في العدد 35 من "المفكرة القانونية"، نشرنا رواية تحت عنوان "متحوّلة جنسيّاً تروي قصة توقيفها لثلاثة أيام"، تفضح ما تعرّضت له هذه الفتاة في السجن من تعذيبٍ وإذلالٍ، على أيدي مجموعة من العناصر الأمنيّة. وفي هذه المقالة من العدد 39، نسرد روايةً جديدةً لإمرأة متحوّلة جنسيّاً أيضاً، تعرّضت للإعتداء والإذلال ليس لشيء سوى لإرضاء فضول عنصرٍ في قوى الأمن الداخليّ، صادفها عند نقطة تفتيشٍ ثم عاد وأطلق سراحها بعدما حصل على "تسليته" ولقّنها ما لا تستحقه من الإهانات.
يشار إلى أن الرواية الواردة هنا تأتي على لسان ضحيّتها، وقد نقلت بعض الألفاظ الجارحة. نضعها أمام القرّاء أولاً للأمانة في نقل "الحوارات"، وتالياً لإدراك ما مرّت به هذه الفتاة والضريبة التي دفعتها ثمناً لرجعيةٍ راسخة في أذهان بعض العناصر الأمنية يمارسونها بحريّةٍ فلا يقي القانون الناس منها.
 
  • حاجز "مزاجيّ"
 
منذ نحو الأسبوعين، كنت أقود سيارتي على كورنيش المزرعة برفقة صديقٍ لي، فيصادفنا حاجزٌ لقوى الأمن الداخليّ. عندما اقتربت منه، طلب مني أن أركن على جنب، وأريه أوراق السيارة.
وجد الدركيّ أن الأوراق الرسميّة بإسم شابٍ، نادى على شخصٍ أخر قائلاً له: "سيدنا، شاب".
حضر الشخص الأخر، وردّ عليه: "آآآه شاب".
فسألته، عندها:" إيه، ليه؟".
أجابني: "لا، ما شي. بس معك خبر إنو أنا بقدر هلق أخدك على المخفر؟".
سألته: "ليش بدك تاخدني على المخفر؟".
ردّ علي:" بتهمة إنتحال صفة".
أنا لا أعرف مدى صحّة أقواله قانونياً، ولكن سألته: "أووف ليه؟ شو عملت؟".
أجابني: "هيك، مزاجي".
عندها أجبته: "إذا أردت ان تأخذني، خذني. ولكنني لم أفعل شيئاً".
وربما يكون جوابي قد استفزه، فقال: "ما فارقة معك إذا باخدك؟".
قلت: "أنا مش عاملة شي غلط".
فأجابني: "بس إسمك شاب، وشكلك بنت".

ثم طلب من العنصر أن يقوم بتفتيش السيارة. ومن بعدها، أمره بوضع الأصفاد حول معصميّ، ووضعي في سيارةٍ بيضاء عجزت عن الصعود إليها لأنها مرتفعة عن سطح الأرض، فوضعوني بسيارة "فورد" سوداء كتب عليها: 112.
صديقي، وهو ليس لبنانياً، كان قد وصل لتوّه إلى لبنان، فأعلموه بأنهم سيأخذوني وطلبوا منه أن يركب سيارة أجرة وينصرف أو يأخذونه معي. شعر صديقي بالخوف، ولبّى طلبهم ورحل فوراً.
 
 
  • ملازمٌ أول يعتدي
 
قبلت الصعود معهم في السيارة، فأنا لا أعرف بالقانون. فكّرت بأنهم سوف يأخذوني إلى المخفر ليتأكدوا من أن هويتي ملكي، وليست مزوّرة، قبل أن يطلقوا سراحي.
أبقوني داخل سيارة "الفورد" نحو ربع ساعة، والأصفاد حول معصمي، ويديّ خلف ظهري. في السيارة، قال لي هذا الرجل الذي علمت في ما بعد أنه ملازمٌ أول ويدعى علي: "عامل بنت يا عرصا؟".
كنت أرتدي بلوزة من دون كمّين، فطلب من العنصر أن يخلعها عني، ثم قام بوضع يده على صدري وراح يتحسسه من فوق حمّالة الثديين، بينما يقول لي: "وكمان بزاز يا عرصا"، أو قال لي: "يا منيك"، لم أعد أذكر.
بعدها، صار يصوّرني ويصوّر أوراقي الثبوتية. فسألته عن السبب، معتقدةً في البداية أنه يمتلك الحقّ في فعل ذلك. لكن، لاحقاً، عرفت أن هذا عمله مخالفٌ للقانون.
أجابني: "هيك، حابب بهدلك". هنا، شعرت بالخوف.

بعد ربع ساعةٍ، قال لي أنهم سيأخذونني إلى المخفر. فجاء أحد العناصر، وقال له: "سيدنا، ما تاخدو ع المخفر، هلق بيجوا جمعيات حقوق الإنسان وبيعملولنا قصّة عليه". فأعطاني أوراقي وقال لي: "يلا، فلّ".
بقي معي الخوف من فكرة أنهم قاموا بتصويري. وفور إطلاق سراحي، توجهت إلى "ثكنة الحلو"، ورويت للعناصر فيها ما حصل معي. فسألوني عن موقع الحاجز، وبعدما حدّدته، قالوا إنها نقطة تابعة لمخفر الرملة البيضاء.
 
