في انعكاس منطقي للحالة الأمنية في ليبيا وتفشي ظاهرة الإرهاب وانتشار بعض المجموعات الإرهابية  في بعض المدن، قامت مؤسسة بحثية معتمدة في بداية عام 2014 بعمل مسح شامل للقيم، أجابت من خلاله عينة عشوائية كبيرة جداً من الليبيين عن عديد من الأسئلة الكاشفة عن المنظومة القيمية الليبية، معبرة عن تطلعاتهم ومبرزة لأهم توجساتهم وهواجسهم. وقد كان من بين تلك الهواجس الظاهرة للعيان: الهاجس الأمني. فقد أبدت أغلبية ساحقة"نسبة 81.1%" قلقها من التعرض لهجوم إرهابي[1].

وقد توافقت هذه النتيجة مع توجه وزارة العدل في عهد الوزير صلاح المرغني[2] والتي كانت تعي أهمية إصدار قانون لمكافحة الإرهاب[3] كأداة من أهم الأدوات التي تساهم في القضاء عليه ولذا قدمت مشروع قانون بهذا الخصوص. إلا أن القيمين على السلطة التشريعية أي "المؤتمر الوطني" حينها رأوا عدم طرحه للمداولة والتصويت عليه، وذلك في سياق سياسة عامة لإنكار وجود إرهاب في إي مدينة من مدن ليبيا. وقد ضربوا بذلك عرض الحائط بهواجس الشعب الليبي الذي يمثلونه. وحين انتقلت سلطة التشريع من خلال انتخابات ديمقراطية إلى مجلس النواب وبالرغم من أدائه السيئ والمتعثر، استطاع أن ينجح في إصدار قانون مكافحة الإرهاب رقم 3 لسنة 2014.

وحقيقة، يتضح للمتابع سرعة واستعجال المجلس في إصدار القانون دون أن يعطى حقه في الدراسة المتأنية أو تستطلع آراء المتخصصين من رجال القانون والقضاء، فخرج القانون للنور بعد ولادة عسيرة ومتعثرة تشوبه العديد من العيوب الشكلية والموضوعية، الأمر الذي يطرح أسئلة حول مدى نجاعته في تحقيق الأهداف المرجوة منه.

وللإجابة على كل هذه التساؤلات، ينبغي أن نقيم هذا القانون من الناحية الموضوعية والإجرائية  وفي مبناه ومعناه. ونبدأ شكليا من ناحية الصياغة القانونية والتي كانت بعيدة كل البعد عن صياغة القوانين الليبية. فاللغة العربية الرصينة مفقودة فيه؛ وأسلوب صياغته غير معهود ويختلف كليا عن نهج التشريع الليبي في السابق من حيث عنونة المواد والتبويب المأخوذ عن الإيطالي. وقد ظهر القانون بنتيجة ذلك بمثابة نشاز عن التشريع الليبي المعتاد[4].

وفي باب السياسة الموضوعية للقانون، يلزمنا القول بأنه يتوجب مبدئياً أن يحترم القانون الجنائي مبدأ الشرعية من حيث الالتزام بالصياغة الواضحة الدقيقة والإيجاز غير المخلّ حتى لا يفتح باباً للتكهن بأنه قال أكثر مما أراد أو أراد أكثر مما قال. فالمشرع وقع في قانون مكافحة الإرهاب في مشكلة التعريف، وهو ما سيرتب عليه وقوع القاضي في إشكالية التطبيق.

وسنمر على عدة نصوص في القانون ستسبب عدة إشكاليات عند التطبيق وأولها أنه تضمن تعريفًا فضفاضًا لـ «الأعمال الإرهابية» مما يثير مخاوف جدية من استخدامه للتضييق على الحريات الفردية وحرية التظاهر السلمي. كما يلاحظ أن القانون قد ألغى صورة من صور التجريم وهي: "تبني دعوات انفصالية" كانت موجودة في المسودة التي قدمت للسلطة التشريعية السابقة. ولعل ذلك يلقى الضوء على مدى سياسية تجريم الإرهاب وتأثير السياسة في تحديد مدلول ما يعد إرهاباً من عدمه.

