تُظهر أعمال المؤرخ روبيرت جايكوب كيف أنه لم يستحصل القاضي تاريخيّاً على سلطة الحكم إلا عندما أصبح موضع مساءلة أمام سلطةٍ أسمى[1].وهو "دفع ثمن سلطته الإستثنائية بتحوّله إلى موضع مساءلة دائمة أمام الآخرين.فما يسمح بإقامة العدل هو الخضوع لنظرة الآخر"[2]. بمعنى أخر، يستمدّ القاضي شرعية الحكم من رضوخه لحكم الآخرين.

وفي لبنان،أخذت مسألة الأخلاقيّات القضائيّة شكلها الأول في العام 2005 حين وضعت لجنة مؤلفة من رؤساء مجلس القضاء الأعلى ومجلس شورى الدولة والتفتيش القضائي والنائب العام التمييزي "القواعد الأساسية لأخلاقيّات القضاء"[3].

نسعى في هذا المقال،بعد الإشارة إلى المنهجية والنموذج المعتمدين في هذه الوثيقة،إلى دراسة مضمونها، ولا سيما لجهة تمايزها عن شرعة بنغالور، وهي الشرعة العالميّة المرجعيّة لأخلاقيّات القضاء.
  
المنهجية المعتمدة

أول ما نلحظه في هذا المجال هو حرص واضعي الوثيقة، حسبما ورد في أسبابها الموجبة، على إعلان نيّتهم بالتوفيق بين شرعة بنغالور، وهي الشرعة العالمية المرجعية للأخلاقيّات القضائيّة التي تم وضعها في العام 2001[4]، وما تفرضه "التجربة اللبنانيّة الخاصة، والثقافة اللبنانية المميّزة، وحاجات المجتمع اللبناني وواقع القضاء فيه". إلى ذلك، أعلنت الوثيقة أنها تستنند ليس فقط إلى شرعة بنغالور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة والدستور اللبنانيّ وجذور علم الأخلاقيّات القضائيّة في القوانين الأنكلو-ساكسونية والقوانين الرومانيّة-الجرمانيّة، إنما أيضاً إلى التاريخ العربيّ والإسلاميّ. ونسارع هنا إلى القول بأن الإعلان عن الحرص على الأخذ بالخصوصيات اللبنانية والعربية والإسلامية شكّل مدخلاً لتشذيب وثيقة بنغالور من قواعد هامّة، وأحياناً لإعتماد قواعد مخالفة لمبادئ هذه الوثيقة بحجة "الخصوصيّة". ولكن رغم هذه الإشارات المتكرّرة لوجود خصوصيات معينة، فإن الأسباب الموجبة خلت من أيّ تحديدٍ لها أو تبريرٍ لاعتمادها، أو أكثر من ذلك، خلت من أيّ نقاشٍ حول المسائل التي تحدّدها الخصوصيّات الوطنيّة أو الثقافيّة بالنسبة إلى المسائل التي تبقى مشتركة للجميع.

الملاحظة الثانية بشأن المنهجية تتصل بكيفيّة وضع هذه الوثيقة.

الوثيقة نصّت على أنها "من عمل القضاة"، في إشارةٍ واضحةٍ لأهميّة أن يضع القضاة بأنفسهم القواعد الأخلاقية المرتبطة بمهنتهم. إلا أننا تعليقًا على ذلك، نسجّل أمرين: الأول، أن مشاركة القضاة كانت معدومة في وضعها، وإلا صوريّة. ففضلاً عن غياب أيّ عملٍ تشاركيّ مع عموم القضاة أو حتى ممثلين عنهم، إكتفى مجلس القضاء الأعلى بتوزيع هذه الوثيقة على القضاة في إحتفال إعلانها، من دون أن يتيح لهم أيّ مجالٍ لمناقشتها أو إقرارها. وعليه، فإن وصف الوثيقة على أنها من "عمل القضاء" يعكس تصوّراً هرميّاً للقضاء يختزل القضاة برؤساء المؤسسات القضائيّة (وهم غير منتخبين)، وعلى نحوٍ يخالف الواقع.

