بالرغم من أن ظاهرة انعدام الجنسية في لبنان عمرها من عمر دولته وجنسيتها ، فإن هذه القضية بقيت، وحتى بدايات القرن الواحد والعشرين، قضية يتيمة على كل الأصعدة السياساتية المحلية والدولية. كما لم تحظ باهتمام الكثير من الباحثين الأكاديميين القانونيين والاجتماعيين والناشطين في مجال حقوق الانسان.

ويختلف وضع عديمي الجنسية من بلد الى آخر، حسب قوانين كل بلد. وهذا ينعكس على الوجود القانوني لعديمي الجنسية في هذا البلد والحقوق التي يمكنهم أن يتمتعوا بها.  

في لبنان، تتواجد فئتان أساسيتان من عديمي الجنسية: الفئة الاولى، وتعرّف بـ "مكتومي القيد"، وهي تشمل العدد الأكبر من عديمي الجنسية، وأفرادها لا وجود قانوني لهم بتاتاً أمام القانون والسلطات. وهذه الفئة تنقسم بدورها الى مجموعتين: مجموعة تشمل الأفراد الذين لدى اصولهم قيود في سجلات الاحوال الشخصية ولكن ولاداتهم غير مسجلة في هذه السجلات، ومجموعة تضم من ليس لأصولهم أية قيود لدى الدولة، رغم أن معظمهم كانوا موجودين على الأراضي اللبنانية عند نشأة الدولة اللبنانية. ومرد لك هو أن هؤلاء الأصول لم يتسجلوا في إحصاء 1932 وبالتالي لم يحصلوا على الجنسية الللبنانية. 

يفتقد لبنان لأي إطار قانوني لعديمي الجنسية، وبالتالي لأي سجلات قيود لفئة "عديمي الجنسية/ مكتومي القيد". وبالتالي يولد هؤلاء ويعيشون ويموتون بدون أن يكون لديهم أو لدى السلطات الرسمية أي شىء يثبت وجودهم على الأراضي اللبنانية. وبالنتيجة، هم لا يتمتعون بأي من حقوق الإنسان حتى الأساسية كالحق في الحصول على الرعاية الصحية والحق بالعمل والحماية من الاستغلال والحصول على الضمان الاجتماعي والحق بالوظيفة العامة والحق بالتنقل، الخ... ناهيك عن الحقوق السياسية والمشاركة في الحياة العامة.  

أما الفئة الثانية من عديمي الجنسية في لبنان، المعروفين بـ "قيد الدرس"، هي فئة لها وجود قانوني وتتمتع ببعض الحقوق الأساسية وأهمها الوجود القانوني وبعض الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية. انما ملامحها وتاريخها وحلولها ما زالت عرضة للتأويلات والتفسيرات المتعددة. وهي ما زالت "قيد الدرس" منذ عشرات السنوات وتتكاثر من جيل الى آخر...  

وإذا أدّى مرسوم التجنيس الجماعي الذي أصدرته الدولة اللبنانية في العام 1994 إلى الحدّ من انعدام الجنسية عبر منحها لعدد من الأشخاص الذين كانوا محرومين منها لغاية تاريخه، فإن هذا المرسوم شمل بالواقع نسبة قليلة من عديمي الجنسية مقارنة بالأشخاص حاملي الجنسيات الأخرى الذين استفادوا منه. وعليه، فوّتت الدولة اللبنانيّة كما المجتمع الأكاديمي والمدني فرصة لطرح موضوع انعدام الجنسية على طاولات النقاش، وتحوّل الخطاب الى سياسي بامتياز بين معارض وموال، من بوابات التوازن الديمغرافي والطائفي وفزاعة التوطين وغيرها من الاعتبارات التي بقيت تطفو مع كل محاولة لإثارة موضوع الجنسية.

وهكذا، بقي موضوع انعدام الجنسية، أو "كتمان القيد" كما يحلو للدولة اللبنانية تسميته، طي الكتمان لسنوات طويلة. إلا أنه في السنوات الاخيرة، بدأ الاهتمام في لبنان بموضوع مكتومي القيد من قبل مجموعة صغيرة من هيئات المجتمع المدني مباشرة.

اللجنة الرسمية في هذا المجال هي اللجنة الوطنية لمعالجة أوضاع الأطفال اللبنانيين مكتومي القيد، وهي مكونة من هيئات مدنية وممثلين عن وزارات متعددة، تحت مظلة المجلس الأعلى للطفولة، وتركّز عملها على تسجيل ولادات الأطفال دون ال18 من العمر المولودين من آباء لبنانيين. وقد قامت بحملة إعلانية حول وجوب تسجيل الأطفال ومخاطر عدم التسجيل، وتقوم بالتوعية والإرشاد حول آليات التسجيل وبعمل المناصرة مع السلطات بالنسبة لأوضاع هذه الفئة وحلها.

كما تجدر الإشارة في هذا الإطار الى الحملة الواسعة بشأن حق المرأة بنقل الجنسية لأسرتها. وقد بادرت مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي  CRTDAإلى هذه الحملة تحت عنوان "جنسيتي حق لي ولأسرتي"، بغض النظر عن جنسية الأب، مطالبة بتعديل القانون التمييزي ضد المرأة. ومن شأن الاستجابة إلى هذه الحملة أن ينعكس على شريحة واسعة من عديمي الجنسية الذين يولدون لأمهات لبنانيات ومتزوجات من مكتومي القيد أو قيد الدرس.