  • في مخفر الرملة البيضاء
 
توجهت إلى مخفر الرملة البيضاء ورويت للعناصر القصة مجدداً. عاملوني بطريقةٍ جيدة نوعاً ما، وسألوني عن الطريقة التي أفضّل أن يعاملونني بها (مؤنث أم مذكر)، فأجبتهم: لا فرق الآن، فكلّ ما يهمّني أن أنتهي من هذه القضيّة. فتحوا لي محضراً، ودوّنوا كلّ شيءٍ فيه، كما قاموا بتصوير يديّ لأنهما كانتا شديدتي الإحمرار من قوّة إحكام الأصفاد عليهما.
خلال التحقيق معي، سألوني إن كنت أريد أن يكشف عليّ طبيبٌ شرعيّ، فقلت لهم: نعم. لكنهم عادوا وأوضحوا لي أنه سيتوجب علي أن أتكفل بالنفقات. في البداية، ظننت أن قيمة النفقات لن تتجاوز الخمسين أو المئة ألف ليرة، لكني اكتشفت أن الطبيب يتقاضى مبلغاً ما بين 400 و500 دولارٍ لتأكيد وجود آثار الأصفاد. فأحجمت، ومع ذلك، دوّن عناصر المخفر ما يفيد بأن آثار الأصفاد بدت واضحة على يديّ.
بعد الإنتهاء من تدوين المحضر، سألوني إذا كان الهدف من الشكوى هو الحصول على المال، فقلت لهم أنني أتقدّم بشكوى لأوضّح ما جرى وأتفادى مشكلاً في حال إختار الملازم أول إياه التصرّف بأوراقي، فتكون القصة واضحة. أنا فعلاً لا أفهم بالقانون، ولا بما يمكنه فعله بالصور. بقيت في المخفر نحو ثلاث ساعات، ثم طلبوا مني أن أعود في اليوم التالي لأقابل رئيس المخفر.
في اليوم التالي، إلتقيت برئيس المخفر، وسألني عمّا حصل معي مجدداً. في البداية، لم يصدّق أن الملازم أول قام بتصويري. فسألته: "ما الذي يفيدني من تلفيق هذه القصّة؟". فقال لي: "أنا لا يهمّني من الرواية إلا أمرين: أنه قام بنزع ملابسك ووضع يده على صدرك، وأنه قام بتصويرك". ثم سألني:" طالما ألبسك الأصفاد، لماذا لم يأخذك إلى المخفر؟". فأجبته بأنني لا أعرف.
 
  • المواجهة مع الملازم أول

طلبوا العناصر الذين كانوا على الحاجز يومها، فسردوا ما جرى معي بالتفصيل، وتماماً كما رويت أنا القصة. ولكنهم لم يأتوا على ذكر التصوير ونزع كنزتي، لأنهم، بطبيعة الحال، لا يعرفون ما جرى في السيارة لأن شخصين فقط كانا معي فيها، الملازم أول والعنصر، بينما استمر البقية في عملهم على الحاجز.
من هنا، ما كانوا ليصدقوا روايتي إلى أن استحصلوا على إذنٍ خاص للتحقيق مع الملازم أول. عندما حضر، أنكر أنه قام بتصويري. فاطلعوا على هاتفه وكان قد مسح الصور، ولكنهم قاموا بشيءٍ ما مكّنهم من إستعادة الصور المحذوفة، فظهرت صوري.عندها، قال لهم أنه قام بتصويري بعدما أخذ موافقتي.
لما سألوني، نفيت الأمر كلياً. وقلت: "معقول أن أسمح له بتصويري؟". فنفذوا مواجهةً بيني وبينه، إذ أن رؤيتهم للصور، بعد نفيه وجودها، لم تجعلهم يصدقون روايتي، وبقيوا يتساءلون حول السبب الذي دفع به لإنزال كنزتي.
قلت لهم: "لماذا سأفتري عليه وأنا لا أعرفه من قبل ولا أعرف حتى اسمه؟".
قال أحد العناصر أنه رآني والبلوزة مسحوبة عن صدري، فردّ الملازم أول على ذلك بأنني أنا من أنزلتها. فسألت: "كيف أفعل ذلك، ويداي خلف ظهري؟". فسألني رئيس المخفر إذا ما حاولت عبر ذلك إغراءهم، فأجبته: "كان ليصح هذا الأمر لو أنني كنت لوحدي بالسيارة. ولكن، كيف أفعل ذلك وأنا برفقة شخصٍ آخر؟".
عندها، قال له من يدوّن المحضر: "معو حق سيدنا بهيدي".
فسألني عندها إن كنت أريد متابعة الدعوى ضده، وأخبرني بأن الملف أصبح عند القاضي صقر صقر.
في هذه الأثناء، كنت قد اتصلت بجمعية "حلم"، واستشرتهم. فطلبوا مني أن أمضي بالقضية.
فأجبت: "نعم، أريد متابعة القضية".
أنا أعرف ثلاث متحوّلات أخريات مررن بالتجربة عينها، لكنهن لم يشتكين لأنهن يخفن ولأن أهاليهن لا يقبلن بذلك، إذ يخجلن أن يعرف الناس أن أولادهن متحوّلات جنسيّاً.

نشر في العدد 39 من مجلة المفكرة القانونية
 

 
 1 تغيير الجنس في حكم قضائي جديد: احترام حق الفرد في تغيير حاله. يمنى مخلوف
2 التعذيب في لبنان كممارسة ممنهجة (4): الفئات الأكثر تعرضاً للتعذيب. سارة ونسا