أكثر من ذلك، لم يتمّ إشراك أيّ شخصٍ من غير القضاة ولا حتى من المهن القانونيّة غير القضائيّة في صياغة هذه الوثيقة، فأتت مجردة من أيّة مشروعيّة حقوقيّة أو إجتماعيّة.

أيّ نموذج؟

من المعلوم أن مدوّنات الأخلاقيّات القضائيّة تنقسم إلى نماذج عدّة تتراوح بين عدّها قواعد ملزمة يتعين على القاضي إحترامها تحت طائلة الملاحقة، وعدّها قواعد توجيهية ذات قوّة معنوية.

وتشير الأسباب الموجبة إلى تفضيل خيار وضع وثيقة "ملزمة معنوياً" على خيار "المبادئ المقنّنة في تشريعٍ وضعيّ"، نظراً لصعوبة ضبط مواضيع بهذا الوسع وذات طابع أخلاقيّ. وبذلك، يكون النظام اللبنانيّ قد إقترب من النظام الفرنسيّ الذي اختار في العام 2007[5] صيغة "مجموعة من المبادئ الأخلاقيّة" “Recueil des obligations déontologiques”، وليس دليلاً للقواعد السلوكية “Code”. وتوضح هذه الأسباب أن "ما احتوته الوثيقة لا يشكّل قواعد لنظامٍ تأديبيّ رادعٍ شاملٍ" وأن "بين النظام التأديبيّ والأخلاقيّات نقاط تلاقٍ ونقاط تباعد"، في إشارة واضحة إلى الفصل بين نظام الأخلاقيّات القضائيّة والنظام التأديبي[6].
 
القواعد المعتمدة

تعتمد شرعة بنغالور العالمية معايير ستّة للسلوك القضائيّ، وهي: الإستقلاليّة، والحياد، والنزاهة، والأهليّة، والنشاط، واللياقة، والمساواة. وجاء إختيار القواعد اللبنانيّة مخالفاً بعض الشيء، إذ وُضعت ثماني قواعد هي: الإستقلاليّة، والحياد، والنزاهة، والأهليّة، والنشاط، المطابقة لعناوين شرعة بنغالور، مع استبدال موجب "اللياقة" بموجب "التحفّظ"، بما لذلك من دلالة هامّة نعود إليها. كما أضاف واضعو الوثيقة ثلاث قواعد هي: الشجاعة الأدبيّة، والتواضع، والصدق، والشرف، مع مفاخرتهم بأن قاعدتي "الشجاعة الأدبيّة" و"التواضع" ليستا ملحوظتين في أيّ من الوثائق التي اطلعت عليها اللجنة.
في ما يلي تعليقٌ على بعض القواعد السلوكيّة التي اخترناها – الإستقلاليّة، والحياد، والتّحفظ، والشجاعة الأدبيّة، والتواضع- إذ أن المقارنة بين مضمونها في كلا الشرعتين، يزودّنا ببعض المعطيات لفهم توجّهات واضعي الشرعة اللبنانيّة.
 
الاستقلالية L’indépendance

تُعتبر الإستقلالية قاعدةً أو مبدأً أخلاقياً في الشرعتين، بوجهيها الفرديّ والمؤسساتيّ.

وتتميز الوثيقة اللبنانيّة بقولها أن هذا الإستقلال يتحقّق ليس فقط عبر "قوانين تعزّز السلطة القضائيّة" إنما أيضاً من خلال "ثقافة قضائيّة تعكس يقين القاضي الذاهب إلى أن المصدر الأساسيّ لإستقلاله هو شعوره الذاتيّ بجسامة مهمّاته، وتصميمه على الإنعتاق من كلّ العوامل الضاغطة الرامية إلى التأثير على قناعاته".

