نظمّت حكومة الرئيس تمام سلام الإنتخابات البلديّة والإختياريّة في لبنان خلال شهر أيار 2016. وكان اللبنانيّون قد توقّعوا تأجيل الإنتخابات بعد تذرّع النوّاب بـ"الظروف الأمنيّة" للتمديد لأنفسهم مرتين في العامين 2013 و2014. إلا أن عوامل كثيرة تلاقت لتجبر الحكومة على الإلتزام بموعد إجراء الإنتخابات البلديّة، نذكر منها: حراك صيف 2015، والنقمة العارمة جرّاء أزمة النفايات، والفراغ في سدّة الرئاسة الأولى على مدى سنتين، بالإضافة إلى فضائح الفساد وتردّي الأوضاع المعيشيّة. أسقطت صناديق الإقتراع في 8 أيار 2016 حجّة التمديد للمجلس النيابيّ، وألغت ذريعة "الظروف الإستثنائيّة" التي ارتكز عليها قرار المجلس الدستوريّ للموافقة على التمديد.
التمديد ليس بجديدٍ على حكومات ما بعد الطائف. فهذه الأخيرة لجأت إلى الحجّة نفسها، أيّ الظروف الأمنيّة، في التمديد لولاية المجالس البلديّة والإختياريّة منذ العام 1990. لم تتراجع الحكومة إلا بعد تشكيل "اللقاء الوطني من أجل الإنتخابات البلديّة والإختياريّة"، وإطلاق حملة "بلدي... بلدتي... بلديّتي" في آب 1998 التي سعت إلى الضغط على السلطة بغية إجراء الإنتخابات. لاقت الحملة الدعم الأساسيّ من القضاء، بعد إصدار المجلس الدستوريّ قراراً أبطل فيه قانون التمديد للمجالس البلديّة والإختياريّة حتى العام 1999. يسعى هذا المقال إلى تعريف القارئ /ة على حملة "بلدي..."، أطر عملها في واقعها ذاك، وأهدافها. كما يتوقّف عند قرار المجلس الدستوريّ، وسعي الحكومة إلى الإلتفاف عليه من خلال طرح التعيين في البلديات كبديلٍ عن الإنتخاب.
 
"بلدي... بلدتي... بلديّتي"
 
تبلورت فكرة "اللقاء الوطنيّ من أجل الإنتخابات البلديّة والإختيارية" ("اللقاء"، لاحقاً في النص) خلال إجتماعٍ دعت إليه "الجمعيّة اللبنانيّة من أجل ديمقراطيّة الإنتخابات" (الجمعيّة) في 24 نيسان 1997. بحث المنظّمون مسألة تأجيل الإنتخابات البلديّة والإختياريّة إلى نيسان 1998، بعدما كانت مقررة في 1 و8 حزيران من العام نفسه. حاول الناشطون وضع إستراتيجيّة عمل تمنع التمديد وتجبر الحكومة على إجراء الإنتخابات. رأى هؤلاء أنه يجب تجنّب أيّ مواجهةٍ مباشرةٍ مع النظام، خاصة أن هذا الأخير كان قد حرم اللبنانيين حقّهم في التظاهر منذ العام 1993، ولجأ إلى القمع والتوقيفات التعسفيّة لمنعهم من الإحتجاج. لحقت الإجتماع لقاءاتٌ في عدّة مناطق لبنانيّة، وأُعلن عن إنشاء "اللقاء" خلال مؤتمرٍ صحافيّ عقد في "فندق الكارلتون" في 6 آب 1997، تبعه حفلٌ في "مسرح بيروت" في 8 آب 1997.

