قضية ميشال سماحة لا تكفّ عن صدم الرأي العامّ اللبنانيّ. الصدمة الأولى نتجت عن ثبوت تورط الرجل بما يمثله على الساحة السياسية في مخطط إرهابي بالصوت والصورة. الصدمة الثانية، وهي أكثر وقعاً، نتجت عن هزالة الحكم الصادر بحقه عن المحكمة العسكرية الدائمة: وقد تمثلت هذه الهزالة في وصف الجرائم المنسوبة إليه، بحيث اعتبرت المحكمة مثلاً أنه بريء من محاولة القتل خلافاً لأدلة فاقعة. كما ظهرت في درجة العقوبات والتي بدت خفيفة وغير متناسبة قطّ مع خطورة الأفعال الثابتة بحقّه. أما الصدمة الثالثة، فقد نتجت عن قرار محكمة التمييز العسكرية بإخلاء سبيله، بعدما اعتبرت أن قرارها السابق بنقض الحكم على خلفية تبرئة سماحة من بعض الجرائم أدى عملياً إلى نقض الحكم برمته، بما فيه العقوبة المقررة بحقه، ومنها حرمانه من حقوقه المدنية. وقد مكّن ذلك سماحة من التصريح فور خروجه من الحبس أنه مستمرّ في "نشاطه السياسي"[1]. ونقلت وسائل الإعلام فيما بعد أنه سيشارك في الإعداد لزفاف ابنته على نحو يعيد إلى الواجهة الجوانب الإنسانية والعائلية لشخصه[2]. ورغم السخط الذي عبرت عنه قوى إجتماعية عدة إزاء نتائج المحاكمة في مختلف مراحلها هذه، فإنّ مسارها يظهر توجّها مطّرداً في التخفيف من مسؤوليات الرجل على الرغم من خطورة الجرائم المنسوبة إليه وقوة الإثباتات على إرتكابها. وبالإمكان القول أن قرارات المحكمة العسكرية في درجتيها شكلت حتى اليوم ما يشبه صدمات مضادة، أي صدمات مؤدّاها إبطال الصدمة الكبرى المتمثلة في سقوط الرجل، وصولاً إلى تسفيه الأفعال الجرمية الثابتة بحقه وربما إلى تنظيف سجلّه العدلي أو على الأقل السياسي منها. وتبعاً لذلك، يصبح مقبولاً أن يعاود الرجل ممارسة نشاطه السياسي على غرار ما يقوم به عددٌ غير قليل من السياسيين المتورطين حتى العظم في جرائم قتل و/أو فساد؛ وقد سلموا حتى اللحظة بفعل قوانين العفو والقوة. وما يزيد من هذه المخاوف هو آلية عمل المحكمة العسكرية التي بإمكانها أن تصدر أحكاماً في اتجاه معين من دون أي تعليل. فهذه الآلية تتيح للمحكمة إتخاذ قرارات لها وقع وفق ما تريده، من دون أن تكون مضطرة على تأسيسها على الواقع، وبكلام آخر أن تستولد واقعاً جديداً في الملفات المطروحة عليها مختلفاً تماماً عما كان عليه واقع الملاحقة عند مباشرتها. وهذا ما أسميناه في عنوان المقال والذي ورد على شكل تساؤل: "صناعة البراءة المستحيلة؟". وفيما تناولنا في مقال سابق عمل المحكمة العسكرية الدائمة[3]، فإننا سنسعى في هذا المقال إلى تفنيد عمل محكمة التمييز العسكرية للإضاءة على ما تقدّم.
 
التمييز تنقض الحكم برمته:

سماحة متمتعاً بقرينة البراءة مجدداً

هنا، يجدر التذكير أنه عند صدور حكم المحكمة العسكرية الدائمة، تداول الإعلام آراء كثيرة تبين أنه ليس بوسع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أن يطلب نقض الحكم رغم ضآلة العقوبة، على أساس أنه حكم إدانة وأن قانون المحكمة العسكرية يجيز له طلب النقض على الأحكام القاضية بالبراءة لانتفاء الأدلة أو لعدم كفايتها، أو القاضية بعدم المسؤولية لانتفاء الصفة الجرمية عن الفعل أو لسقوط دعوى الحق العام دون سواها (مادة 75).إلا أنه تحت ضغط السّخط الشعبي الناجم عن هزالة العقوبة، قدّم مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر طلب نقضضمنه طعناً بجميع بنود الحكم بما فيها البنود القاضية بإدانته. ويجدر التذكير هنا بأن حكم المحكمة العسكرية الدائمة الصادر في 13-5-2015 كان قضى بإدانة سماحة في بعض الجرائم المدعى عليه بها وتبرئته من جرائم أخرى. فقد أدين بمحاولة المادة 335 عقوبات (تأليف جمعية أو اجراء اتفاق بقصد ارتكاب الجنايات على الناس أو الأموال) ومحاولة المادتين 5 و6 قانون 1958 (أي حيازة المواد المتفجرة، والأعمال الارهابية) وبالمادة 78/24 أسلحة، وأبطلت بالمقابل التعقبات بحقه لجهة المادة 72 أسلحة لعدم توفر عناصرها وأعلنت براءته من المادة 549 عقوبات (محاولة القتل العمد) لعدم كفاية الدليل.

وقد نقلت السفير عن مصادر قضائية[4]آنذاك "أنّ صقر سجّل سابقةً لم تعهدْها المحكمة العسكريّة منذ تأسيسها". فالأحكام حسب هؤلاء إما تكون أحكام إدانة أو أحكام براءة أو كف تعقبات، وإن الإفتاء بقبول النقض على خلفية البراءة أو كف التعقبات في أحد الجرائم المدعى بها إنما يفتح الباب أمام تقديم طلبات نقض في الكمّ الأكبر من الأحكام. فغالباً ما يحصل أن يدعّي مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بعدد من المواد فتدين المحكمة على ضوء التحقيقات المتهم في بعض منها وتبرئه من بعضها الآخر. مهما يكن، وكما توجّب تقديم طلب نقض خلافاً للممارسات السابقة امتصاصاً للسخط الشعبي، كذلك توجّب قبوله للسبب نفسه. وعليه، قبلت محكمة التمييز العسكريةفي 2-6-2015 طلب النقض الذي قدمه صقر، مما أدّى إلى ارتياح عامّ بمعزل عن مدى قانونيته. وقد اعتقد المراقبون إذ ذاك أن محكمة التمييز جزأت الحكم، فأبطلت البنود المتصلة بالتبرئة وأبقت البنود المتّصلة بالإدانة والعقوبة المقررة على أساسها؛ وقد تعزّز ذلك بتضمين قرارها ردّا لطلب النقض الذي قدّمه سماحة. وهذا ما عبرت عنه وسائل إعلامية عدة[5] تحدثت عن احتمال الإفراج عن سماحة عند انتهاء عقوبته التي نص عليها حكم المحكمة العسكرية الدائمة. كما تجلى هذا الإعتقاد بوضوح كلي في طلب إخلاء السبيل الذي تقدم به وكيلا سماحة المحاميان هاشم صخر ورنا عازوري. إلا أنّ محكمة التمييز فاجأت جميع هؤلاء في قرارها الصّادر في 14-1-2016 حين استهلته بتصحيح ما جاء في طلب إخلاء السبيل في هذا الشأن: فبخلاف ما ورد فيه، لم يؤدّ قرارها الصادر في 2-6-2015 إلى تجزئة الحكم بين مبرم ومنقوض، إنما أدى الى نقض الحكم برمته، فبات لاغياً ومجرّداً عن أي مفعول. ويخرج عن ذلك أن القرار التمييزيّ أدى إلى نسف العقوبة التي حكم بها سماحة بالكامل، فلا يكون توقيفه الحاصل عند تقديم طلب إخلاء سبيله تنفيذاً لعقوبة، إنما بموجب قرار التوقيف الصادر عن قاضي التحقيق العسكري. وهذا الأمر يعني عملياً إسقاط كل الإدانات والعقوبات عن سماحة بانتظار إعادة محاكمته، وتالياً إبقاء جميع الاحتمالات قائمة بما فيها إحتمال تبرئته أو إبطال التعقبات بحقه، مهما بدا ذلك مستبعداً أو حتى مستحيلاً. ومن شأن قرارها بإخلاء سبيل سماحة، بما يعكسه من تساهل ومخالفات نبينها أدناه، أن يعزّز المخاوف على هذا الصعيد. وقد برّرت محكمة التمييز موقفها بإلغاء القانون برمته على أساس تأويل حرفي للمادة 88 من قانون المحكمة العسكرية التي تنص في فقرتها الرابعة على أنه "تقرر محكمة التمييز العسكرية إما إبرام الحكم أو القرار المطعون فيه وإما نقضه". فعلى ضوء هذه المادة، رأت المحكمة أن خيارها محصور في أمر من أمرين: إما إبرام شامل وإما نقض شامل، من دون أن يكون لها أي حق بالتجزئة. واللافت أنها صوّرتْ موقفها على أنه نتيجة حتمية للأصول القانونية التقنية المعمول بها، وذلك استباقاً على ما يبدو لأي مساءلة أو انتقاد. ف"أمام صراحة النص لا يبقى مجال لأيّ اجتهاد" حسبما ورد في متن الحكم.

