في 8 أيار 2016، ستخاض معركة الانتخابات البلدية في بيروت. جديدها هذه السنة بروز لاعب سياسي جديد من نوع مختلف: "حملة بيروت مدينتي". فمهما يكن الوزن السياسيّ لهذه الحملة وما ستحققه من نتائج انتخابية، تؤسّس هذه المبادرة لنموذج جديد للعمل السياسيّ في لبنان من زوايا عدّة:

الأولى، الأسلوب الذي انبنت عليه الحملة من ناشطين سياسيين واجتماعيين في أطر ديمقراطية واسعة، مع الإبتعاد عن البحث عن رموز أو قادة (وفي حالتنا هذه عن رموز المعارضة السياسية). فرغم أن هذا الأسلوب قد يعد جحودأً إزاء نضالات هؤلاء الرموز في الظروف العادية، إلا أنه قد يجد تبريراً في الوضع اللبناني للقطع مع النظام القائم على كاريسما الرموز والشخصنة. وكان الأمر يكون طبعاً أقل قابلية للإنتقاد لو تركت اللائحة مقاعد شاغرة على نحو يتيح للناخب التوفيق بين هذه اللائحة ووفائه للرموز التي أثبتت صدقية في مكافحة ما يكرهه. 

الثانية، الأهداف التي وضعتها الحملة وهي أهداف حقوقية مدينية وخدماتية، تعكس فهماً معيناً لقيم وجماليات العيش المشترك في مدينة كبيروت. ومن أهم هذه الأهداف، تنظيم النقل المشترك وتحسين المساحات الخضراء والأماكن العامة وتأمين وحدات سكن ميسورة التكلفة، وإدارة النفايات الصلبة وحماية وتطوير تراث بيروت المعماري والطبيعي والثقافي وبناء المراكز المجتمعيّة وتحسين الخدمات وإيلاء العدالة الاجتماعية والتخفيف من حدة الفقر، والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية والإدارة البيئية الحسنة أهمية في جميع مشاريع البلدية وإعطاء الأولوية لصحة وسلامة جميع أهل المدينة وسكانها وأخيراً إدخال مبادئ الحوكمة في إدارة الشؤون البلدية.وبالطبع، بالإمكان انتقاد هذا البرنامج من زاويا عدة وخصوصاً لجهة خلوه من أي إشارة إلى كيفية إعادة الروح لوسط المدينة أو إلى تنظيم المؤسسات السياحية في المدينة أو إلى تحسين أوضاع الفئات المهمشة والهشة فيها، كحق الوصول للمعوقين أو أيضاً حقوق الأطفال وخصوصاً الأطفال المودعين في دور الرعاية أو أيضاً اجراءات لمواجهة البطالة وخصوصاً في أوساط الشباب. كما خلا البرنامج من أي أبعاد اجتماعية، كضمان شروط السلامة للعمال في المؤسسات القائمة في بيروت أو أيضاً مكافحة ممارسات الإتجار بالبشر. وهي عناوين نجد غالبها بالمقابل في اللائحة المعارضة الثانية "حملة مواطنون ومواطنات في دولة".
لكن، رغم هذه الملاحظات، يبقى الأهم هنا فكرة وضع برنامج يعيد الإعتبار للقضايا الحقوقية والمعيشية ويعمل على تعزيز مشروعيتها والوعي بها. ومن هذا المنطلق، تقدّم الحملة هنا أيضاً نموذجاً هاماً للقطع مع النظام الكاريسماتي بما فيه من شخصنة وتهميش تامّ لقضايا الناس. وفي ظلّ اعتبار كهذا، نكون هنا أيضا أمام عمل سياسيّ بامتياز وإن خلا البرنامج من أي تعرض أو انتقاد مباشر للقوى السياسية التي تولّت وضع السياسات التي جاءت هذه الحملة لجبهها.

الثالثة، ولكن، كيف نقيّم تجنّب الحملة التعرض للقوى السياسية المهيمنة؟ ألا يظهر هذا الأمر الحملة مظهراً متخاذلاً أو أقله مهادناً، على نحو يبقيها عاجزة عن تهديد هذه القوى وتاليا عن إحداث أي تغيير جدي؟ وما يزيد هذا الأمر قابلية للانتقاد هو حجم الفساد وتحوير السلطة الذي يشتبه أن تكون تلك القوى قد تورطت فيه. لكن، هنا أيضاً، من المهمّ أن نقرأ هذه الانتقادات على ضوء الوضع السياسيّ الحالي. فما هي الطريق الأسلم لاجتذاب مواطن اعتاد أن يحدّد خياره السياسي على أساس اعتبارات طائفية شبه غرائزية؟ هل يتم ذلك من خلال شتم زعاماته واتهامها بالفساد والإجرام، أم من خلال تعزيز وعيه بمطالبه وحقوقه المعيشية؟ السؤال يبقى مفتوحاً.. وربما الجواب الأصح عليه هو الجواب الذي نحصل عليه في صناديق الإقتراع.