حاول وزير الداخليّة آنذاك ميشال المرّ التدخّل لإعاقة المؤتمر، فطلب من قوى الأمن منع دخول المشاركين. إلا أن حضور نوّاب المعارضة[1] أمّن الحماية للقيّمين على الحفل والمواطنين. هناك، دعا أعضاء "اللقاء" اللبنانيّين إلى التوقيع على عريضةٍ شعبيّةٍ للمطالبة بإجراء الإنتخابات بعدما كان مليون و200 ألف لبنانيّ /ة قد تقدموا بطلب الحصول على البطاقة الإنتخابية. وتمّ خلال الحفل الإعلان عن إنشاء حملة "بلدي... بلدتي... بلديّتي" التي "ترمي إلى المطالبة بتقريب موعد الإنتخابات وتفعيل المجتمع المدنيّ وتسهيل التواصل والتفاعل بين مؤسساته الحيّة والمتنوّعة والملتزمة[2]".
لم يشأ المجتمعون البحث في قانون الإنتخابات الذي يجب إعتماده بغية تأمين أفضل تمثيلٍ ممكنٍ في المجالس المحليّة، بعدما تبيّن لهم أنّه يشكلّ مادةً خلافيّة بين الأعضاء. وقرروا فصل نشاطات "اللقاء" عن أعمال "الجمعيّة" بهدف إستقطاب أكبر شريحةٍ ممكنةٍ من اللبنانيّين. وأكّد الحاضرون على أنه سيتمّ حلّ "اللقاء" فور إجراء الإنتخابات، وحدّدوا هدفين أساسيّين للحملة:

-        خلق كتلة ضغطٍ شعبيّة لإجراء الإنتخابات.
-        تفعيل الشبكة المدنيّة الراقدة، وفتح الجمعيّات والأندية على بعضها البعض، وتوطيد العلاقات في ما بينها، إنطلاقاً من المبدأ القائل أن الشبكة المدنيّة أساس الديمقراطيّة ويُفترض إحياؤها[3]".

سعت الحملة إلى إستنهاض قوى المجتمع المدنيّ وتحفيزها على الإنخراط مجدداً في العمل السياسيّ بعد غيابٍ قسريّ تسبّبت به الحرب الأهليّة. واختارت الإنتخابات البلديّة كمدخلٍ لإعادة تفعيل هذه القوى المعارضة للنظام ولسياساته الإقتصادية والإنمائية التي راكمت المشاكل وغيّبت الحلول. ركّز بول اشقر، أحد أبرز منظمي الحملة، على أهميّة دور البلديات في الدفاع عن حق الناس في تحسين ظروف عيشهم: "في الأيام الرديئة التي وصلنا إليها، يشعلون حرب النفايات بين الضواحي، ونحن نقول: في دول العالم التي تحترم نفسها، مشكلة النفايات من صلاحيات البلديّات ومهمّاتها. في الأيام الرديئة التي وصلنا إليها، باتوا يفقّرون الناس بالهدر والضرائب والركود. ونحن نقول: بواسطة البلديات يتقلّص الهدر وتنتعش الحركة الإقتصاديّة ويتبلور الإنماءالمتوازن. في الأيام الرديئة التي وصلنا إليها، باتوا يصادرون الحياة السياسيّة ويخنقون الديموقراطيّة كلّ يوم عبر التمديد للإنتخابات الرئاسيّة، والتشويه والتجويف في الإنتخابات النيابيّة، والتأجيل والتمديد والتسويف في الإنتخابات البلديّة. ونحن نقول:  أين حقنا؟ أين صوتنا؟ ما هكذا تكون الديموقراطيّة. الديمقراطيّة ليست شركة مساهمة محصورة بحفنة من المراكز على أعلى المستويات في الدولة. الديمقراطيّة بناءُ متكاملٌ يبدأ من القاعدة، من آلاف المراكز البلديّة والإختياريّة التي يملأها المواطنون. من القاعدة يتمّ تصويب النظام[4]".

