الناظر إلى الوسط القانوني في ليبيا سرعان ما يتبين نزعة حمائية تطغى على سلوك عدد من منتسبيه. وهذه، ربما، ليست ظاهرة ليبية خاصة، ولكنها تؤثر سلباً على هذا الوسط في مرحلة انتقالية يؤمل أن يلعب دوراً مهماً في اجتيازها بنجاح. وهذا يستلزم معالجتها على نحو عاجل ومناسب. وأقصد بالوسط القانوني كافة فئاته من أكاديميين وممارسين: قضاة وأعضاء نيابة عامة ومحامين عوام وخواص. وأقصد بالتزعة الحمائية توجه عدد من هؤلاء نحو تعظيم مزايا الفئة الضيقة التي ينتمون إليها وإقصاء منتسبي فئات الوسط القانوني الأخرى.
أمثلة هذه النزعة عديدة. ولكن، سأكتفي بثلاثة تتعلق بالقضاة ومنتسبي النيابة العامة، والمحامين الخواص، وأعضاء هيئة التدريس في كليات القانون. بالنسبة للأولين، فقد كان هناك توجه في فترة ما بعد فبراير 2011 إلى تعزيز استقلالية القضاء وحيدته، وهي غاية لا شك نبيلة، ولكن السعي إليها ارتبط في العديد من الحالات بنزعة إلى إقصاء بقية الهيئات القضائية. والهيئات القضائية مصطلح يرتبط في أذهان العديدين بنظام القذافي. فبعدما كان القضاء يقتصر على المحاكم والنيابة العامة، ويشرف على شؤونه مجلس أعلى للقضاء مكوّن من منتسبي هاتين الجهتين، أُدخِلت جهات أخرى: إدارات تتبع أمانة (وزارة) العدل، وهي إدارة المحاماة الشعبية، وإدارة قضايا الدولة، وإدارة القانون. ووصفت هذه الجهات كلها بالهيئات القضائية، وتولى الاشراف على شؤونها مجلس أعلى للهيئات القضائية يترأسه أمين (وزير) العدل. وبهذا أصبح القضاة وأعضاء النيابة العامة زملاء لموظفي إدارات تتبع السلطة التنفيذية، وغدا التنقل بين هذه الهيئات ممكنا، فيصبح محامٍ شعبيٍ، على سبيل المثال، قاضياً، ويصبح الأخير محامياً شعبياً. ولكن الممارسة، والنظرة السائدة، هي أن صيروة المحامي قاضياً تعد ترقية في حين يعد نقل القاضي للمحاماة الشعبية جزاءً على سوء الأداء. ولا شك، يرى البعض، أن في دمج القضاء مع إدارات في وزارة العدل اضعاف من استقلاليته، ولا بد، إذا أريد تعزيز هذه الاستقلالية، من فصل القضاء عنها، وإعادة هذه الإدارات إلى سابق عهدها، وربما الغاء بعضها.

وبالفعل، جرت محاولات عدة في هذا الصدد.، منها، على سبيل المثال، إعادة تنظيم المجلس المشرف على الهيئات القضائية، بتسميته مجلساً أعلى للقضاء بدلاً عن المجلس الأعلى للهيئات القضائية، واستبعاد رؤساء إدارات المحاماة الشعبية (سميت المحاماة العامة)، وإدارة القضايا وإدارة القانون من تشكيلته، وتقديم مشروع لإنشاء هيئة عامة للمحاماة تدمج فيها المحاماة الشعبية وإدارة القضايا وتفصلان عن القضاء، والتلميح في المسودة الأولى للجنة العمل بهيئة صياغة مشروع الدستوربإلغاء هذه الإدارات كلية.  