وفي ذلك لازمةٌ في الخطاب اللبناني حول الأخلاقيّات القضائيّة، والإستقلاليّة خصوصاً، في وضع المسؤوليّة الأساسيّة على عاتق القاضي وشعوره الداخليّ الذاتيّ، . فعدا أن عليه أن "يمتنع عن إقامة أي علاقة غير ملائمة مع السلطة التشريعية والتنفيذية، يتعين عليه هو أن "يحمي نفسه من كل تأثير آت من جانبهما". كما عليه أن يتحلى بـ"الشجاعة الأدبيّة"التي تعتبرها الوثيقة "وجهاً من وجوه ممارسة الإستقلال". ومن يقرأ هذه العبارات، يتيقّن أن تصوّر المنظّمين يقوم على تحميل القاضي المسؤوليّة الأولى في صون إستقلاليته. وما يزيد هذه المهمة صعوبةً هو أن الوثيقة لم تمدّه بالوسائل الكفيلة بذلك، بل على العكس، عملت على تجريده من الوسائل الناجعة للقيام بذلك في تفسيرها للقواعد الأخرى، وأحياناً نسفت الإمكانات المتاحة له. فمثلاً، لا تتضمّن هذه القاعدة أيّة إشارة إلى دور القضاة في الدفاع عن ضمانات الإستقلالية اللازمة، خلافاً لشرعة بنغالور التي نصّت على أنه يتعين على القاضي تشجيع ودعم تعزيز الإستقلال المؤسّسي والعمليّ للسلطة القضائيّة. وقد ذهبت الوثيقة أبعد من ذلك من خلال منع القاضي بموجب القاعدة الرابعة (موجب "التحفّظ") من "كلّ أشكال النضال الدينيّ أو السياسيّ أو العقائديّ" من دون أيّ إستثناء. ورغم أن الوثيقة أشارت تحت قاعدة "الإستقلاليّة" إلى أن القاضي لا يكون مستقلاً إلا إذا كان حرّاً وأنه لا يكفي أن يشعر بالحريّة فحسب بل عليه أن يمارسها، فإنها عادت لتجرّده من هذه الحريّة بموجب قاعدة "التحفّظ". فحريّته بالكتابة والمساهمة بنشاطاتٍ تتعلّق بالقانون، وبشؤون التنظيم القضائيّ، وبمفاهيم العدالة، وبكلّ موضوعٍ لصيقٍ بهذه النشاطات، وبكلّ نشاطٍ أخر (فكريّ، ثقافيّ...) مقيّدة بشروطٍ عدّة. ومن هذه الشروط ما هو طبيعيّ، كتجنّب ما قد يضرّ بكرامة القضاء أو بممارسة المهمّات القضائيّة، ومنها ما يقارب تجريد القضاة من حريّة التعبير عبر إخضاعه لضروة الإستحصال على إذنٍ مسبقٍ وضمن ما تفرضه القوانين النافذة.
 
الحياد – التجرّدL’impartialité

تربط الشرعة اللبنانيّة التجرّد بحالة القاضي الذهنيّة. وتوصيه بالتصرّف "تصرّف الأب الصالح والحكم المتنزّه"، وأن يبتعد عن أيّ "هوى خاص" أو "مكسب فرديّ". وتتابع الشرعة: "فدنياه تكون صغيرة إذا كان يسعى لنفسه، وتكون كبيرة إذا كان المسعى لتحقيق ما انتدب له. إنه للناس قبل أن يكون لنفسه". وتتجلى هنا صورة القاضي المترفّع عن كلّ مصلحة دنيويّة، والقاضي الذي يتفانى في سبيل الناس، في حقلٍ معجميّيستعيد بعض القيم الأخلاقيّة السامية جداً، والتي تقترب من قيم القداسة الدينيّة. وبالطبع، تبتعد الوثيقة في هذا المجال تماماً عن وثيقة بنغالور التي تتفادى أيّ تصوّرٍ مماثل.

بالمقابل، نلحظ تأثير وثيقة بنغالور من خلال الربط بين التجرّد واجتناب الآراء المسبقة والإستعداد للتحليل المجدي قبل إتخاذ القرار. وعليه، يصبح التجرّد وفق هذه الوثيقة ليس فقط تجرّداً من الرغبات والمصالح، إنما أيضاً تجرداً من الأفكار المسبقة. ومن هذه الزاوية، تصبح الوثيقة دعوة للقضاة إلى عقلنة النزاعات العالقة أمامهم. ونلحظ هنا أن الوثيقة إختارت أن تعالج قاعدة "المساواة"، أيّ ضمان المساواة للمتقاضين، ضمن قاعدة التجرّد، بخلاف شرعة بنغالور التي عالجته في فصلٍ مستقلّ مخصّص لقاعدة "المساواة".هنا، تظهر المكانة الثانويّة لمبدأ المساواة عند واضعي الوثيقة اللبنانيّة، خصوصاً مقارنةً مع مبدأ الشجاعة الأدبيّة الذي خّصص له فصلٌ مستقلّ.
  
