بعد صمت طويل على اعلان المشروع في صيغته الأولى التي خلفت ردود أفعال قوية من طرف مختلف الفرقاء، عاد الجدل ليحتدم من جديد على الساحة الحقوقية المغربية بمناسبة الإعلان عن صيغة جديدة لمشروع قانون محاربة العنف ضد النساء الذي أعلنت عنه وزارة المرأة مؤخراً. ففي الوقت الذي اعتبرت فيه الوزارة الوصية أن المشروع جاء ليعزز من الجهود الوطنية المرصودة لمناهضة شتى أشكال العنف الذي يستهدف النساء، عابت جمعيات المجتمع المدني وخاصة النسائية منها التراجعات التي مست الصيغة الجديدة من المشروع والتي لم ترق أبدا لمستوى تطلعاتها، فضلا عن تغييبها من دائرة المشاورات القبلية. فما هو الجديد الذي حمله مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء في المغرب؟ وهل فعلا تعتبر الصيغة الجديدة من المشروع تراجعا عن المكتسبات التي تضمنها النص القانوني السابق؟ وهل يسهم هذا الجدل المحتدم في وأد حلم اخراج قانون شامل لمناهضة العنف ضد النساء؟

مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء مخاض طويل قبل أن يرى النور

يعتبر اصدار قانون شامل لمكافحة العنف ضد النساء مطلبا راود الحركات النسائية المغربية مند أكثر من عقدين. ورغم وجود عدة محاولات تمت في عهد حكومة التناوب لإصدار مثل هذا القانون تزامنا مع القيام بإصلاحات جريئة مست قانون الأسرة ومدونة الشغل وقانون الجنسية والقانون الجنائي، إلا أنها كانت دوما تصطدم بنفق مسدود[2]. وكان على النساء أن ينتظرن سنة 2013 لكي تنتعش آمال اخراج قانون لمكافحة العنف الذي يستهدفهن. فقد أعلنت وزارة المرأة عن مشروع قانون جديد سرعان ما سحب من المجلس الحكومي، ووضع بين أيدي لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة لمراجعته وتنقيحه. وقد شرعت هذه اللجنة في سلسلة مفاوضات ومشاورات طويلة وضعت فيها الأطراف الحكومية ملاحظاتها بعيدا عن الأضواء، قبل أن تعلن وزارة المرأة عن الصيغة الجديدة من المشروع تزامنا مع افتتاح الدورة التشريعية الربيعية الأخيرة.
 
الصيغة الجديدة من مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء إصلاح الممكن أو ما ينبغي أن يكون

1-تعديل جزئي للقانون الجنائي يؤجل مشروع القانون الشامل لمكافحة العنف
أول الملاحظات التي يمكن ابداؤها بخصوص الصيغة الجديدة أن الامر لا يتعلق بقانون شامل لمناهضة العنف ضد النساء، وإنما مجرد تعديلات متفرقة لبعض مواد القانون الجنائي.
ورغم أن المشروع استهل بمذكرة تقديم لشرح فلسفة النص، إلا أنها لم ترق إلى مستوى ديباجة. كما أن أثرها سيبقى محدودا -من حيث الزمان- إذ سرعان ما سيتم إدماج نص المشروع الجديد في صلب القانون الجنائي مما سيؤدي إلى اختفاء مذكرة التقديم، ومن ثم لن يكون من السهل على القضاة وغيرهم من الجهات المخاطبة بهذا القانون الرجوع اليها لاستجلاء إرادة المشرع والفلسفة العامة للنص القانوني.

2-تعريف وتحديد مجال جرائم العنف ضد النساء
أشارت مذكرة تقديم مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء إلى كونها عمدت إلى تحديد إطار مفاهيمي محدد ودقيق من شأنه مساعدة المتدخلين لتمييز وحصر الأفعال والسلوكات المندرجة في نطاق العنف ضد النساء من قبيل تحديد مفهوم العنف بمختلف أشكاله. لكن يتبين بالعودة إلى الصيغة الجديدة من المشروع أنها اختزلت الباب المتعلق بتحديد الاطار المفاهيمي للعنف ضد المرأة في مادة يتيمة حيث عرفته بأنه: "كل فعل أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عنه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي". في المقابل تم حذف باقي الفقرات التي وردت في الصيغة الأولى من المشروع والتي كانت تقدم تعريفات دقيقة لكافة أشكال العنف الجسدي والجنسي والنفسي والاقتصادي، وهو ما يدفع أكثر من سؤال حول أسباب هذا الحذف.
في نفس السياق، يلاحظ أنه طرأ تغيير على مفهوم جرائم التحرش الجنسي. فبعدما كانت الصيغة الأولى من المشروع تعرف هذا الفعل بأنه: "كل امعان في مضايقة الغير في الفضاءات العمومية بأفعال أو أقوال أو اشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية"، أعادت الصيغة الجديدة تحديد مفهوم التحرش في "كل امعان في مضايقة الغير ذو طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية".