برنامج "بيروت مدينتي"
تقديراً منها لأهمية مبادرة حملة "بيروت مدينتي"، تنشر المفكرة هنا مقتطفات أساسية من برنامج الحملة (المحرر).

رؤيتنا لبيروت
يرى البرنامج مدينة بيروت كمركزٍ ثقافي وإقتصادي في المنطقة، عاصمة لبنان وبوّابته الرئيسيّة إلى العالم الخارجي. يتصوّر البرنامج بيروت كمدينة حيويّة، نابضة وفعّالة وتولي اهتماماً خاصاً للتداخل الاجتماعي وسهولة التّواصل والتنوّع  وتتبع منهجاً تطلّعياً في إلتزاماتها بالتّنمية المُستدامة. رويتنا لبيروت هي مدينة تحتضن واجهتها البحرية، وتتغنّى بتراثها الثقافي وموقعها الاقتصادي، وتتمايز بشبكة متكاملة من الأماكن العامة الخضراء التي تعزّز التداخل الإجتماعي. بيروت التي نريد تقدم مجموعة متنوعة من الخيارات السّكنية لتستجيب لإحتياجات أهلها وسكانها المتعدّدة، وتعمل مع البلدات المحيطة بها للإستجابة لمستلزمات التنقّل والحركة في المدينة فضلاً عن السكن الملائم. بيروت مدينتنا تدرك الحاجة إلى العيش بإنسجام مع محيطها، وتستثمر وتستفيد من روح المبادرة والإبتكار لتعزيز النموالاقتصادي وخلق فرص العمل، وتقوم بتحديث خدماتها ومرافقها العامة من أجل تحسين معيشة سكانها وأهلها ورفاهيتهم.

البرنامج، ما هو؟
تتمتع بلدية بيروت بالصلاحيات والموارد الوافية والكافية لمعالجة عدد كبير من الإشكاليات والتحديات التي جعلت العيش والعمل في المدينة أشبه بالمستحيل.

الحركة والنقل
الحالة الراهنة: حوالي %70 من حركة التنقل في بيروت تعتمد اليوم على السيارات الخاصة. خلال ساعات الذروة، أغلبية هذه السيارات تتحرك بسرعة المشاة. %3 فقط من حركة التنقل تعتمد على الدراجة الهوائية. الباقي يعتمد على وسائل النقل المشترك.
هدفنا: خلال 6 سنوات، %45 فقط من حركة التنقل ستعتمد على السيارات الخاصة و%15 على الأقل ستعتمد على المشي أو الدراجة الهوائية. الـ %40 المتبقية ستستقّل وسائل النقل المشترك.
 
الحيّز العام والمساحات الخضراء
الحالة الراهنة:تؤمن بيروت اليوم أقل من 1م2 من المساحة الخضراء المتاحة للفرد الواحد بينما توصي منظمة الصحة العالمية بما لا يقل عن 9م2 للفرد الواحد.
هدفنا: خلال 6 سنوات سنرفع هذا الرقم إلى 5م2 للفرد الواحد.
 
السّكن
ملاءمة كلفة السكن والتوفيق بين مصالح المالكين والمستأجرين المستقبليين على أساس العدالة الاجتماعية. سنقدّم حوافز للمطوّرين لتحديث أو استبدال الظروف السكنيّة المتدهورة، وسنقترح أدوات جديدة للتخطيط بهدف إعادة النظر في السياسة الضريبية والتحفيزية التي تُعيق حالياً عملية إنتاج وحدات سكنية بأسعار معقولة. سنعمل على وضع استراتيجيات تحسين التجمعات غير النظاميّة والأحياء السكنية لذوي الدخل المحدود، بعد تدهور الأرصدة السكنية بشكلٍ خطير.

إدارة النفايات الصلبة
الحالة الراهنة: تنتج بيروت اليوم 600 طن من النفايات الصلبة في اليوم الواحد. %90 من هذه النفايات يتم طمرهاعلى الرغم من أن معظمها قابل للتدوير.
هدفنا: خلال 6 سنوات، ستقوم بيروت بإعادة تدوير %40 على الأقل من نفاياتها الصلبة، وستطبّق تقنيات إدارية تمتثل لأفضل الممارسات الدولية.
 