تميّزت الحملة بقدرةٍ تنظيميّةٍ فاعلةٍ إرتكزت على أربعة مستويات. في المضمون وإلى جانب العريضة، ركّزت الحملة على التوعية على أهميّة الديمقراطيّة ودورها، والأضرار الناجمة عن غياب السلطة المحليّة، من خلال سلسلة ندواتٍ أسبوعيّة عقدتها في مقرّها في بيروت وفي المناطق التي جالت عليها. وفي الأدوات، تمكّنت الحملة من توسيع شبكة مراكز التوقيع وعملت على تحويلها الى نقاطٍ ثابتةٍ لتسهيل تأمين التواقيع على العريضة. فاعتمدت مكتبها في بيروت ومكتبة في الدكوانة ودكاناً في جون وملحمة في ضبيّة وعيادتين في النبطية وحلبا وفندقاً في بعلبك. كما استطاعت أن تخلق شبكة دعمٍ من مؤسّسات وجمعيّات وأحزاب وفعاليات سياسيّة، أمّنت لها الحماية وإحترمت موقعها الحياديّ، فلم تتدخل في عملها ولم تحاول التأثير عليه. وفي الضغط المباشر، دعا "اللقاء" إلى تظاهراتٍ سلميّةٍ شارك فيها نوّابٌ وأحزابٌ معارِضةٌ أمام المجلس النيابيّ، خلال التصويت على قانون الإنتخابات في 18 و19 و22 كانون الأول 1997. وفي التسويق، تمكّنت الحملة من إطلاق حملةٍ إعلاميّةٍ وإعلانيّةٍ ضخمة ساهمت في نجاحها معظم وسائل الإعلام المرئيّ والمسموع والمقروء. فخصّصت الصحف ("النهار"، "السفير"، "الديار"، "الأنوار"، "نداءالوطن"، "الكفاح العربي"، و"ديلي ستار") مساحات لتغطيّة أخبار الحملة. كما عرضت الإذاعات ("صوت الشعب" و"صوت لبنان") والتلفزيونات ("أل. بي. سي." و"أم. تي. في.") إعلانات وكليبات مصوّرة تشرح أهداف الحملة. وقدّم الفنان زياد الرحبانيّ عدداً من "الجينغلز" والحفلات الموسيقية المجانيّة التي هدفت إلى تعريف الناس بالحملة. خلالها، حرص القيّمون على تقديم مواد واضحة ومباشرة تقطع الطريق أمام أيّ إستغلالٍ سياسيّ لها. وبالفعل، فقد كان للحملة الإعلاميّة وقعٌ كبيرٌ على الرأي العام، لاسيما أنها اعتمدت على وسائل ترويج لم تكن مألوفة حينها في السياسة، وتمكّنت عبرها من المساهمة في تحقيق أهداف "اللقاء". إلا أنّ الحملة لم تكن لتحقق هدفها لولا قرار المجلس الدستوريّ الذي أمّن لها الحصانة والحماية اللازمتين.
 
 
المجلس الدستوريّ يبطل التمديد

عمدت الحكومات المتعاقبة منذ إنتهاء الحرب الأهليّة أواخر العام 1990 إلى تعيين رئيسٍ لبلديّة بيروت وتعيين لجانٍ قائمة بأعمال المجالس البلديّة في طرابلس وزحلة فقط. كما مدّدت ولاية المجالس البلديّة والإختياريّة بموجب مشاريع قوانين وافقت عليها الأكثرية النيابيّة. وارتأت حلّ مشكلة البلدات الواقعة تحت الإحتلال الإسرائيليّ عبر الإستحصال على صلاحيّة تعيين المخاتير فيها. وبالتالي، منعت السلطة المواطنين من ممارسة حقّهم في إختيار ممثلين عنهم لإدارة شؤونهم المحليّة. وأدّى التمديد المتواصل والفراغ الحاصل على مستوى العديد من البلديّات بعد وفاة معظم أعضائها، إلى تردّي الوضع الإنمائيّ من جهة وسيطرة الحكومات على عائدات البلديّات وصرفها من دون حسيبٍ أو رقيبٍ من جهةٍ أخرى. تصاعدت المطالبة باجراء الإنتخابات لاسيما بعد تنظيم الإنتخابات النيابيّة في العام 1996. وأمام الضغط الشعبيّ والنيابيّ، قرّرت حكومة الرئيس رفيق الحريري في 4 كانون الأول 1996 إحالة مشروع قانون معجّل بتعديلات على قانون الإنتخاب وقانون البلديّات والمختارين. بدأ مجلس النواب بدراسة مشروع القانون، إلا أن الحريري، وخلافاً للقانون، قرّر إسترداد المشروع من دون قرار من مجلس الوزراء بذلك، بحجّة إعادة درسه. عندئذٍ، لم يبقَ أمام مجلس النواب، بأكثريته طبعاً، سوى الموافقة على التمديد حتى تاريخٍ أقصاه 30 حزيران 1997. لكن المجلس قام بتأجيل الموعد المحدّد مرةً أخرى قبل شهرين من إنتهاء ولاية البلديّات والمخاتير الممدّد لهم، حتى 30 نيسان 1998. ولم يحترم النواب وعودهم مرّةً أخرى، بعدما فاجأوا اللبنانيين بإقرار القانونين 654 و655 اللذين قضيا بالتمديد للمجالس المحليّة حتى 30 نيسان 1999 بعد إتفاق الدقيقة الأخيرة بين الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه برّي.

