بتاريخ 5-5-2016، أصدر القاضي المنفرد الجزائيّ في المتن هشام القنطار قراراً قضى بإبطال التعقّبات بحقّ شخصٍ أدُعي عليه سنداً للمادة 534 من قانون العقوبات، وهي المادة التي تُستخدم عادةً لتجريم العلاقات المثليّة[1]. وقد أسهب القرار في تحليل المادة 534 ليصل إلى إستنتاجٍ يقضي بأن عبارة "مجامعة على خلاف الطبيعة" الواردة فيها لا تنطبق على فعل العلاقة الجنسيّة الحاصلة بين شخصين من الجنس نفسه. يستكمل هذا القرار حكمين سابقين كانا قد فسّرا المادة 534 في الإتجاه ذاته: الأوّل صدر عن القاضي المنفرد الجزائي في البترون منير سليمان بتاريخ 2-12-2009، والثاني صدر عن القاضي المنفرد الجزائي في المتن ناجي دحداح في 28-1-[2]2014.
في محاولةٍ لقراءة هذه الإجتهادات الثلاثة "أفقياً"، يهمنا تسجيل ثلاث ملاحظات تتعلق بالنقاط المشتركة في ما بينها، وفي المقاربة الجديدة التي طرحه االقرار الأخير الصادر عن القنطار.
 
القاضي يتمسّك بسلطته التفسيريّة
 
في الحكم الصادر عن محكمة البترون (سليمان)، تمّ توقيف الشابّين المدّعى عليهما لمّا كانا في سيارةٍ راكنة على جنب الطريق. وقد ورد في المحضر "سردٌ لعمليّة تقبيل ومداعبة من دون وجود فعلٍ جنسيّ". أما الحكم الثاني الصادر عن محكمة المتن (الدحداح) فيخصّ إمرأةً متحوّلةً جنسيّاً إعترفت بممارسة الجنس مع رجال، وادُعي عليها على أساس المادة 534. في القضية الأخيرة (القنطار)، تمّ توقيف شخصٍ من التابعيّة السوريّة كان يقف عند قارعة الطريق مرتدياً ملابس وصفت بالـ"نسائيّة"، وقد أفاد بأنه "يرتدي الملابس النسائيّة بالنظر إلى ميله الأنثويّ منذ الطفولة"، وأنه "كان يقوم بممارسة الجنس مع رجال في سوريا"، بحسب نصّ القرار. نسرد هذه الوقائع لنشير إلى أن القاسم المشترك بين هذه القضايا هو أنها لا تشكّل علاقة مجامعة (conjunction charnelle) بالمعنى القانونيّ. وبالتالي، كان بإمكان القضاة في الحالات الثلاث، أن يكتفوا بتبرئة المدّعى عليهم /نّ، لعدم توافر العناصر الماديّة للجريمة، من دون التطرّق إلى تفسير المادة 534.

إلّا أن الأحكام الثلاثة تشير إلى نيّةٍ واضحة لدى القضاة بالذهاب أبعد من الوقائع، وطرح تفسيرٍ قانونيّ مختلف للمادة 534. بدوا متمسّكين بسلطتهم في تفسير النصّ، ومؤكّدين على صلاحيتهم في هذا المجال. وهذا ما ذكرته الأحكام الثلاثة صراحةً. وأكثر من ذلك حتى، إذ يبدو وكأن القاضي إستغلّ وجود هذه القضايا ليمارس صلاحيته التفسيريّة، أو بعبارةٍ أخرى، يبدو وكأنه كان بإنتظار دعوى شبيهة ليصدر هذا التفسير. ولعلّ ما يعزّز هذه الفرضيّة هو أن التفسير جاء بمبادرةٍ من القاضي، إذ لم يكن قد طرحه المحامي مثلاً، علماً أن حكمَي محكمتَي المتن صدرا من دون وجود محامٍ /ية للدفاع عن المدعى عليه/ا. هذا الإصرار على تفسير المادة 534، على الرغم من وجود أبواب "بديلة" لتبرئة المدعى عليه/ا، يشكلّ مدخلاً هاماً نحو تكريس دور القضاة في تفسير النصوص، وتطوير أساليبهم المختلفة في ذلك، كما سنبيّن في ما يلي.
 
