يمجد المؤسسة على حساب الفرد يتماهى مع ما شهدته الديموقراطيات الغربية نفسها، فإنه وخلافا لما هو عليه الحال لدى الغرب من تأصل وتطور تدريجي للمؤسسات، كانت المؤسسات الديموقراطية التونسية بعد الثورة غضة لينة وعودها طري وغير متعودة على الممارسة الديموقراطية.
لقد تحولت الدولة التونسية في ظل هذا المزاج إرثا وجبت قسمته بين ورثة متعطشين لممارسة السلطة من داخل وخارج مؤسسات الدولة.
وهكذا تحولت السلطة بسرعة كبيرة من حالة تركيز الى وضعية تشتت أو تفتيت بين هياكل ومؤسسات ومنظمات متعددة.
ولقد لاحظنا من خلال تجارب الحكم لمختلف الحكومات بعد الثورة أن الدولة فقدت الكثير من سطوتها وبلغت من الضعف والهوان. ورغم هدوء العاصفة شيئا فشيئا إلا أن ما لاحظناه أيضا أن من يحملون زمام السلطة وخاصة التنفيذية غير قادرين على لعب أي دور قيادي في تسيير دفة الدولة. ولقد تحول المسؤول النمطي في الدولة من مسؤول متسلط وقوي وذي جبروت إلى مسؤول "متفهم" ومستسلم وخنوع لكل المؤثرات الخارجة عن الدولة.
بل إن المسؤول النمطي بعد الثورة هو الذي يحافظ على الموجود على أمل ألا تطاله لعنة "ديقاج" degageأو "سنة" التداول السلمي على السلطة. ولقد غذت حالة الضعف والهوان هذه، التجاذبات السياسية الحادة التي ميزت المشهد السياسي فباتت مؤسسات الدولة تشتغل دون إسناد سياسي صلب. بل بلغ الامر حدّ تنافر مؤسسات الدولة وسعيها إلى تعطيل بعضها البعض. فالحكومة المنبثقة عن الحزب الفائز في انتخابات 2014 وهو النداء باتت مجبرة على خوض معركة مستترة ضد الحزب الذي اختارها بنفسه والذي ما فتئ بعض قادته يسعون إلى إسقاطها.
هذا الوضع المؤسساتي المتهالك فتح المجال أمام استفحال سلط غير بادية للعيان وتعمل خارج المؤسسات وفي مسالك خفية ومظلمة: إنها تلك السلط المستترة وراء المال والاعلام وشبكات النفوذ.
 
الجزء الثاني: السلط المستترة
السلطة قوانين أو أحكام أو قرارات نافذة ولا تقبل المناقشة متى استنفذت مسارها الاجرائي. وبصرف النظر عن تعدد المؤسسات صاحبة السلطة في تونس، فإن الجميع يصدر قراراته وما على المكلفين بالتنفيذ سوى تنفيذها وعلى المعنيين بها الانصياع لها. غير أن هذه الصورة الجميلة للمؤسسات في تونس أصبحت تصطدم بواقع آخر تختفي داخل منعرجاته ونتوءاته مراكز تأثير أخرى.
ولقد أمكنني شخصيا أن ألاحظ على مستوى السلطة التنفيذية أن القرارات الصادرة من أعلى هرم السلطة بعضها إن لم يكن أغلبها يتلاشى شيئا فشيئا كلما نزلت من أعلى الهرم الإداري إلى أسفله. وإن ما يصيب تلك القرارات في الغالب هو إما استعصاء مباشر من المعنيين به وإما تواطؤ مستتر بين القائمين على إنفاذه والمتضررين منه وإما هون وتهاون لدى الساهر على تنفيذها بسبب افتقاد الإدارة في جانب منها إلى كل حافز على العمل.
بل إن القرارات التي تتخذ أحيانا يقع تشويهها في أسفل السلم لتأخذ منحى غير المنحى الذي يفترض أن تسير فيه.
ومن بين الأمثلة التي عاينتها على سبيل مجال الضبط الإداري. ففي كثير من المناسبات يقع إسداء أمر بمعاينة مخالف للبناء أو لتراتيب المقاهي أو الأسعار بناء على شكاية من متضرر. وبعد متابعة مآل تلك القرارات نكتشف أن المشتكي يحل محل المشتكى به ويجد نفسه موضوع مساءلة في جوانب تتعلق بنشاطه أو بمخالفات ارتكبها هو ولم تكن محل أعمال زجرية. وفي هذا المضمار يبرز لنا الفساد الإداري كآلية تصدي لكل محاولة لتطبيق القانون عبر القانون نفسه عبر مقايضة الخطيئة بالخطيئة وعبر الابتزاز المتبادل بين الأطراف المتنازعة.
أما الإدارة التي هي أداة تنفيذ فتتحول بقدرة قادر إلى حلبة صراع وأحيانا إلى آلية تحكيم بين المتصارعين على مصلحة ما تنحاز أحيانا إلى هذا الطرف وأحيانا إلى الطرف الآخر.

وكالعادة يكون وقود المعركة الارتشاء وقوة المال طورا والاعلام والتشهير طورا آخر حسب أهمية الموضوع.
إن حالة تحلل السلطة وتفتتها بين مراكز تأثير يتقاطع فيها السياسي مع المالي وتتشابك فيها المصلحة الفردية مع المصلحة الجماعية جعلت من مؤسسة الدولة مؤسسة فاشلة وجعلت من المسؤول النموذجي والأصلح هو ذلك الذي يتماهى مع "السيستام" ويتحاشى كل إمكانية للتصادم معه.
لقد أضحى المسؤول أو صاحب السلطة يمارس نوعا من الاغواء للمحيطين به أو لمنتقديه فتتحول القيادة إلى نوع من "الستريبتيزstripteaseالسياسي لأحزاب أو لأصحاب مصالح أو لمتنفذين.
والسؤال المطروح: ما الحل؟ فما يميز المرحلة أنه ليس هناك اختلافات كبيرة بخصوص تشخيص الواقع ولكن الاشكال في الوقوف عند الحلولة الملائمة والممكنة.

والرأي أن الدولة التونسية اليوم بلغت منتهاها واستنفذت آلياتها في التسيير والقيادة وهيكلة مؤسساتها بما يقتضي اليوم وضع برنامج جدي لإصلاح الدولة لا يسقط في منهجية الاسقاط والمحاكاة التي سقط فيها دستور 2014 ولا يكتفي بالمبادرات التجميلية.
إن الدولة اليوم تعاني من تراكم المؤسسات غير المجدية أو غير الناجعة بل وأحيانا الزائدة عن النصاب.
إن متابعة بسيطة لمختلف مصالح الدولة ومؤسساتها ومنشآتها تبيّن أن العديد منها تحول إلى مجرد جثث هامدة لا حياة فيها، مجرد موازين تصرف تمول من ميزانية الدولة لاعتبارات اجتماعية لا غير. لذلك فإنك تجد بعض المؤسسات التي أناطها القانون بسلطة معينة أو صلاحيات هامة هي في الواقع لا تمارسها أصلا في مجالات كالتنمية والعناية بالبيئة والتكوين والتنشيط الثقافي وغيرها من المصالح التي أصبحت أوكارا مهجورة لا حياة فيها. وإن الإصلاح لا بد أن يمر عبر إعادة ضبط مهام العديد من الهياكل بما في ذلك الوزارات.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.