موجب التحفّظ
 
تعلن شرعة بنغالور إلتزام القاضي بقيمة "اللياقة"  .Convenancesوتركّز هنا على ضرورة أن يتقبّل القاضي بعض القيود الشخصيّة نظراً لخضوعه الدائم للرقابة الشعبيّة والضوابط في علاقاته الشخصيّة ومصالحه الماليّة، بهدف صون حياد المحكمة، كما تركّز على واجبه بعدم إستخدام أو إفشاء أيّة معلومة يحصل عليها في معرض قيامه بوظيفته. تكرّس الوثيقة في الوقت نفسه حريّتيه بالتعبير والتجمّع[7]، وحقّه بـ"أنيكتبويحاضرويعّلمويساهمفيأنشطةتتعلّق بالقانونأوالنظامالقانونيّ"، ويمارس أنشطةً أخرى شرط ألا تؤثر على هيبة المنصب أو تتداخل مع وظيفته.

أوّل ما نلحظه في هذا المجال هو أن الشرعة اللبنانيّة أحلت محلّ قاعدة "اللياقة" قاعدة "موجبالتحفَظ"  Obligation de réserve. وبذلك، بدت الوثيقة اللبنانيّة وكأنها تتنكر للتطور الحاصل في هذاالمجال علىضوءتعزيزمكانةالقضاءإجتماعياًوإستقلاليته خلال العقود الماضية،والذي تمثّل في تحويل مفهوم "التحفّظ" من موجبٍيوحيالإلتزامتجاهطرفٍأخر(هوالسلطة(إلى مفهومٍيرتكزعلىفكرةالإلتزامالذاتيّ[8].

واللافت أن الوثيقة باشرت في نقاش مفاعيل هذا الموجب بنفسٍ تجديديّ، لكن سرعان ما بدا أن هذا النفس ينحصر في القضايا الأقل أهميّة. وعليه، بعدما ندّدت بالمبالغة الحاصلة في مقاربة مواصفات القاضي الذي عليه أن يتبع، وفق إعتقادٍ راسخ، "نسقاً من العيش والتصرّف يلامس النسك والإبتعاد عن كلّ مظهر رخي أو مطمعٍ ماديّ"، خلصت إلى وجوب إعتماد موازنة بين واقعين أو إلتزامين: "الإنخراط في المجتمع من نحو، والإبتعاد عنه من نحو مقابل.