في تفسير المادة 534: كيف نفهم الطبيعة؟
 
تطرّق كلّ من الحكمين الصادرين في البترون (سليمان) والمتن (القنطار) إلى تفسيرٍ مسهبٍ لمفهوم "الطبيعة" الوارد في المادة 534. وفيما تكمن الأهميّة الأبرز لقرار الرئيس القنطار في طرحه تفسيراً قانونياً وإجتماعياً وبيولوجياً للمثليّة، تختلف مقاربة الرئيس سليمان لهذا المفهوم.
إن القرار الصادر عن محكمة البترون (سليمان) أسهب في تحليل الطبيعة، إنطلاقاً من تفسيرٍ فلسفيّ وجوديّ لهذا المفهوم (Interprétation ontologique). وقد جاء في القرار أن الإنسان "لم يستطع بعد فهم قوانين الطبيعة بجوانبها كافّة، ولا يزال حتى اليوم يسعى لإكتشاف الطبيعة وطبيعته حتى". فهو جزءٌ من الطبيعة وأحد عناصرها، وبالتالي "لا يمكن القول عن أيّ ممارسة من ممارساته أو عن أيّ سلوكٍ من سلوكه أنه مخالفٌ للطبيعة". وبذلك، يكون القرار قد توصّل إلى الإستنتاج التالي: بما أنه لا يمكن تحديد طبيعة الإنسان، لا يمكن تالياً تحديد أيّ تصرّفٍ مخالفٍ لها. لا شكّ أن هذا التفسير هامٌ جداً لناحية الحدّ من تطبيق المادة 534 على علاقاتٍ جنسيّة عديدة، ومنها العلاقات المثليّة والعلاقات الزوجيّة غير المؤدية للإنجاب، إلا أن إعتبار أنه لا يمكن تعريف أيّ تصرّفٍ إنسانيّ كمخالفٍ للطبيعة يؤدي عملياً إلى إفراغ المادة 534 من مضمونها، مما يفتح هامشاً للنقد على أساس تعارضه مع مبدأ فعالية النصّ القانونيّ (principe de l’effet utile de la loi).

في المقابل، يعتمد القرار الصادر عن الرئيس القنطار مقاربةً مختلفة في تفسير المادة 534. فبدلاً من أن يذهب في منحى الإجتهاد السابق ليعلن أنه لا يمكن تحديد الطبيعة، إختار أن يسهب في تحديدها وتفسيرها، مستبدلاً التفسير الوجوديّ للنصّ بتفسيرٍ إجتماعيّ، بيولوجيّ، وقانونيّ. فالقاضي لم يستبعد مفهوم الطبيعة بشكلٍ تامّ، وإنما أعاد تفسيره معتمداً، أولاً، على المبادئ القانونيّة العامّة ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقرار رقم 17 لمجلس حقوق الإنسان والتوجّه العام والمبادئ المكرّسة من قبل منظمة الأمم المتحدة. ثانياً، يفسّر القرار "الطبيعة" بالنظر إلى المفاهيم البيولوجيّة، فيذكّر بأن المثليّة الجنسيّة لا تشكّل مرضاً. وأخيراً، ينتقل القاضي إلى تفسير النصّ بالنظر إلى المفاهيم الإجتماعيّة السائدة وتطوّرها، معتبراً أن مفهوم الطبيعة يمكن أن "ينطوي على معانٍ مختلفة بحسب المنظار المتخذ لتفسيره لاسيما متى تتعلق بالعلاقات الإنسانيّة، المتغيّرة دائماً، والخاضعة لتطوّر المفاهيم والأعراف والمعتقدات، وغير المرتبطة حتماً بالقواعد الدينيّة أو الإجتماعيّة". كما يربط المثليّة بممارسة حريّة فردية، ولم يرد ذلك في أيّ من القرارات السابقة.

مما لا شك فيه إن منهجيّة التفسير هذه تأتي على غايةٍ من الأهمية، حيث تتبنى تفكيك النصّ القانونيّ من معناه السائد وتعيد تفسيره، من دون أن تعلن صراحةً على الأقل عدم جدوى وجوده. هذا الأسلوب يذكّر بإحدى مدارس التفسير، وهي المنهج السوسيولوجيّ أو ما يعرف بالبحث العلمي الحرّ (libre recherche scientifique)، التي أطلقها فرانسوا جيني. إن إعتماد هذا المنهج في تفسير القانون قد يشكّل مدخلاً هاماً نحو إنصاف العديد من الفئات الإجتماعيّة الهشّة. أضف إلى ذلك أن إيراد تفسيرات علميّة إلى جانب التفسيرات القانونيّة يعتبر هاماً لناحية "عقلنة" الخطاب، بحيث يضطر أيّ مناقشٍ أو معارضٍ للقرار على أن يردّ باللغة نفسها من دون أن يتيح أيّ مجالٍ للخطاب القيميّ والأخلاقيّ.
 