تبعاً لذلك، تقدّم 14 نائباً[5] بينهم ستة من "اللقاء الوطنيّ النيابيّ"، وهي الكتلة المعارضة الوحيدة آنذاك داخل البرلمان اللبنانيّ، بمراجعتي طعن لدى المجلس الدستوريّفي 13 آب 1997  مطالبين بإبطال القانونين بحجّة "عدم الدستوريّة". إعتبر النواب في حيثيات الطعن أنه من غير الجائز التمديد لمجالس قضى على إنتخابها أكثر من 34 سنة (الإنتخابات البلديّة الأخيرة جرت في العام 1963)، وأصبحت معظمعها بحكم المنحلة. كما أن حجّة الظروف الإستثنائيّة سقطت بعدما أجريت الإنتخابات النيابيّة على دورتين (1992 و1996) والإنتخابات النيابيّة الفرعية في العامين 1994 و1997. "فنظريّة الظروف، ولما كان وجوب إستمرار المرافق العامّة والحاجة إليها هما اللذان يبرّران إستخدام نظريّة الظروف الإستثنائيّة، فإن من غير الجائز مطلقاً التذرّع بالظروف الإستثنائيّة غير القائمة في لبنان حالياَ، من أجل وضع قانونٍ يؤدّي إلى إستمرار تعطيل مرفق أساسيّ من المرافق العامّة أيّ البلديّات". ورأوا أيضاً إن ذريعة عدم جهوزيّة الحكومة لإجراء الإنتخابات لم تعد صالحةً بعدما تقدّم أكثر من مليون و11 ألف ناخب /ة بطلبات للحصول على البطاقة الإنتخابيّة، وبعدما  أصبحت لوائح الناخبين ممكننة. ورفض النوّاب ربط إجراء الإنتخابات بوضع قانونٍ جديدٍ للبلديّات يترافق مع وضع قانون اللامركزيّة الإداريّة وقانونٍ جديدٍ للتنظيم الإداريّ. وطالبوا باجراء الإنتخابات وفق القانون المعمول به، بعد إدخال بعض التعديلات عليه، نزولاّ عند إرادة الشعب اللبنانيّ الذي طالب بالإسراع بإجراء الإنتخابات. وشدّدوا أخيراً على أن "القانون، موضوع المراجعة، قد خالف أحكام الدستور، لأنه تعارض مع المبادئ العامّة التي نصّت عليها مقدّمة الدستور والمواثيق والمعاهدات التي إلتزمها والمادة السابعة منه، كما جاء متناقضاً مع مضمون وثيقة الوفاق الوطنيّ[6]".