3-مقتضيات جديدة لم تكن واردة في الصيغة الأولى من المشروع
تم تعديل المادة 404 من القانون الجنائي بإضافة فقرة تشدد فيها عقوبة العنف اذا ارتكب ضد "امرأة حامل، إذا كان حملها بينا أومعلوما لدى الفاعل، أو ضد الأصول أو ضد كافل أو ضد زوج أو ضد شخص له ولاية او سلطة عليه أو مكلف برعايته أو ضد طليق بحضور أحد الأبناء أو أحد الوالدين".
في نفس السياق، تمت إضافة مقتضيات جديدة لم تكن واردة في الصيغة الأولى تتعلق بالجرائم الرقمية، وتعاقب "كل من قام ببث أو توزيع تركيبة مكوّنة من أقوال الشخص أو صورته، دون موافقته، أو دون الإشارة إلى أن هذه التركيبة غير حقيقية". وتصل العقوبات في هذه الحالة إلى الحبس ما بين سنة واحدة وثلاث سنوات، مع غرامة مالية تتراوح ما بين ألفي درهم و20 ألف درهم. كما أضافت الصيغة الجديدة للمشروع عقوبة حبسية جديدة تتراوح ما بين ستة أشهر وثلاث سنوات، وغرامة من 2000 إلى 20 ألف درهم، تهمّ كل من قام عمدًا، وباستخدام أيّة وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل أو بث أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص، دون موافقة أصحابها، وكذلك كل من قام بتوزيع صورة شخص ما أثناء تواجده في مكان خاص دون موافقته.
وتبدو للوهلة الأولى هذه المقتضيات غريبة عن سياق وضعها في مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء، ولا يمكن فهم موقف المشرع من اقحامها في المشروع[3] إلا كمحاولة للتهرب من الجدل الواسع الذي اثاره طرحها بمناسبة الاعلان عن مسودة مراجعة القانون الجنائي، وهو الجدل الذي أثاره مدونون وحقوقيون واعلاميون ومنظمات المجتمع المدني التي أبدت مخاوفها من امكانية استعمال هذه المقتضيات الجديدة لضرب حرية التعبير أو التضييق على الابداع.

4- مقتضيات تم التراجع عنها
تم حذف المقتضيات التي تعاقب على كل مساس بحرمة جسد المرأة من خلال تسجيل بالصوت أو الصورة أو أي فعل جنسي بطبيعته أو بحكم غرضه يترتب عليه تشهير أو اساءة لها، وهي مقتضيات كانت محل انتقاد لكونها تكرس الصورة النمطية للمرأة التي تختزلها في مجرد جسد.
كما تم حذف تجريم السرقة بين الأزواج وهو المقترح الذي تضمنته الصيغة الأولى من المشروع.

5- مقتضيات تم الابقاء عليها وتعديلها جزئيا
تجريم الامتناع عن ارجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية
يشكل طرد أحد الزوجين من بيت الزوجية أحد أبرز أشكال العنف الأسري، الذي لم تفلح مدونة الأسرة في مكافحته. فرغم أنها أجازت للنيابة العامة التدخّل لإرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية، باعتبارها طرفا رئيسيا في قضايا الأسرة إلا أنّ يد النيابة العامة كانت تغلّ كلما رفض الزوج ارجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية. لذا انصبت مطالب الحركات النسائية على ضرورة تجريم فعل الطرد من بيت الزوجية. وهكذا كانت الصيغة الأولى من مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء تعاقب على هذا الفعل بالحبس من شهر إلى 3 أشهر وغرامة مالية تتراوح بين 1000 و3000 درهم. وقد رفعت هذه العقوبة المالية المقررة في الصيغة الجديدة لتتراوح الغرامة بين 2000 و5000 درهم.
 