والمثال الثاني للنزعة الحمائية في الوسط القانوني يقدمه قانون المحاماة رقم 3 لسنة 2014، والذي وضع مشروعه المحامون الخواص أنفسهم. في حين يجيز هذا القانون للمحامين الجمع بين الاشتغال بالمحاماة وتدريس مواد الشريعة والقانون في الجامعات والمعاهد العليا (المادة 31)، فإنه يضع شروطاً يبدو أنها لا تكتفي بحظر جمع أساتذة كليات القانون والشريعة بين عملهم التدريسي والمحاماة، بل تحظر أيضاً عملهم في المحاماة بعد مغادرتهم الجامعات والمعاهد العليا. هذه الشروط تكفل أيضاً، كما يبدو، منع منتسبي الوسط القانوني الآخرين مثل القضاة وأعضاء النيابة وأعضاء إدارة القانون من الاشتغال بالمحاماة بعد انتهاء خدمتهم في جهات عملهم الأصلية بسبب التقاعد أو استقالتهم. وفقاً للمادتين (11، 12)، يشترط للترافع أمام محاكم الاستئناف والمحكمة العليا امضاء عدد من السنوات في ممارسة مهنة المحاماة فعلياً، وأن يقدم، بالنسبة للترافع أمام المحكمة العليا، شهادة من نقابة المحامين الفرعية بعدم انقطاعه عن مزاولة مهنة المحاماة.

على هذا، يبدو أن صعود السلم من أوله بالقيد في سجل المحامين تحت التمرين هو السبيل الوحيد لولوج باب المحاماة. وما يعزّز هذا الفهم هو أن القانون رقم 3/2014 قد خلا من نص كانت التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة في ليبيا دأبت على تكريسه (المادة 18 من قانون المحاماة أمام المحاكم رقم 1/1962، المادة 17 من قانون إعادة تنظيم المحاماة رقم 82/1975، المادة 13 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 10/1990 بشأن إعادة تنظيم المحاماة)، ومفاده أن تحسب من مدة التمرين ومدة الاشتغال بالمحاماة أمام المحاكم الابتدائية أو محاكم الاستئناف كل مدة قضاها الطالب في القضاء أو النيابة أو في مزاولة المحاماة بإدارة القضايا أو بإدارة المحاماة الشعبية أو في الأعمال القانونية بالإدارة العامة للقانون أو في تدريس القانون أو الشريعة الإسلامية بكليات القانون أو الشريعة الإسلامية أو المعاهد العليا. لماذا حذف هذا النص إذا لم يكن القصد حظر الاشتغال بالمحاماة على غير من اختاروها سبيلاً منذ البداية؟

أما المثال الثالث للنزعة الحمائية فيقدمه مشروع قانون الجامعات، والذي وضعته عام 2013 لجنة من أعضاء هيئة تدريس جامعات ليبية مختلفة. من ناحية أولى، كان للمشروع مزاياه. فقد سعى إلى الموازنة بين تقرير مزايا مادية ومعنوية عديدة لأعضاء هيئة التدريس، وضبط ترقياتهم واستمرار خدمتهم بضوابط تتعدى أدائهم التدريسي والبحثي إلى خدمة المجتمع. وقد كان أيضاً موفقاً، بحسب رأيي، في إدراك أن الشأن الجامعي شأن عام يتعدى الاهتمام به منتسبي الجامعات، ومن ثم ينبغي لغيرهم المشاركة في وضع سياساته وخططه وتقويمه، وذلك من خلال تقريره عضوية ثلاث شخصيات متميزة بنشاطها الثقافي والمدني من خارج الجامعات في المجلس الأعلى للجامعات.
لكن المشروع من ناحية أخرى وضع ضوابط للانضمام لسلك التدريس الجامعي تمنعه على غير المعيدين (المادة 39 من المشروع). وحيث أن التعيين معيداً في إحدى كليات القانون مقيد بألا يتجاوز عمر المتقدم أربعة وعشرين سنة، فإن المشروع يحظر على من أتموا متطلبات التدريس الجامعي الأخرى، مثل الحصول على شهادة عليا، من القضاة والمحامين، مثلاً، التعيين في هذه الكليات. ومن الحجج التي سيقت تبريراً لهذا النص الحرص على انتقاء الأفضل لولوج باب التدريس الجامعي، وذلك من خلال قصره على المتفوقين من الخريجين، والذين يتم تعيين المعيدين من بينهم. ومن بين هذه الحجج، وإن كان التصريح بها أقل، الحفاظ على تقاليد التدريس الجامعي من خلال قصره على من أعدوا لتوليه، أي المعيدين. غيرهم، يقول البعض، تربوا في مؤسسات أخرى ذات تقاليد مختلفة، والتجربة تدل على أنهم غير ملمين، أو غير مبالين، بتقاليد الجامعات.
على كُلٍ، لم يكتب لمشروع قانون الجامعات أن يتحول إلى قانون. فبعد أن تم تعديله وفقاً لملاحظات لجنة التعليم العالي في المؤتمر الوطني العام، لم يعرض في أي من جلساته. وقد أشيع في حينها أن بعض أعضاء المؤتمر ممن كانت أعينهم على التعيين في الجامعات رأوا فيما وضعه المشروع من اشتراطات مانعاً من ذلك فمنعوه.