التراث الطبيعي والثقافي
الحالة الراهنة: تعتري الشاطئ اللبناني اليوم تعديات جمّة نتيجة المجمعات والمطاعم والمنشآت الأخرى المقامة عليه والتي تسدّ المجال البصري لرؤية الشاطئ والبحر وتعترض الوصول إليه.
هدفنا: خلال 6 سنوات، سنعمل على إنشاء شبكة مترابطة من الحدائق والمساحات العامة والمشتركة ، فضلاً عن واجهة بحرية متاحة للجميع وتراث طبيعي ومعماري.
 
الإنماء الاقتصادي والاجتماعي
الحالة الراهنة: تبلغ نسبة البطالة اليوم ضعف ما كانت عليه خلال العام 2011. واحد من كل أربعة طالبي عمل، نصفهم من الشباب، لا يجد فرص للعمل. العديد من جيوب الفقر تقع في بيروت، والفجوة بين الفقير والغني تتوسّع. تواجه المؤسسات والمحلات التجارية تحديات على صعيد النمو والاستدامة، بينما تعاني العديد من الأُسَر من غلاء المعيشة.
هدفنا: خلال 6 سنوات، ستدعم البلدية المتاجر المحلية لصغار المنتجين والمُشتَرين.كما ستساهم في تأمين بيئة مؤاتية لريادة الأعمال المحلية في قطاعاتٍ ذات صلة بالاقتصاد المحلي وستحُد من تكاليف التشغيل والبُنى التحتية الخاصة بأصحاب الأعمال. وستفرض البلدية شروطاً خاصة في متن عقود الأشغال والتلزيمات العامة لحمل المتعاقدين على اعتبار وتقييم الآثار الاجتماعية لاستراتيجياتهم التنفيذية.

البيئة المستدامة
الحالة الراهنة: يسبب قطاع البناء اليوم 40 بالمئة من  انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وهدراً هائلاً للمياه، فضلاً عن أن مواد البناء المستخدمة حالياً لا تراعي أدنى معايير البيئة السليمة. علاوة على ذلك، تفتقد المباني العامة في بيروت إلى معايير الأبنية الخضراء والنموذجية والتي تعتمد على كفاءة في استخدام الموارد.
هدفنا: خلال 6 سنوات، سنرمم المباني العائدة للبلدية لتصبح نماذج للمباني الخضراء، وسنضع حوافز ومبادئ تصميم واضحة لمشاريع البناء الجديدة.

االصحة والسلامة العامة
الحالة الراهنة: تشكل بيئة بيروت اليوم تهديداً على الصحة العامة بسبب رداءة نوعية الهواء وتدني مستوى النظافة العامة، وافتقاد الآليات اللازمة لمراقبة تلوث الهواء والماء.
هدفنا: خلال 6 سنوات، ستصبح شوارع مدينتنا نظيفة وسنزيل مستوعبات النفايات المرمية في الهواء الطلق.كما سنراقب نوعية المياه وسنضع خطة بالتعاون مع "مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان" للحد من مشاكل تلوث المياه وسننفذ خطة إضاءة في جميع أنحاء المدينة لتحسين السلامة الليلية.

الحوكمة
تحسين الهيكل التنظيمي للجهاز البلدي وتدريب موظّفيها وتذليل التحديات المؤسساتية الرئيسية التي أعاقت عمل المجالس المنتخبة منذ عقود. نتعهّد بدعم وتعزيز الشبكة الواسعة للمجموعات المدنيّة والمنظمات غير الحكومية التي استثمرت وعملت لصالح المدينة ونموها، إدراكاً منّا بأنها مصدر طاقة رئيسي للبلدية...
كما نتعهد باللجوء الى خبرات مخططين مدنيين يتولون تنظيم وإدارة شؤون المدينة بمساعدة فريق عمل مؤلف من مهنيين مؤهلين لتنفيذ رؤيتنا. كما سنقوم بتدريب فريق موظفي البلدية، وبإدخال نظام تقييم قائم على الأداء، يُكافئ العمل لمصلحة المدينة وأهلها وسكانها...
سنقدّم موازَنة قائمة على الأداء من أجل تلبية أفضل لاحتياجات أهل المدينة وسكانها، عبر وسائلٍ شفافة وقابلة للمُساءلة. وسنقوم بإنشاء آليات تشاركيّة متعدّدة، يتم من خلالها إعلام سكان بيروت وأحيائها بأعمال البلدية وبشؤون المدينة، وستومّن لهم السُّبُل للمشاركة الفعّالة في القرارات الهامّة لمستقبل المدينة ولإدارتها اليوميّة.

للإطلاع على برنامج "بيروت مدينتي" الكامل، أنقر هنا.