 وبالنظر إلى المادة الأولى من القانون، نجده يعبر عن الشروع بلفظ المحاولة. ويأتي بمصطلح "الاشتراك أو المساهمة" ("أو" العطف وردت في النص) وكأنه لا يعي أن الاشتراك جزء من المساهمة فلا يستقيم أن يجتمع اللفظان معاً. وهذا ما يؤكد جهل القائمين على صياغة النصوص بأبسط القواعد  الجنائية الموضوعية.

ونأتي لموقع آخر تجاهل فيه القانون بغرابة مسألة  ذكر الأسلحة النووية في أثناء سرده للأسلحة غير التقليدية. وعند حديثه عن مد نطاقه المكاني، اقتصر على الطائرات ولم يشر للسفن. كما عبر عن مصطلح"تحويل الأموال "بمصطلح"الإحالة" واستخدم لفظ "افتعال بطاقة مزورة " بدلاً عن "استعمال بطاقة مزورة".

كما يحيل  القانون إلى الأحكام العامة في قانون العقوبات، سواء في العقاب على الشروع أوفي مسؤولية الشريك عن الجريمة، رغم عدم لزوم ذلك. وينص على العمدية علماً بأن الجرائم عمدية ما لم ينص على خلاف ذلك. ويبدو أنه كان يقصد تناول القصد الخاص وهو النية الإرهابية التي تميز الجرائم العادية عن الجرائم الإرهابية.

وفي موقع آخر، ينص القانون بغرابة على اعتبار التشديد في العقوبة وجوبيا متى توافرت ظروفه، رغم أن القواعد العامة تنظم  ذلك ولا يوجد فيها ما يشير إلى جوازية إعمال التشديد.

كما يلفت النظر تجاهل القانون مصدر الإرهاب الأساسي، وهو الجانب الفكري والتحريض عليه واستخدام المُحرّض للدين الحنيف واستخدامه لمنابر المساجد، وهو ما يجبالتصدي له بطريقة أو بأخرى من خلال مقاربة شمولية لمسألة الإرهاب.

ثم يأتي القانون في نصوص أخرى ويقع في أخطاء فنية وقانونية قاتلة مثل النص على عقوبة السجن لمدة عشرين سنة، على الرغم أن القانون الليبي حدد السجن بأقصى مدة 15 سنة ثم ينتقل للسجن المؤبد. ولا يكتفي بذلك بل يستمر في الأخطاء البديهية حين نص في المادة 19  على عقوبة "الحبس" وحدد مدتها بأنها لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد عن خمس سنوات. وهي بهذا الشكل تعد عقوبة سجن وفقاً للقانون الليبي.

ولم يكتفي القانون بمخالفة القواعد الجنائية والشكلية بالقانون الليبي، بل تجاوز ذلك بأن اقتبس حرفيا  من القانون الجنائي المصري في المواد ( 9 / 10 / 16 )  والتي تنص على السجن المشدد, رغم أن القانون الليبي لا يعرف هذه العقوبة. وكان القانون المصري الذي ينص على الأشغال الشاقة المؤقتة أو مؤبدة، قد اعتمد تحت ضغوطات المنظمات الحقوقية مصطلح السجن المشدّد.

واللافت للنظر عند استطلاع العقوبات الواردة في هذا القانون عدم ذكره لعقوبة الإعدام. ومع تسجيل ايجابية هذا الأمر في ظل إسراف التشريع الجنائي الليبي في توقيع هذه العقوبة، خاصة في الأفعال الماسة بالحياة (قانون العقوبات وقانون القصاص والدية)، فإن التعبير عن هذا التوجه في مجال الجرائم التي قد تكون الأخطر كقضايا الإرهاب من دون مراجعة النصوص الأخرىـ إنما يسمح لنا بالقول أنه يندرج ضمن سياسة التخبط والعشوائية التي واكبت صياغة هذا القانون أكثر مما هو توجه مدروس من السلطة التشريعية للحد من عقوبة الإعدام.