وأكثر ما يفاجئ في هذا الموقف هو أنه يؤدي إلى نتائج عبثية أربع:

-       الأولى، أنه يتعارض مع المبادئ العامة للمحاكمات حيث يكون دوماً للمحاكم العليا أن تنقض أجزاء من الأحكام المطعون فيها دون الأخرى،
-       الثانية، أنه يؤدي إلى نقض بنود إدانة سماحة رغم أن محكمة التمييز نفسها كانت ردّت صراحة طلب هذا الأخير بنقضها (فكيف يجوز نقض ما كانت المحكمة رفضت صراحة نقضه؟)،
-       الثالثة، أنه يولي عملياً مفوض الحكومة صلاحية المطالبة بنقض بنود الإدانة كلما تضمن الحكم المطعون فيه بنود تبرئة. فبنود التبرئة تسمح له بتقديم طلب النقض، على أن يؤدي قبول طلبه إلى نقض الحكم برمته وذلك على نقيض ما ينص عليه قانون المحكمة العسكرية في مادتيه 74 و75 والذي يحصر صلاحيته في المطالبة بنقض أحكام التبرئة دون أحكام الإدانة.
-       والرابعة، وهي الأكثر عبثية، وهي تبقى احتمالية، وقوامها أن يخرج سماحة في ختام المحاكمة في وضع أفضل مما كان عليه، ليس لأنه طعن بالحكم ولكن لأن مفوض الحكومة الراغب في تشديد العقوبات ضده قام بذلك. ولعل أولّ الغيث هو استعادته حقوقه المدنية وإخلاء سبيله بانتظار انتهاء المحاكمة.

ومن هذا المنظار، يبدو نقض الحكم وكأنه شكل تصفيراً للقضية، فيمثل سماحة أمام محكمة التمييز متمتعاً بقرينة البراءة بعدما تم إبطال الحكم بإدانته بجرائم معينة.  
 
التمييز تمحو الحكم الذي نقضته:

كأنما الإدانة لم تحصل يوماً

الأمر الثاني الذي يدعو للقلق في محاكمة سماحة، هو الأسناد التي اعتمدتها محكمة التمييز تبريراً لإخلاء سبيله، وهي تحديداً الفقرة الأخيرة من المادة 75 من قانون المحكمة العسكرية التي تنصّ أنه وفي حالة قبول الطعن المقدّم من مفوّض الحكومة بالأحكام القاضية بالبراءة أو بإبطال التعقبات ونقض القرار، تجري محاكمة المتهم أو الظنين دون توقيفه في أثناء المحاكمة إلا إذا قضت المحكمة بالتوقيف بقرار معلل". وقد اعتبرت محكمة التمييز العسكرية أنها ملزمة بهذا النص الخاص حتى ولو كان متعارضاً مع القاعدة العامّة الواردة في قانون المحاكمات الجزائية والتي تنطبق على المحاكمات الجزائية في المحاكم العادية (غير العسكرية). وبذلك، اتخذت المحكمة قراراً بالإفراج عن سماحة موحيةً أن قرارها هذا حكمي يتأتى تماماً  كقرارها السابق بشأن نقض الحكم برمته، عن قاعدة تقنية ملزمة وليس عن قرار صادر عنها، طالما أن المبدأ وفق المادة 75 هو إبقاء المتهم حراً والإستثناء هو توقيفه. 