وهي بذلك بدت وكأنها تمهّد الطريق للتمييز بين مفاعيل موجب "التحفّظ" التقليديّة، مستبعدةً بعضها في موازاة ترسيخ بعضها الأخر. ورغم طابع الموازنة المتحرّك بطبيعته والمرن، فإننا سرعان ما نكتشف أن الوثيقة انساقت في موازنتها هذه إلى التمييز بين ما هو "كبت وتزمّت" أو "جفاء" و"تعقيد" وما هو على العكس من ذلك، "من الثوابت ووجوه الأصالة". فالكبت والتمييز المرفوضان نجدهما في المفاهيم الخاطئة التي تكبّل الحياة الخاصّة للقاضي الذي من حقه "أن يحيا حياةً عادية طيبة مع عائلته وفي مجتمعه، بكلّ ما تحتّمه من وسائل راحة ومن وجوه استمتاع في إطار الحدود التي يسمح بها وضعه الماديّ وفي إطار السلوك الذي يحمي سمعته ويجنّبه كلّ إنتقادٍ مبرّر". بالمقابل، نجد الثوابت ووجوه الأصالة التي يجب التمسّك بها، في وجوب منع النشاطات العامّة للقضاة من دون أن يستثني ذلك نشاطاته للدفاع عن إستقلاليّته، وهو منعٌ يقتضي رفعه إلى مصاف الثّوابت غير القابلة للجدل. ومن هذه المحظورات، منعه من القيام بأيّ شكل من أشكال النضال الدينيّ أو السياسيّ أو العقائديّ بوجهٍ عام، من دون تمييزٍ بين النضالات ذات الطابع العام والنضالات ذات الطابع القضائيّ كالدفاع عن إستقلال القضاء والمحاكمة العادلة، وتجريده من حريّتي التعبير والتجمّع. وعليه، قيّدت الوثيقة حقّ القضاة بالكتابة والمشاركة بشؤون التنظيم القضائيّ ومفاهيم العدالة وبكلّ شأنٍ لصيقٍ بهذه النشاطات وبكلّ نشاطٍ أخر (فكريّ، ثقافيّ..) بمجموعة من القيود، منها الإستحصال على إذنٍ خاصّ لدى الضرورة أو بعد مراجعة الرئيس الأعلى، والأخذ بعين الإعتبار ما تفرضه القوانين النافذة، ومنها أيضاً ألا يضرّ النشاط بكرامة القضاء أو بممارسة المهمات القضائيّة. كما أغفلت الوثيقة تماماً حرية القضاة بإنشاء جمعياتٍ، المكرّسة في وثيقة بنغالور. وعليه، بدا أن ما اعتبرته الوثيقة من الثوابت ووجوه الأصالة أتى مناقضاً صراحةً في تطبيقاته لما تتّجه إليه وثيقة بنغالور التي تعكس شبه إجماعٍ عالميّ. فكأنما تساهل واضعو الوثيقة في المجال الخاصّ بهدف إضفاء طابع التجدّد عليها، ليتسنى لهم تحت غطاء التجديد الإستمرار بضبط النشاط العام للقضاة، بخلاف ما تدعو إليه التوجّهات الحديثة كافّة. ويتعزّز توجّه واضعي الوثيقة الذين يحتلّون أعلى هرم القضاء من خلال الإمعان في تطبيقاتٍ أكثر تفصيلاً. فيمنع على القاضي أن يوحي للناس بأن إنتماءه إلى المؤسسة القضائيّة لم يتم عن قناعةٍ تامّة، وبأنه يتحيّن الفرصة المؤاتية لتركها. بل تذهب الوثيقة أبعد من ذلك في إتجاه منع القضاة من التذمّر من كثافة العمل التي تقابلها أوضاعٌ ماديّة غير مُرضية. بكلماتٍ أخرى، يُمنع القضاة من التعبير عن أية مشكلة قضائيّة أمام العامّة. لماذا؟ هنا، تجيب الوثيقة لتقطع الشكّ باليقين لجهة إرادة ضبط القضاة ضمن الهرمية القضائيّة، بأن "معالجة هذه المشكلة، وأيّة مشكلة مماثلة في حال وجودها، تتمّ ضمن المؤسسة القضائيّة، وفي إطار القانون". فيظهر الأمر وكأنه من المعيب على القاضي فضح أسرار العائلة القضائيّة ومشاكلها، إذ تُعالج داخليّاً وبين أفرادها حصراً، ومن المعيب "نشر الغسيل الوسخ". فيزيد موجب "التحفّظ" في قراءته هذه المسافة بين القضاء والمواطنين، ويعزّز النظرة الفئويّة المهنيّة لمشاكله وواقعه، بعيداً عن تلك التي تُعنى بإستقلاليّة القضاء وحسن سير مرفق العدالة العامّ كحاجةٍ مجتمعيّة.
 
الشجاعة الأدبيّة Le courage moral
 
كما سبق بيانه، فاخر واضعو الوثيقة بأنهم ضمّنوها قاعدة الشجاعة الأدبيّة رغم عدم لحظها في أيّ من المواثيق التي اطلعوا عليها. وإذ أشار واضعو الوثيقة إلى أن هذا المفهوم يبقى متّصلاً إتصالاً وثيقاً بإستقلال القضاء وإستقلال القاضي، فإنهم برّروا معالجتها تحت عنوانٍ خاص بالتشديد على دورها في معالجة "الخصوصيّات السلبيّة التي تطبع مجتمعات" منها المجتمع اللبنانيّ، وقوامها العوامل المؤثرة والضاغطة على قرار القاضي "من العلائق الشخصية إلى الروابط العائليّة إلى الإنتماءات الطائفيّة والمناطقيّة إلى سطوة المال إلى النفوذ السياسيّ إلى المجموعات الضاغطة على تلوّنها". والواقع أن التشديد على هذه القاعدة يستدعي ملاحظاتٍ ثلاث:

الأولى، أنه يؤول عملياً إلى تعظيم مسؤوليّة القاضي في المحافظة على إستقلاله، في موازاة حجب مسؤوليات الهيئات المشرفة على القضاء وسائر السلطات في هذا المجال، أو التخفيف منها. فالإستقلالية تصبح على ضوء هذه القاعدة مسألةً شعوريّةً داخليّةً للقاضي بمعزل عن أيّة ضمانة حسّية تحميه: "لن يستقيم حكمٌ، ولن تشيع عدالةٌ، إلا إن عزّز القاضي ثقته بنفسه، عبر الشعور بأنه هو القويّ، ولا مجال لإضعافه".

الثانية، وهي متصلة بالملاحظة السابقة، ومفادها أن التشديد على هذه القاعدة في الوثيقة يعكس تصوّراً مثالياً للقاضي. فلا يكتفى أن يكون متحليّاً بمواصفات الإستقلاليّة والتجرّد والنزاهة والكفاءة، إنما عليه أن يتحلّى بمواصفات البطولة والقوة، للتمكّن من التغلّب على الخصوصيّات السلبيّة المشار إليها أعلاه. ومن شأن هذا الأمر أن يحوّل هذه الوثيقة من وثيقةٍ تتضمن رسماً واقعياً للقاضي وقواعد ملزمة معنوياً له، إلى وثيقة تتضمن رسماً مثالياً متخيّلاً للقاضي.

الثالثة، أنّ تعريف الشجاعة الأدبيّة أتى مختزلاً على نحو يعكس توجّهات لا تقلّ أهميّة عمّا تقدم. فقاعدة الشجاعة تظهر من خلال التفصيلات المعروضة تحتها بمثابة تحرّرٍ للقاضي من موازين القوى بين المتخاصمين أمامه. ومن البيّن أن هذا التعريف يحجب جوانب لا تقل أهمية من جوانب الشجاعة الأدبيّة، وهي الشجاعة المتّصلة بنقض القيم الإجتماعية السائدة، وخصوصاً القيم التي تؤدي إلى تشريع غبنٍ مزمنٍ بحق فئاتٍ إجتماعيّة معينة.

بقي القول بأن الوثيقة قسّمت عملياً التصرّفات التي قد ينتهي إليها القاضي تبعاً للضغوط التي قد تمارس عليه إلى أربعةٍ، علماً أن الشجاعة تفرض الإبتعاد عن ثلاثةٍ منها. ومن النافل القول أن وصف هذه التصرفات يعطي إضاءةً هامّةً على طبيعة العمل القضائيّ حالياً. وهي الآتية:
الأول، إنصياع القاضي للضغوط بدافع الخوف أو المجاملة أو الحرص على ترسيخ مركزه.

الثاني، التنحي على خلفيّة إستشعار الحرج. وفيما يقبل التنحّي ممن يستشعر الحرج لسببٍ جدّي، فلا يصحّ بالمقابل أن يتمّ بفعل الخوف إزاء سطوة طرفٍ من أطراف الدعوى. فالحلّ الصحيح في وضعٍ كهذا يكون بالمواجهة، أيّ بالشجاعة الأدبيّة، وليس بالإنسحاب ودفع الدعوى إلى قاضٍ آخر. هنا، تبدو الوثيقة وكأنها تجرّد القاضي أيضاً من وسيلة إحتجاجٍ إضافيّة ضد الضغوط التي تمارس عليه، من دون أن تعطيه أيّ حلّ سوى الإعتماد على نفسه وشجاعته.