ومهما قيل في تبرير النزعة الحمائية، فإنني أرى فيها حائلاً دون تحقيق هدف مهم، وهو تطوير الوسط القانوني الليبي والرقي بأدائه، ومن ثم إسهامه في تعزيز حكم القانون. هناك شواهد كثيرة على أن هناك ضعفاً عاماً في تكوين وأداء منتسبي الوسط القانوني، من أعضاء هيئة تدريس في كليات القانون، والقضاة، وأعضاء النيابة العامة، والمحامين، وأعضاء إدارة القانون، والمستشارين القانونيين. وقد طرحت مقترحات عديدة لمعالجة هذه المشكلة. ولكننا نعتقد أن هناك وسيلة ناجعة لمعالجتها تتمثل في النظر إلى الوسط القانوني باعتباره كياناً واحداً، والسماح، من ثم، بتواصل وتفاعل أكبر بين منتسبيه يسهم في تجاوز ما يعتري كل منهم، على حدة، من قصور. على سبيل المثال، كان من مزايا التوجه نحو دمج المحاماة العامة (الشعبية) في الهيئات القضائية، والسماح، بالتالي، بانتخاب المتميزين من منتسبيها ليكونوا قضاة أن يتولى القضاء أشخاص أكفّاء تمرسوا في تخصصات قانونية لا تقتصر على القانون الجنائي. وكان هذا، لا شك، أفضل من وضع كان تولي القضاء فيه حكراً على أعضاء النيابة العامة، والذين تقتصر خبرتهم العملية إلى حد بعيد، بحكم عملهم، على القوانين الجنائية.