وهذا التعليل خاطئ تماماً في محلين إثنين:

الأول، أن محكمة التمييز ارتكبت خطأ جسيماً حين اعتبرت أن القاعدة واجبة التطبيق هي المادة 75 المشار إليها أعلاه. فالمادة 75 تنطبق فقط على الحالات التي يتم فيها نقض حكم براءة أو إبطال عقوبات، وليس على الحالات التي يشمل فيها النقض إدانة وعقوبات. ومرد ذلك هو أنه في حال تمت إعادة المحاكمة تبعا لنقض حكم براءة، فإن قرينة البراءة تكون معززة بالحكم الذي تم نقضه، مما يبرر اعتبار أن الحرية أثناء المحاكمة هي المبدأ والتوقيف هو الإستثناء. وبالطبع، تزول هذه القاعدة تماماً في حال شمل النقض بنود إدانة كما هي حال القضية الحاضرة، وتطبق اذ ذاك القواعد العامة الواردة في القانون العام الذي هو قانون أصول المحاكمات الجزائية في ظل غياب أي قاعدة خاصة للمحاكم العسكرية، وتحديداً المادة 298 فقرة 3 التي تنحو منحى معاكسا تماما لما تقدم. فبخلاف المادة 75، تمنع هذه المادة المحكمة من إخلاء سبيل الموقوف. وتنص هذه المادة حرفيا على الآتي: "إذا قضى الحكم المطعون فيه بتجريم أو بإدانة المتهم، واستدعت النيابة العامة نقض الحكم، فيُحاكم موقوفاً مع مراعاة أحكام المادة 108 من هذا القانون". وعليه، تكون المحكمة قد اتخذت قراراً بإخلاء سبيل سماحة خلافاً للقانون، على اعتبار أن النقض طال بنود إدانة وأن الجناية موضوع الدعوى (قتل وإرهاب) تخرج عن الحالات التي تشملها المادة 108[6]. وعليه، نتبين حجم المخالفة التي ارتكبتها محكمة التمييز، والتي ما كان بالإمكان ارتكابها لو لم تتعامل مع الحكم الذي نقضته على أنه حكم بالبراءة فقط. وكأنها بذلك لا تكتفي بنقض حكم الإدانة إنما تتصرف وكأنه لم ينوجد قطّ، معززة بذلك قرينة البراءة لسماحة،

أما المحلّ الثاني الذي ارتكبت فيه المحكمة خطأ جسيماً، فهو حين صرّحت بأن المادة 75 من قانون المحكمة العسكرية تضع قاعدة خاصة مختلفة عن قانون المحاكمات الجزائية. والواقع أن هذه المادة تتطابق تماما مع قانون المحاكمات الجزائية في مادته 298 أ.م.ج، حيث تبقى الحرية هي المبدأ في حال نقض حكم بالبراءة أو بإبطال التعقبات[7]. أما الفقرة الثالثة من المادة 298 فهي التي تتناول الحالة التي نحن بصددها وفق ما سبق بيانه والتي هي تمنع المحكمة من إخلاء سبيل سماحة حتى انتهاء محاكمته.
 
  نشر في العدد 35 من مجلة المفكرة القانونية


[1]السفير، 15-1-2016. 
[2]المرجع نفسه.
[3]نزار صاغية، "أبعد من المحكمة العسكرية في لبنان، ماذا تعلّمنا قضية ميشال سماحة؟"، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 29، حزيران/يونيو  2015. 

[4]" الحكم على سماحة يُشعل اشتباكاً داخلياً"عدد 14/5/2015

[5]راجع مثلاًلينا فخر الدين، "التمييز أمام خيارين: الإبقاء على الموقوف أو تخلية السبيل.سماحة يكرّر «مؤامرة الاستدراج» قبل 5 أيّام من انتهاء محكوميّته"، السفير،18/12/2015.  
[6]المادة 108 فقرة 2: ما خلا جنايات القتل والمخدرات والإعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستة أشهر، يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلّل.
[7]"إذا قضى الحكم المطعون فيه ببراءة المتهم أو بإبطال التعقبات في حقه أو بعدم مسؤوليته فلا يحاكم موقوفاً أمام محكمة التمييز ما لم تقرر توقيفه بقرار معلل" وتوضح الفقرة 3 أنه " إذا قضى الحكم المطعون فيه بتجريم أو بإدانة المتهم، واستدعت النيابة العامة نقض الحكم، فيحاكم موقوفاً مع مراعاة أحكام المادة 108 من هذا القانون"