وفي إصرار غريب من القائمين على هذا القانون على إبتداع قواعد جديدة لم يعرفه التشريع الجنائي مسبقا، أغفل القانون بتعمد أو جهل التدرج العقابي والنص عليه من حدين أقصى وأدنى، سالباً بذلك من القاضي سلطته في تقدير العقوبة. وهنا يصبح القاضي عبارة عن آلة لتطبيق القانون، ليس له سلطة تقديرية في اختيار العقوبة المناسبة. ويرى الكثير من الفقهاء والمتخصصين أن القاضي كلما وضع في هذه الوضعية، امتنع عن تطبيق القانون من خلال تحوله إلى محام غير معلن للمتهم. فيبحث عن أي ثغرات إجرائية يعمل من خلالها على تعطيل النص القانوني. لذلك كان يفضل إن يعطى القاضي سلطة تقديرية في العقوبة لضمان تطبيق القانون[5].

وفي باب السياسة الإجرائية للقانون، نلحظ أنه أحال إلى قانون الإجراءات الجنائية (23 منه) بالرغم من أن مواعيد الحبس الاحتياطي تختلف. كما أن إجراءات التحقيق الأخرى تحتاج إلى تنظيم خاص يتناسب مع طبيعة الجرائم المنصوص عليها في القانون [6]. أما حينما قرر المشرع معالجة التعاون الدولي، فنص على عنوان غير جامع أو مانع. فقد عنون الفصل باسم: "التعاون القضائي" بدل "التعاون الدولي"  الذي غالبا ما يكون على مستويين: قضائي وشرطي. فالمستوى القضائي يحصل بين الهيئات القضائية "نيابات محاكم" سواء من أجل تسليم متهمين أو جمع أدلة حول جريمة إرهابية ونسبتها للمتهم. والهدف منه جزائي صرف: تسهيل للدولة لاقتضاء حقها في العقاب.

والشرطي يتمّ بين أجهزة أمنية تابعة للسلطة التنفيذية. ولعل الجهاز الدولي الشهير في هذا المجال "الإنتربول". والهدف منه منعي وقائي أي الحيلولة دون وقوع جريمة إرهاب[7].

ويفضّل أن يتم التعاون الدولي بتفعيل الاتفاقيات الموجودة سابقاً سواء على مستوى عربي "اتفاقية مكافحة الارهاب العربية" ,أو افريقي" اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمنع ومكافحة الإرهاب"، خاصة مع دول الجوار. فتنسيق الجهود الدولية مع دول الجوار خطوة مهمة للقضاء على الارهاب.

كما نص القانون على إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في المادة 29 من القانون. وقد أضيفت وزارة الأوقاف وجهاز المخابرات العامة إلى التشكيل الوارد في مسودة القانون المقدم من الوزارة إلى السلطة التشريعية السابقة. ورغم أهمية هذه الهيئة، نجد أنفسنا أمام واقع مرير وهو عدم صدور قرار بإنشاء هذه اللجنة رغم مرور سنة على ميلاد القانون.

ومما يلفت النظر، الفقرة الثانية من فقرات المهام الموكلة للجنة: "التنسيق مع كل الجهات لمساعدة ضحايا الإرهاب لضمان العلاج الجسدي والنفسي للضحايا"، حيث أن هذه المادة تكشف بوضوح عن مدى الاهتمام الهزيل بضحايا الارهاب. وكان من المتوقع أن يولي القانون لتعويض الضحايا اهتمام كبير بالنص صراحة على حقهم في التعويض العادل الملائم السريع عن الأضرار التي أصابتهم. كما يجب التأكيد على الحق في تلقي مساعدة عاجلة ملائمة مجانية من الدولة لمواجهة الاحتياجات المادية الطبية والنفسية والاجتماعية  بالإضافة إلى المعونات طويلة المدى لتغطية الأضرار الصحية كالنفسية مثلاً. كما يقتضي النص على التزام وسائل الأعلام باحترام الحياة الخاصة للضحية ومن ذلك حقهم في عدم نشر الصور إذا كانت في أوضاع تضر بهم.