ميزة أخرى للدمج تمثلت في إتاحة فرصة أكبر لتولي المرأة القضاء. فنظرة إلى إحصائيات إدارة التفتيش القضائي تبين أن أعداد العاملات في المحاماة العامة (الشعبية) تفوق بمراحل أعدادهن في النيابة العامة،[1] وبالتالي فإن في السماح بولوج المحامين العامين (الشعبيين) باب القضاء سماح لأعداد أكبر من النساء بذلك، وهذا لا شك هدف رئيس في أي خطة اصلاح قضائي. ولا يتعارض هكذا مسلك مع مساعي استقلال القضاء التي قد تستلزم، وفقاً للبعض، اخراج المحاماة العامة (الشعبية)، بوصفها إدارة تتبع لوزارة العدل وتأتمر بأمرها، من القضاء، إذ يمكن إخراجها والإبقاء على مكنة اختيار الاكفاء من منتسبيها لتولى القضاء. 
وبالنسبة للمحاماة الخاصة، والتي توصف، بحق، أنها شريك في تحقيق العدالة، سيكون من شأن السماح لمنتسبي بقية الفئات القانونية بالانخراط فيها أن يثريها ويجعلها أقدر على القيام بمهام شراكتها هذه. هل هنالك شكٌ في الفائدة التي يحققها لمهنة المحاماة انضمام قاضٍ سابق إليها؟ الحديث هنا عن الفائدة التي تجنيها المهنة ككل، وليس عن أثر هذا على مصالح بعض محامين قد يرون في القادم الجديد منافساً قوياً. الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن إلا أن تكون نفياً، وتجربة المحاماة الخاصة التي مارسها، ولا يزال يمارسها، قضاة سابقون خير شاهد على ذلك.
وبذات المنطق، ينبغي السماح لأعضاء هيئة التدريس في كليات القانون والشريعة بممارسة المحاماة، ليس فقط بعد تركهم مهنة التدريس، ولكن بالإضافة إليها. وهذا هو الحال في القانون المصري، ويحضرني في هذا المقام حكم للمحكمة الدستورية المصرية أوضحت، بما لا مزيد عليه، حكمة هذا الجواز. فبعد أن أكدت المحكمة على "أن المحاماة - في أصلها وجوهر قواعدها - مهنة حرة يمارسها المحامون وحدهم في استقلال، ... [وأن] استقلال المحامين في أداء أعمالهم واحتكامهم إلى ضمائرهم وسلطان القانون دون غیرهما، ینفي بالضرورة تبعيتهم لجهة عمل تتولى توجههم وفرض رقابتها عليهم، ... "، مضت لتؤكد "إنه لا ینال مما تقدم استثناء أساتذة القانون في الجامعات المصرية من [حظر الجمع] ...، ذلك أن المشرع قدر أن مهنة المحاماة یثریها ویدعمها انضمام هؤلاء إليها باعتبارهم أقدر على الإبداع والتأصيل، وتأسيس دفاع مقتدر یعتمد على اتساع خبراتهم، وإحاطتهم بفروع القانون على اختلافها، وتعمقهم لأغوارها، واتصالهم بأدق مسائلها، فلا یكون إسهامهم في أعمالها إلا عونا على إدارة العدالة بما یقیمها على صحيح بنيانها. والأثر الإيجابي لممارسة أعضاء هيئة التدريس المحاماة لا يقتصر على إثراء الأخيرة، بل يتعداه إلى أداء هؤلاء التدريسي والبحثي أيضاً؛ ألن يكون تدريس أركان المسؤولية التقصيرية، مثلا، أوفى وأكثر صلة بالواقع حين يعززه الأستاذ بأمثلة من قضايا شارك فيها بوصفه محامياً؟ أليس في هذه الممارسة فرصة لتقويم نصوص القانون التي يقوم الأستاذ بشرحها وبيان مدى وفائها بالحاجات العملية، ومدي حاجتها، من ثم للتعديل؟
وتشكل قاعات البحث في كلية القانون ببنغازي مثالاً عن المساهمة التي يمكن للخبرة العملية في ممارسة القانون أن تقدمها للتدريس الجامعي. وقاعات البحث طريقة في التدريس مؤداها تخصيص ساعة تدريسية في مقررات مثل "نظرية الالتزامات"، و"الإجراءات الجنائية"، و"الأحوال الشخصية" للجوانب العملية لهذه المقررات، على أن يتولى التدريس قضاة أو محامون، أو غيرهم من الممارسين. وقد أتيحت لي حين كنت طالباً في تلك الكلية فرصة التتلمذ في هذه القاعات على أيدي محامين وقضاة، وكم كان لافتاً كيف أثرتْ خبرة هؤلاء عملية التدريس. وإذا كان للخبرة العملية في ممارسة القضاء أو الادعاء العام أو المحاماة أو الاستشارات القانونية دور لا ينكر في اثراء تجربة التدريس والتعلم، ألا ينبغي السماح لهؤلاء بالانضمام إلى سلك التدريس الجامعي؟ يتعين أن تتحقق في هؤلاء، بالطبع، كما يتعين على كل من يريد تولي القضاء أو ممارسة المحاماة الخاصة شروط تضمن استيفاءهم متطلبات الفئة المراد الانضمام إليها، ولكن هذه الشروط ينبغي أن تقتصر على هذا القدر وألا تتعداه إلى حظر إمكان الانضمام في ذاته.
لهذا، أدعو إلى إعادة النظر في كافة الممارسات التي تتبنى نزعة حمائية، وإلى تبنى أخرى تنطلق من نظرة أكثر شمولية للوسط القانوني تسمح بالتواصل بين فئاته المختلفة بما يسمح بالرفع من مستواه وتطويره.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.

 
 


[1] وفقاً لإحصائية عن عام 2015 عرضها محمد حمودة، عضو إدارة القانون، في مؤتمر عن اصلاح القضاء عقد في تونس في شهر مايو 2016، كان عدد الاناث من أعضاء النيابة العامة 108 من أصل 783 في حين كانت عددهن 851 من أصل عدد منتسبي المحاماة العامة البالغ 1231.