الثالث: التهوّر. هنا، تبدو الوثيقة وكأنها تحذّر القاضي من الذهاب بعيداً في التصدّي لأصحاب النفوذ على نحو تنقصه الحكمة ويتسم بالتهوّر. فـ"لا يفهمن .. أن الشجاعة تقصي الحكمة وتستتبع التهور"، إذ أن كلّاً منهما بحاجة إلى الأخرى "حتى يكون القرار إحقاق حقّاً لا تحديّاً". وبالطبع، هذه الجملة تقبل التأويل، وهي تكشف عن توجهٍ قضائيّ آخر تم إستثباته في عددٍ من المقابلات مع قضاة، ومفاده أن جبْه الضغط أو التدخّل يتم بشكل لائقٍ، أيّ من دون قسوة في الصدّ، ومؤكداً من دون فضح هذا التصرف أو المطالبة بملاحقته. مثلاً: عند مراجعة قاضٍ بشأن ملف، لا يلجأ القاضي إلى طرد المتدخّل أو إلى إعلام النيابة العامّة بالأمر لوجود جرمٍ جزائيّ، إنما يستمع إلى المتصّل ويكتفي بالتأكيد على أنه سينظر بدقّة في الملف وأنه سيوصل كلّ صاحب حقّ إلى حقّه. فتخلو الوثيقة من أيّة إشارةٍ إلى وجوب إتخاذ مواقف صارمة إزاء التدخّلات أو الضغوط، مكتفيةً بمطالبة القاضي بإتخاذ القرار الذي يراه صائباً. ليس مطلوباً من القاضي إذاً أن يشارك في مكافحة التدخّلات بهدف وضع حدٍّ لها، إنما فقط إبطال مفاعيلها. ومن هذه الوجهة، يبدو إقران الحكمة بالشجاعة وكأنه يفرض تعاملاً خاصاً وحذراً إزاء التدخلات.
 
التواضع La modestie
 
يفاخر واضعو الوثيقة بإبتكار قاعدة "التواضع" التي ليس لها أثر في أيّة وثيقة أخرى. وهم يستهلون الفصل الخاصّ بها بسؤالٍ إستفزازيّ بعض الشيء: "هل يصحّ للقاضي أن يركب مركب الإستعلاء والتكلّف والغرور وسائر المواقف ذات الأبهة والبهرجة؟". ويؤشر طرح هذا السؤال، كما إضافة هذه القاعدة، إلى شعورٍ بتنامي النزعات المذكورة. وبالطبع، تأتي الإجابة على السؤال بالنفي، وبضرورة إعتماد التواضع الذي يشكّل "سمة أساسيّة في شخصيّة القاضي المميّز". واللافت أن الوثيقة تسارع إلى التأكيد على أن "التواضع لا ينال من إباء القاضي، فكلاهما من معدنٍ واحد هو سموّ النفس التي تنير بسطوع مناقبها دون أن تقع في الخيلاء الفارغة". وسمو النفس الذي يدفع القاضي إلى مواجهة مجمل التأثيرات تحت عنوان الشجاعة، هو نفسه الذي يدفعه إلى التواضع المنافي لأيّ شكلٍ من أشكال التباهي. وسرعان ما نتبيّن أن المقصود من إضافة التواضع، هو رسم صورة شخصٍ مميزٍ، نفسه سامية[9]، قوي الشخصيّة[10]، يكون محاطاً بـ"هالة" (العبارة وردت في النصّ) يستمدها من "البساطة العميقة التي تنشر ظلالها عليه وتجعله محطاً لأنظار الناس ولإعجابهم به وبالقضاء". وتالياً، "التواضع" الموصوف هنا هو بابٌ لإدعاء الهيبة والإرتقاء والقداسة وللتفاخر، أكثر مما هو مدخلٌ لتقريب رسم القاضي إلى رسم المواطن العاديّ أو لإخراجه من أبراجه العاجيّة.
 