التحصين يسبق التفسير: إستراتيجيّة "صنع" الإجتهاد؟
 
نظراً لأن الأفعال الواردة في القضايا الثلاث لا تشكّل مجامعةً بالمعنى الكامل، وبالبناء على ذلك، فإن القضاة تمكّنوا من الإستناد إلى حجج قانونيّة / تقنيّة لتبرئة المدعى عليهم /ن، قبل الخوض في تفسير المادة 534 أو التعليق عليها. فمثلاً، أفاد القرار الأول (سليمان) بأن "الوقائع المحالة أمام المحكمة لم يرد فيها أيّ فعل إتصال، وبالتالي لا تتضمن حصول مجامعة". كذلك، بدأ القاضي القنطار حكمه بالإشارة إلى أنه "لم يثبت في الملف إقدام المدعى عليه على إقامة أيّ علاقةٍ جنسيّةٍ مع أيّ شخص (ذكر أو أنثى)". قد يعتبر البعض أن ذلك يصبّ في صالح إعطاء المادة 534 مشروعيّةً من حيث الإستناد إلى ما ورد فيها حرفياً لتبرئة المدعى عليهم /ن، إلا أنه يأتي كإستراتيجيّةٍ، خاصّةً في ظروفٍ مماثلة. فتحصين القرار قانونيّاً يضعّف إمكانيّة فسخه في المحاكم العليا في حال إستئنافه، وبالتالي، تعطي تبرئة المدعى عليه /ا بالإستناد إلى أسبابٍ تقنيّة الحكم قوّةً ومشروعيّةً معيّنة. إلى ذلك، يمكن للوقائع الواردة في هذه القرارات أن تشكّل الفرصة المثاليّة التي تمكّن القاضي من طرح تفسيرٍ مماثلٍ للمادة 534 وتفكيكها. فالبدء بحالاتٍ أقل صعوبة وأقل قابليّةً للفسخ، يشكّل إستراتيجيّةً هامّةً لتراكم الإجتهاد من جهة، ولطرح المسألة في النقاش العام من جهة أخرى. فعلى الصعيد المجتمعيّ، تشكّل هكذا قضايا مدخلاً هامّاً للتوعية على حقوق المثليّين/ات وتبيان الإجحاف القانونيّ الذي يتعرّضون/ضن له. تضيء هذه القرارات على كيفيّة إستخدام النيابات العامّة للمادة 534 بغرض الإدعاء على أشخاصٍ قد يكون فعلهم ببساطة "إرتداء ثياب نسائيّة". فيأتي إرتكاز هذه القرارات على تحصينٍ قانونيّ وعلميّ معيّن ليشكّل "عقلنةً" للتهم الموجهّة ومحاكاة لها بلغة القانون (وهي اللغة التي ينظر إليها المجتمع كلغة المنطق)، فيسهم تالياً في إيصال رسالةٍ إلى المجتمع من جهة، وفي تجنّب صدمة الرأي العام وردود فعل عنيفة قد تعترض قرارات مشابهة من جهةٍ أخرى (أيّ ما يعرف بالـjudicial backlash).

في الخلاصة، يمكن بثقةٍ القول إن حال المادة 534  بعد هذا الحكم ليست كحالها قبله. لا شكّ أن هذه الأحكام الثلاثة سلكت أوّل الطريق في مسيرة إسقاط هذه المادة، وهنا صلب رهان "المفكرة القانونيّة": المادة 534 ستسقط في القضاء، قبل البرلمان.. على أمل صدور الحكم الرابع قريباً.

نشر في العدد 39 من مجلة المفكرة القانونية


[1]يمكن الإطلاع على النص الكامل للقرار على موقع "المفكرة القانونية":
http://www.legal-agenda.com/article.php?id=1538&folder=articles&lang=ar
[2]يمنى مخلوف، "أندروجين" أمام القضاء الجزائيّ اللبنانيّ: حكمٌ ثانٍ لإعادة تعريف "المجامعة خلافاً للطبيعة"، العدد 14، شباط 2014.