كما أن القانون لم يوفر الحماية الكافية للجهات التي تعمل على مكافحة الإرهاب. فلم يلزم الدولة مثلا بإبرام وثيقة تأمين إجباري شامل مع شركات التأمين، لتغطية جميع الأخطار الناجمة عن الجرائم الإرهابية التي تصيب أي فرد من أفراد القوات المسلحة أو قوات الشرطة المكلفة بمكافحة الإرهاب حال تصديها لتلك الجرائم، أو رجال القضاء والنيابة العامة، بما في ذلك حالات الوفاة أو العجز الكامل أو الجزئي[8].

وأخيراً، فإن القانون يحمل بين طياته أسباب وأده وذلك بنصه على ضرورة إنشاء نيابة مختصة بجرائم الإرهاب (م 24 منه) وإنشاء دوائر جنائية للنظر في قضايا الإرهاب (م 25 منه). ومن المعلوم أن الاختصاص النوعي هو من النظام العام الذي يوجب الحكم بعدم الاختصاص حال عدم التقيد به، خاصة وأنه بعد مرور السنة الميلادية لم تنشأ هذه النيابات أو هذه الدوائر التخصصية. ولعل من المجدي قفل باب اللجوء إليها لكونها ماسة بمبدأ القاضي الطبيعي ولكونها تعيق تطبيق القانون وتحول دون تحقيقه لأهدافه[9]. ناهيك عن مخالفتها للاعلان الدستوري المؤقت الذي يحظر انشاء المحاكم الخاصة والاستثنائية وعدم مواءمتها مع المعايير لاستقلال السلطة القضائية.

وبإمكاننا القول في النهاية أن السلطة التشريعية تبنت مشروع قانون الإرهاب بشكل ارتجالي وعشوائي ولم تكن لها رؤية واضحة ولا دراسة متأنية عند تبنيها لمشروع القانون. فكأنها ركزت على توجيه رسالة سياسية لشعبها وللعالم بأنها تسعى لمكافحة الإرهاب بكل السبل وأغفلت جوانب فنية وإجرائية تعيق تطبيق نصوصه، مما أصاب المتابعين بخيبة أمل كبيرة في الحصول على تشريع نافذ وعادل وموضوعي يجيد التعامل مع ظاهرة الإرهاب والتي أصبحت واقعا ملموسا لم يألفه المواطن الليبي سابقا .


[1]هو المشروع عالمي مستكشف لقيم الناس ومعتقداتهم و ذلك في الموجة السادسة منه (2010/2014) والتي استطلعت فيها آراء 52 دولة ,وقد شاركن غيه ليبيا أول مرة, من خلال مركز البحوث والاستشارات جامعة بنغازي .
[2]تولي صلاح المرغني وزارة العدل في حكومة علي زيدان من نوفمبر 2012 إلى أغسطس 2014 م
[3]القانون رقم 3 لسنة 2014 م صدر بتاريخ : 15/9/2014م , منشور بالجريدة الرسمية ,ع :1,س:4 ,2015م , ص: 5 .
[4]أد احمد الجهاني , مشاركة في حلقة نقاش حول قانون مكافحة الإرهاب رقم 3 لسنة 2014 أقيمت في كلية الحقوق جامعة بنغازي بتاريخ :6/10/2015م
[5]أد . احمد الجهاني , في حلقة النقاش حول القانون التي أقيمت بكلية الحقوق جامعة بنغازي .
[6]م 40 من قانون الارهاب المصري , تقضي بجواز التحفظ على المتهم حال قيام خطر جريمة الارهاب ولمدة قد تصل إلى سبعة أيام . م 53 من القانون ذاته تمنح لرئيس الجمهورية الحق في اصدار قرارات إخلاء أو عزل لبعض المناطق متى قام فيها خطر الجريمة الارهابية .
[7]المواجهة القانونية للإرهاب ,أحمد فتحي سرور , مركز الأهرام للترجمة والنشر ,مصر , ط :2 ,2008م ,ص : 410.
[8]مادة (54) من القانون المصري رقم 94لسنة 2015م بشأن مكافحة الإرهاب .
[9]هذا الرأي قد طرح بقوة في حلقة النقاش التي أقيمت في كلية الحقوق جامعة بنغازي حول القانون في 6/10/2015م وكان جل الحضور من القضاة وأعضاء هيأة التدريس بقسم القانون الجنائي .