خلاصة
 
ختاماً، نلحظ أن الفوارق بين الوثيقة اللبنانية ووثيقة بنغالور كبيرةٌ جداً بل جوهريّة. وهي فوارق لا تجد مبرّرها دائماً في الخصوصيّة الثقافيّة أو الإجتماعيّة أو القضائيّة، لكنها تعكس في جوانب عديدةٍ منها تمايزاً أعمق لجهة رسم صورة القاضي ودوره الإجتماعيّ. ففي حين تستخدم شرعة بنغالور معجماً واقعياً وموضوعيّاً تتسّم القيم من خلاله بقابليتها للقياس، ترسم الشرعة اللبنانية صورةً منمّطة و"نموذجيّة" للقاضي المترفّع، الباذل نفسه في سبيل مجتمعه والآخرين، والشجاع والقويّ، والذي يقوم بكلّ ما يُكلّف به من مهام من دون أيّ تبرّم أو تذمّر... بكلمة، القاضي البطل القادر بمفرده على مواجهة جميع الضغوط التي قد تحيط به، والقدّيس الذي عليه أن يقابل كلّ ما قد يتعرض له من ضغوطٍ وتعسّف بالشكر والصمت والصبر، فليس له لا أن يناضل ولا أن ينشئ تجمّعاً للقضاة تحصيناً لذاته، ولا حتى أن يشتكي أمام القضاء. وكأن هاتين البطولة والقداسة هما الجواب الوحيد الممكن، بعيداً عن الضمانات الملموسة، في مجتمعٍ ينهش إستقلالية القضاء، وبمعزلٍ عن التنظيم القضائيّ الذي يعاني من التعطيل بشكلٍ كبير.
أما إذا قرّر القاضي كسر الصمت بشأن مظالم قصور العدل فيكون متمرّداً على أخلاقيّات القضاء. هذه أخلاقيّاتٌ لعالمٍ آخر، مؤداها حرمان هذا العالم من قضاءٍ فاعل.
 
نشر في العدد 39 من مجلة المفكرة القانونية


[1]R. Jacob, Images de la justice, Le Léopard d’or, 1994, p. 81 s. cité in D. Salas, Le renouveau du débat sur l’éthique du jugein D. Salas et Harold Epineuse (sous la dir.), L’éthique du juge, une approche européenne et internationale, Dalloz Actes, 2003, p. 3 s., spéc. p. 16.
[2]D. Salas, Le renouveau du débat sur l’éthique du juge,op. cit. p. 16.
[3]في ما يلي "الشرعة اللبنانية".
[4]كانت مسودة الشرعة قد اعتمدت من قبل المجموعة القضائيّة لتعزيز النزاهة القضائيّة في 2001، قبل أن تتم مراجعتها عام 2002 في لاهاي.
 [5]بالفعل، أوكل البرلمان الفرنسي  في ال2007 إلى مجلس القضاء الأعلى وضع "مجموعة من المبادئ الأخلاقية"، في القانون  الأساسي رقم2007-287. ونجد عرضاً لنتائج الأعمال التحضيرية لوضع هذه المجموعة في التقرير السنوي لمجلس القضاء الأعلى لعام 2008.
[6]ونلحظ أن الأنظمة الرومانو-جرمانية تعيد النظر في القواعد الأخلاقية وفي استخدامها حصراً كأساس لتعريف الخطأ التأديبي. فلا بدّ من نقل الطرح إلى مستوى أعلى: فالنظرة التأديبية مرتبطة بعلاقة القاضي بالمؤسسة القضائيّة le rapport à l’institution(من هنا مساءلته أمامها). أما الحديث عن أخلاقيّات القاضي وقيمه فيرتبط بعلاقة القاضي مع نفسهle rapport à soi ، بنظرته وتفكيره لدوره ومهمّته. أنظر عن هذه النقطة:
A. Garapon, J. Allard, et F. Gros, Les vertus du juge
, Dalloz, 2008, p. 3.
[7]نورد هنا الفقرتين المرتبطتين بهتين الحريتين:
4-6
يحق للقاضي ،كأ يمواطن آخر، حرية التعبير و العقيدة والارتباط والتجمّع، ولكن يتعيّن عليه دائما، عند ممارسته تلك الحقوق، أن يتصرّ فبشكل يحافظ فيه على هيبة المنصب القضائي وحياد السلطة القضائيّة واستقلالها.
4-13
يجوز للقاضي أن يشكل رابطات للقضاة أو ينضم إليها أو يشارك في منظمات أخرى تمّثل مصالح القضاة.
[8]عن هذه النقطة انظر سامرغمرونونزارصاغيّة، التحرّكاتالقضائيّةالجماعيّةفيلبنان، في"حين تجمّع القضاة" (دراسة مقارنة لبنان، مصر، تونس، المغرب، الجزائر، العراق)، ص. 78.
[9] ورد حرفيا أن التواضع كما الإباء من معدن واحد هو سمو النفس التي تنير بسطوع مناقبها.
[10] ورد في النص أن البساطة وهي وجه من وجوه التواضع "سبب من أسباب قوة الشخصية".