كشفت نهاية أجل تقديم الشكايات لهيئة الحقيقة والكرامة فيما تعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وملفات الفساد عن الفترة الممتدة من 01-07-1955 الى 24-12-2013 بنهاية يوم 15-06-2016 أن هذه الهيئة التي أناط بها قانون العدالة الانتقالية مسؤولية إدارة ملف مسارات العدالة الانتقالية ستبحث في ثمانية وخمسين ألف وخمس ملفات.

كشفت المواكبة الإعلامية لعملية إيداع ملفات الشكايات بالهيئة عما ميز الملفات من تنوع في مصادرها وعن تغطيتها لكافة أشكال انتهاكات حقوق الانسان. فقد صدرت الشكايات عن أغلب الجمعيات الحقوقية والمهنية التي كانت ناشطة خلال فترة البحث المحددة في قانون العدالة الانتقالية. وتلقت تبعا لذلك الهيئة ملفات تطالبها بكشف الحقيقة عما تعرضت له جمعيات عدة من انتهاكات وتضييقات طالت هياكلها والناشطين بها[1]. كما تلقت ملفات تطالبها بكشف الحقيقة بشأن تعرض مدن وقرى للتهميش خلال الحقبة الاستبدادية نتيجة اعتبارات جهوية للقائمين على الحكم أو عقابا لسكانها على مواقف سياسية معينة[2]. وفي ذات اطار ذات الشكايات الجماعية، تقدم المكلف العام بنزاعات الدولة في حق الدولة التونسية بستمائة وخمسة وثمانين ملف طلب تعهد بالبحث في ملفات فساد أضرت بالدولة التونسية. وتميزت الشكايات الفردية بدورها بذات التنوع إذ صدرت عن حقوقيين وناشطين سياسيين واجهوا منظومة الاستبداد وعن أشخاص تعرضوا لمظالم نتيجة فساد الدولة.
أشّرت أهمية الشكايات وتعدّد مصادرها وتغطيتها لكامل أنواع الإنتهاكات التي حدّدها قانون العدالة الإنتقالية من جهة المساندة السياسية والحقوقية لتعهيد الهيئة ببحث ملفات الاستبداد والفساد من جهة ثانية على نجاح هيئة الحقيقة والكرامة كمؤسسة في حسم صراع الوجود الذي واجهته منذ ما يزيد عن السنة لفائدتها. وأهمية عدد الشكايات وما تفيد به من رغبة عامة في مواصلة مسار العدالة الانتقالية تحمل هيئة الحقيقة والكرامة في الوقت نفسه مسؤولية إصلاح ما مسّ صورتها العامة نتيجة خلافات أعضائها.

هيئة الحقيقة والكرامة تنجح في كسب المشروعية الشعبية
برزت الحملات التي شهدتها صفحات التواصل الاجتماعي لمطالبة الضحايا بإيداع ملفاتهم للهيئة كموقف مضاد للخطاب السياسي الذي بات يرفع شعار طي صفحة الماضي دون تقليب فيها بحثا عن المصالحة. وأشرت أهمية عدد الشكايات والازدحام الكبير الذي عرفته مقرات الهيئة في الأيام الأخيرة من آجال التشكي عن كون أغلب المنظمات الحقوقية والاجتماعية والناشطين السياسيين والحقوقيين يساندون مسار العدالة الانتقالية.

هيئة الحقيقة والكرامة: النجاح يحتم الاصلاح
أكدت المحكمة الادارية في قرارها الصادر بتاريخ 03-06-2016 تحت عدد 419632 أن النزاع الداخلي الذي عرفته الهيئة بعد رفض مجلسها الاذعان للاحكام القضائية التي توقف قرار مجلسها طرد نائب رئيسة الهيئة السيد زهير مخلوف يجعل الهيئة "تدخل حالة اللامشروعية". كما كشف ذات القرار لجهة من تقدم بالدعوى أن مجلس الهيئة المكون قانونا من 15 عضواً، فقد أربعة من أعضائه بسبب قرار الرفت والاستقالات دون تعويض، وأن الانقسام بين بقية أعضائه وصل الى حدّ الصراع القضائي، على نحو يهدد بوصول الهيئة لحالة عجز كامل عن العمل. وما يعزز من احتمالات التعطيل هو أن قانونها الأساسي يشترط في الفصل 59 منه لصحة جلساته حضور ثلثي أعضائها.
رفضت الهيئة الاعتراف بعدم شرعية طرد مجلسها لنائب رئيستها على خلفية تقديمه بشكاية لرئيس مجلس نواب الشعب يطلب صلبها البحث في شبهات فساد مالي تطال رئيسة الهيئة. فيما لم يتولّ مجلس نواب الشعب تعويض ثلاثة أعضاء من الهيئة استقالوا منها على خلفية مؤاخذات تمسكوا بها.

ويستدعي حسن إدارة ملف العدالة الانتقالية أن يتولى مجلس نواب الشعب تعيين أعضاء جدد بالهيئة يغطي عدد المستقيلين. وتظل هذه الخطوة متى تحققت غير كافية بذاتها. فيشترط أن يصاحبها إخضاع هيئة الحقيقة عملها لنقد ذاتي ينهي الصراعات الداخلية. هذه الصراعات التي يهدد استمرارها بتعطيل مسار العدالة الانتقالية من الداخل بما يحقق ما عجز عنه من حاولوا إيقافه من الخارج.
 


[1]يراجع مقال ملف جمعية القضاة لدى هيئة الحقيقة والكرامة هل يفتح ملف الحقبة السوداء – الاستاذ عبد السلام الككلي – موقع المفكرة القانونية            
[2]يراجع مقال الدكتور وحيد الفرشيشي المنطقة الضحية المنشور بموقع المفكرة القانونية