الاكراه في الزواج
تم مضاعفة العقوبة المقترحة في الصيغة الجديدة من المشروع حيث رفعت إلى الحبس من 6 أشهر إلى سنة، وغرامة مالية من 10000 إلى 30000 درهم، مع مضاعفتها اذا ارتكب فعل الاكراه ضد امرأة، أو ضد قاصر.
إلا أن المشروع اعتبر هذا النوع من الجرائم من بين جرائم الشكايات التي لا تتحرك إلا بناء على شكاية الشخص المتضرر من الجريمة، حيث يضع تنازله حدا للمتابعة ولآثار المقرر القضائي المكتسب لقوة الشيء المقضي به في حالة صدوره. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول قيمة التنازل الصادر عن ضحية الزواج بالإكراه إذا كانت قاصرا. فإذا كان الاجتهاد القضائي دأب على عدم الاعتداد برضى القاصر في حالة العلاقات الجنسية التي تتم خارج اطار الزواج، حيث يعتبر القاصر في هذه الحالة ضحية فعل هتك العرض، فكيف يمكن اعتبار ارادة الضحية القاصرة سليمة والاعتداد بالتنازل الصادر عنها في حالة اكراهها على الزواج؟ وهل يعقل الاعتداد بالتنازل الصادر عن ولي الضحية القاصرة في الحالة التي تكون فيها هي نفسها قد ساهمت في ارتكاب جنحة الاكراه على الزواج؟ ألا يعتبر هذا الموقف التشريعي تكريسا لسياسة الافلات من العقاب، وتطبيعا مع صور العنف الذي يستهدف المرأة، خصوصا إذا اعتبرنا أن أغلب حالات الاكراه على الزواج التي ترصدها مراكز الاستماع للنساء المعنفات هي حالات لفتيات، أي أن هذا النوع من العنف يستهدف المرأة لأنها امرأة؟

تبديد أموال الأسرة بسوء نية قصد الاضرار بالزوج الآخر أو الأبناء أو التحايل على مقتضيات مدونة الأسرة
تم تخفيض العقوبة الحبسية المقترحة في الصيغة الجديدة من المشروع إلى الحبس من شهر حتى ستة أشهر عوض الحبس من سنة حتى خمس سنوات، والابقاء على الغرامة المقترحة والمتراوحة بين 2000 و10000 درهم، مع اعتبار هذه الجريمة من بين جرائم الشكايات.

5- مقتضيات تم الابقاء على تغييبها عن دائرة التجريم
لم ينصت واضعو المشروع الجديد لمطالب الحركات النسائية والحقوقية بضرورة تجريم الاغتصاب الزوجي، حيث حافظت الصيغة الجديدة من المشروع على اغفال هذا المطلب، رغم تزايد عدد الشكايات المسجلة بهذا الخصوص. كما لم تطرأ أي تغييرات على المقتضيات المتعلقة بالإجهاض وكذا العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين خارج اطار مؤسسة الزواج، وجرائم الشرف وهي مقتضيات تشكل مصدر قلق للأمم المتحدة خاصة وتسهم في إذكاء جرائم العنف التي تستهدف النساء وتحول دون وصولهم الآمن إلى العدالة.

أية إجراءات لمساعدة النساء الناجيات من العنف؟
توصي الأمم المتحدة بأن تحدد القوانين المتعلقة بالعنف الأسري واجبات ملموسة للشرطة والنيابة العامة وغيرهم من المسؤولين الذين يضطلعون بدور في انفاذ القانون أو التحقيق في قضايا العنف ضد المرأة. ويدعو دليل الأمم المتحدة إلى أن تشمل واجبات الشرطة تقييم المخاطر ومقابلة الأطراف والشهود وتسجيل الشكايات وإعلام المشتكين بحقوقهم وإعداد تقارير رسمية وترتيب نقل الضحايا للعلاج الطبي وتوفير أشكال الحماية الأخرى[4].لكن الصيغة الجديدة من المشروع لم تأت بأي تعديلات جوهرية في هذا الشق باستثناء وضع اطار قانوني لعمل خلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف الموجودة على صعيد المحاكم، وهو اطار عمد إلى تجميد الخلايا القضائية الموجودة حاليا. وقد حصل ذلك حين تم تعليق العمل بها على صدور نصوص تنظيمية، وأغرق تشكيلتها بمسؤولين قطاعيين، وهو ما قد يعرض عملها لصعوبات تقنية وبيروقراطية بسبب غياب التفرغ من جهة، واختلاف التقسيم القضائي عن التقسيم الاداري.  كما همش دور المجتمع المدني الذي بدا في الصيغة الجديدة من المشروع وكأنه اطار مزاحم لعمل الخلايا، والحال أنه  قطاع شريك، بإمكانه أن يغني التجربة لا أن يسهم في تعطيلها[5].ولعل من صور تقييد الصيغة الجديدة للمشروع لعمل منظمات المجتمع المدني أنها قلصت من امكانية انتصابها كمطالب بالحق المدني في قضايا العنف ضد النساء حينما أضافت شرطا جديدا يتمثل في موافقة الضحية[6]. وهذا الأمر يطرح أكثر من إشكال على مستوى التطبيق، إذ كيف يمكن تصور الموافقة في حالة وفاة ضحية العنف، وتعدد الورثة، وموافقة البعض دون البعض الآخر؟