أصدر المجلس الدستوريّ في 13 أيلول 1997، قرارين بإبطال القانونين الرقم 654 و655. وحظي القراران بتأييد أكثرية سبعة أعضاء[7]، وخالفه ثلاثة[8] بينهم رئيس المجلس القاضي أمين نصار. تعرّض قرارا المجلس الدستوريّ بإبطال قانونَي التمديد للمجالس البلديّة والإختياريّة باللوم للمشترع "لأنه لم يراعِ صلاحياته الدستوريّة عندما مدّد ولاية المجالس" من دون أن يضع على الأقل شروطاً أو حدوداً لتطبيق القانونين المطعون فيهما. وأورد القراران في هذا الصدد: "ولا يملك المشترع أن يترك للسلطة الإداريّة تحديد هذا التاريخ في الوقت الذي تراه ودون الإستناد إلى معيار معيّن، وذلك لكي تتسم الإنتخابات بطابع الموضوعيّة وتكون في منأى عن سوء إستعمال السلطة". واعتبر المجلس الدستوريّ أن "الظروف الإستثنائيّة غير متوافرة بدليل أن الإنتخابات النيابيّة جرت عام 1992 وعام 1996،  وكذلك الإنتخابات الفرعيّة، ودعا بذلك من يعنيه الأمر، ولاسيما المشترع، إلى تحديد موعد هذه الإنتخابات لغياب مبرّر الإستمرار في عدم إجرائها، وألا يكون المواطن حرم حقاً دستوريّاً، في الإقتراع دوريّاً[9]".
 
مَخرجٌ جديدٌ للحكومة: التعيين، ولكن..
 
قدّم قرارا المجلس الدستوريّ دعماً كبيراً للحملة، حيث أمّنا لها الغطاء القانونيّ والسياسيّ الذي كانت بحاجةٍ إليه لتحقيق أهدافها. واعتبر أحد أعضائها في تصريحٍ آنذاك أن "الضغط الذي مارسته السلطة عند إطلاق الحملة أثّر بعض الشيء في الزخم الذي حصده التحرّك في البداية، لكن القرار الذي أصدره المجلس الدستوريّ أعاده كما كان[10]". إلا أن القرار القضائيً لم يمنع حكومة الحريري من إيجاد المخارج: فطرح هذه المرّة، وبالتنسيق أيضاً مع أكثريّة النواب، بدعة تعيين ثلث أعضاء المجالس البلديّة أو بكاملهم في المدن الكبرى وقرى الإصطياف ومناطق التهجير والإحتلال. إستلم وزير الداخليّة مهمة التسويق لهذا الطرح، مبرّراً التعيين بالحفاظ على التوازن الطائفيّ في البلديّات، وتالياً حماية الوفاق الوطنيّ. إرتكز المرّ في طرحه على بلديّة بيروت بشكلٍ خاص. وبحسب وزير الداخليّة، فإنّ أكثريّة الناخبين في بيروت من السنّة، وبالتالي يستطيعون إنتخاب بلديتهم كلها من السنّة. "فإذا كانت الأكثريّة السنّية لم تنتخب أعضاء من شيعة أو من مسيحيين، فالتعيين في هذه الحال يعيد التوازن. هناك قرى مسيحيّة تصوّت لبلديّة مسيحيّة بأكملها وتضمّ مهجرين شيعة لم يعودوا بعد، ففي هذه الحال، يتمّ تعيين بعض الشيعة. هذا هو الهدف الأساسيّ من التعيين. ومَن يزايد سياسيّاً ويقول أن هذا العمل غير ديمقراطيّ، فليتفضل ويقترح عملاً ديموقراطيّاً، حتى نضمن التمثيل وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطنيّ، ونسير فيه وكفى مزايدات في الوسائل الإعلاميّة[11]". ولم يتوانَ المرّ عن مهاجمة الحملة والمجلس الدستوريّ، مؤكّداً أن الحكومة متمسكة بإجراء الإنتخابات، إلا أنها تبحث عن المخرج الأفضل للحفاظ "على العيش المشترك". "إننا لسنا في حاجة إلى إعلانات تسلية مثل بلدي، بلدتي، بلديّتي، ولسنا في حاجة إلى قرارات المجلس الدستوريّ حتى نقول أننا نريد الإنتخابات[12]". لم يتوجّب على الحملة أن تجنّد طاقاتها مجدّداً لإسقاط حجّة التعيين، فالخلافات بين "الترويكا" الحاكمة آنذاك (الهراوي، الحريري، برّي) والتجاذب بين رئيس الجمهوريّة المؤيّد لإجراء الإنتخابات وبين رئيسَي الحكومة ومجلس النوّاب المطالبَين بتأجيلها، أسقطتها. وما لبثت الحكومة أن تراجعت في نهاية المطاف عن مشاريعها، ودعت المواطنين إلى التحضّر من جديد للإقتراع في مختلف المناطق بإستثناء مناطق التهجير والإحتلال.