وتبقى من بين النقاط المضيئة في مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء اضافته لتدابير وقائية جديدة يمكن الحكم بها في جرائم التحرش أو الاعتداء أو الاستغلال الجنسي أو سوء المعاملة او العنف ضد المرأة أو القاصرين حددتها المادة 1-88 من المشروع فيما يلي:

1- منع المحكوم عليه من الإتصال بالضحية أو الإقتراب من مكان تواجدها، أو التواصل معها بأي وسيلة، لمدة لا تتجاوز خمس سنوات؛
2- خضوع المحكوم عليه لعلاج نفسي ملائم؛
3- منع المحكوم عليه من الاتصال بالضحية أو الاقتراب من مكان تواجدها أو التواصل معها بصفة نهائية؛
وقد عاقب المشروع بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة مالية أو احدى هاتين العقوبتين من خرق تدبير المنع من الاتصال بالضحية أو رفض الخضوع لعلاج نفسي ملائم.

وعموما يبقى مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء في صيغته الجديدة نصا يحتاج لمزيد من التنقيح والملاءمة مع متطلبات الحماية اللازمة للمرأة المعنفة، خاصة في الشق المتعلق بالوقاية من العنف والتكفل بضحاياه. كما أنه يحتاج تطبيقه لموارد مالية كافية، وعناصر بشرية مؤهلة، تضمن له التطبيق السليم حتى لا يبقى مجرد حبر على ورق.
 
 
 
[2]- بادرت كتابة الدولة في الأسرة والطفولة والأشخاص المعاقين سنة 2006 إلى وضع مشروع قانون لمناهضة العنف ضد النساء، كما قامت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن بوضع مشروع قانون خاص بمناهضة العنف الزوجي سنة 2010.
[3]-يبدو أن واضعي المشروع حاولوا تبرير سبب اقحام المعطيات الزجرية المتعلقة ببعض الجرائم الرقمية من خلال اضافة فقرة تعاقب على هذه الأفعال إذا ارتكبت من طرف زوج أو خطيب أو أحد الفروع أو الأصول أو الكافل أو شخص له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلف برعايتها أو ضد امرأة بسبب جنسها أو ضد قاصر. الفصل 448-3 من مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء.
[4]- الأمم المتحدة، شعبة النهوض بالمرأة، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ، دليل التشريعات المتعلقة بالعنف ضد المرأة، منشورات الأمم المتحدة تحت رمز ST/ESA/329  ، نيويورك 2010.
[5]-من بين مظاهر تهميش الصيغة الجديدة من مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء لدور المجتمع المدني أنه جعل حضوره لاجتماعات خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف امرا اختياريا، وأعطى الأولوية للشخصيات المعروفة (الأفراد) على حساب منظمات المجتمع المدني، تنص المادة 11 من المشروع:"يمكن أن يحضر أشغال اللجنة الوطنية شخصيات وممثلون عن الهيئات الوطنية والمنظمات المعنية بقضايا المرأة إذا رأت اللجنة فائدة في ذلك".
وأضافت المادة 13 من المشروع:" كما يمكن أن يحضر أشغال اللجنة كل شخصية معروفة باهتمامها بقضايا المراة، وكذا ممثلوا الهيئات والمؤسسات والجمعيات التي ترى اللجنة فائدة في دعوتها".
[6]-تنص الفقرة الثالثة من المشروع التي أضيفت للمادة 7 من القانون الجنائي على أنه: "غير أنه بالنسبة  للجمعيات المذكورة (يقصد بها تلك المتمتعة بصفة المنفعة العامة) والتي تعنى بقضايا مناهضة العنف ضد النساء، حسب قانونها الأساسي، فإنه لا يمكن أن تنتصب طرفا إلا بعد حصولها على اذن كتابي من الضحية".