استمرت حملة "بلدي... بلدتي... بلديّتي" لمدة 310 يوماً، وأعلن عن حلّ "اللقاء" في 19 حزيران 1998، تاريخ إجراء الانتخابات البلديّة. 
60798 لبنانيآً /ةً أكملوا /ن سن 18 سنة وقّعوا العريضة، وتوزعت أسماؤهم /نّ وتواقيعهم /نّ على 1824 لائحة في كلّ المحافظات اللبنانيّة وفقاً للتقسيم التالي: بيروت 4850 توقيعاً، جبل لبنان 16476 توقيعاً، الشمال 20656 توقيعاً، الجنوب والنبطيّة 14559 توقيعاً، والبقاع 4257 توقيعاً[13]. إعتبر القيّمون على الحملة أنها نجحت في حثّ المواطن اللبنانيّ على المطالبة بحقه، وأعادت الإعتبار للعمل الديمقراطيّ والسياسيّ المعطّل. في المقابل، لم تتمكّن الحملة من التأثير على الناخبين لإيصال مرشحين جادّين إلى المجالس البلديّة. كما أنها لم تستطع دفع المرشّحين إلى تقديم برامج إنمائيّة وتصوّر بنّاءٍ لتطوير العمل البلديّ.

نشر في العدد 39 من مجلة المفكرة القانونية
 


[1]نايلة معوض ونسيب لحود وبطرس حرب وكميل زيادة ومنصورغانم البون ومحمد فنيش.
[2]عريضة المطالبة بالإنتخابات غداً، "اللبنانيّة للديمقراطية" نضغط لتقريب الموعد. جريدة النهار، 7 آب 1997، ص. 7
[3]ريتا صفير. توقيع "عريضة وطنية" من أجل الانتخابات البلديّة. جريدة النهار، 29 تموز 1997، ص. 4
[4]الداخلية لم تأذن باللقاء وقوى الأمن عرقلته ونواب أنقذوه العريضة من أجل الأنتخابات البلديّة أنطلقت بقوة. جريدة النهار، 9 آب 1997، ص. 7
[5]حسين الحسيني، سليم الحص، عمر كرامي، بطرس حرب، محمد يوسف بيضون، نسيب لحود، رئيس كتلة نواب "حزب الله" ابراهيم امين السيد، نائب "الجماعة الاسلامية" خالد الضاهر واعضاء الكتلة النيابية الكسروانية، كميل زيادة، منصور غانم البون، الياس الخازن، والنواب زاهر الخطيب ونجاح واكيم ونايلة معوض.
[6]نقولا ناصيف. 14 نائبا معارضا وقعوا مراجعة الطعن وتدرسها الهيئة السابقة للمجلس الدستوري أبطال التمديد للمجالس البلديّة بين إنتهاك الدستور والإعتبارات السياسية. جريدة النهار، 14 آب 1997، ص. 4
[7]نائب الرئيس مصطفى العوجي انطوان خير، خالد قباني، اديب علام، كامل ريدان، ميشال تركيه وحسين حمدان.
[8]فوزي ابو مراد وسليم جريصاتي
[9]كلوديت سركيس. رسالة واضحة في قراري الدستوري ومعلومات عن تأييد نصار الإبطال. جريدة النهار، 19 ايلول 1997، ص. 6
[10]اللقاء من اجل الانتخابات" قوّم حملته العريضة وقعها الموالي والمعارض والتحرك يستمر حتى تحقيق غاياته. جريدة النهار، 20 ايلول 1997، ص. 4.
[11]المر كوزير للداخلية أجزم بأجراء الأنتخابات البلديّة. جريدة النهار، 28 تشرين الاول 1997، ص. 6
[12]المرجع المذكور أعلاه.
[13]حملة بلدي بلديّتي أختتمت بعدما حضنها الشعب 310 أيام. جريدة النهار، 20 حزيران 1998، ص. 7