أما أولى المبادرات وأشملها والتي تمت في هذا المجال، فهي مبادرة جمعية روّاد فرونتيرز، التي انطلقت مع بدايات هذه الألفية. وكانت الجمعية، من خلال حوارها الدائم مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في موضوع الحماية الدولية بشكل عام، وموضوع انعدام الجنسية بشكل خاص، وراء اعتماد مكتب المفوضية في لبنان العمل مع السلطات الرسمية على انعدام الجنسية كأولوية استراتيجية. وكان تدخل الجمعية وعملها في هذا الاطار نابعاً من طبيعة عملها ووجودها والحقوق التي تتبناها وتدافع عنها والفئات التي تناصرها. فالجمعية وُجدت من أجل الدفاع عن حق كل إنسان بالوجود القانوني، والسعي إلى إيجاد بيئة تحمي وتعترف بكل إنسان موجود على الأراضي اللبنانية. ولأن عديمي الجنسية هم بمثابة نكرة أمام القانون والنظام السياسي السائدين، كان لا بد للجمعية من أن تسعى إلى الاعتراف بهم وبحقوقهم.

وما يميّز مبادرة جمعية رواد في موضوع عديمي الجنسية هو سعيها لإيجاد حلول قانونية، وسياساتية شاملة لجميع عديمي الجنسية من جهة. وهي تعمل أيضاً على الوقاية والحد من انعدام الجنسية كما على تحديد عديمي الجنسية وحمايتهم.غير أن عملها يتكامل بالطبع والى حد بعيد مع عمل كل من "اللجنة الوطنية لمعالجة اوضاع الاطفال اللبنانيين مكتومي القيد" التي تركز حصراً على إحدى فئات عديمي الجنسية من مكتومي القيد الذين لدى أهلهم قيود لبنانية، ويتكامل أيضا مع عمل CRTDAالتي يتركّز عملها في المقام الاول على المطالبة بحق المرأة اللبنانية باعطاء جنسيتها لاولادها.

وكان بدء اهتمام هذه الجمعية بهذه الظاهرة مع تبنيها  حالة 3 أخوة من والدين لبنانيين غير مرتبطين بزواج شرعي ولم تسجل ولاداتهم. وقد نجحت الجمعية بعد توكيل محام لمتابعتها أمام القضاء، بالاستحصال على هويات لبنانية لهم، ولكن بعد حوالي عشر سنين.   

وفي محاولة للتخفيف من انعدام الدراسات الاكاديمية والقانونية حول ظاهرة انعدام الجنسية في لبنان، قامت الجمعية بدراسة قانونية أولى في لبنان حول هذه الظاهرة من خلال مسح وتحليل القوانين والاجتهاد والاستشارات والآراء والممارسات الادارية[1]. وتفيدنا هذه الدراسة في معرفة الأرضية القانونية والسياساتية لانعدام الجنسية وأسباب هذه الظاهرة والحلول الممكنة لها، ومدى تسبب أحكام القانون اللبناني أو تطبيقها وتفسيرها بها أو مدى مساهمتها في الوقاية منها ووضع حد لها (2011). وقد بيّنت الدراسة أن القانون اللبناني يتضمن ضمانات هامّة ضد انعدام الجنسية، خصوصاُ لجهة اعتماد رابطة الأرض لاكتساب الجنسية اللبنانية بحكم القانون كلما تبين أن المولود سيكون عديما للجنسية في حال عدم منحه إياها.  كما يتضمن إمكانيات لمعالجة الغالبية الساحقة من حالات انعدام الجنسية عن طريق اللجوء إلى القضاء. إلا أن ثغرات متعددة في توضيح الإجراءات كما في تطبيق القانون وتفسيره، أدت إلى عدم تنفيذ هذه الضمانات ادارياً وومنها جهل هذه الضمانات القانونية أو أيضا أكلاف اللجوء الى القضاء.

تبعت هذه الدراسة طاولة مستديرة مع السلطات اللبنانية المعنية والمنظمات الدولية ذات الاختصاص وخبراء دوليين ومحامين. وفي العام 2011، كانت المناسبة الأولى لطرح هذا الموضوع على النقاش. ثم تطوّر التعاون بين مختلف هذه الأطراف، وأنشئت لجنة وزارية تضم وزارات الداخلية والبلديات (المديرية العامة للأحوال الشخصية والمديرية العامة للأمن العام) والصحة العامة والشؤون الاجتماعية والعدل والتربية والتعليم العالي، إلى جانب منظمات الأمم المتحدة (مفوضية شؤون اللاجئين ومكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان وصندوق الأمم المتحدة للطفولة) وجمعية روّاد فرونتيرز، للتداول في قضية انعدام الجنسية بشكل دائم، ودراسة المبادرات والآليات الرامية الى الوقاية والحد منها. ومن أوائل نتائج هذا الحوار العمل المشترك على حملة توعية وطنية حول أهمية تسجيل الولادات، بهدف الوقاية من نشوء حالات انعدام جنسية جديدة.

كما نظمت الجمعية عام 2014 مجموعة  لقاءات مع مخاتير في عدد من الأقضية اللبنانية ومع مكتومي القيد في كل المناطق، للوقوف على واقع ظاهرة انعدام الجنسية واشكاليات المعنيين بها. ونظمت بناء على ذلك وعلى نتائج عملها المتراكم، سلسلة لقاءات حوارية مع الموظفين التقنيين في وزارات مجموعة العمل، تمت خلالها مناقشة إشكاليات نظام تسجيل الولادة في لبنان والإقتراحات والتوصيات لتطويره وتحسينه في إطار الوقاية من كتمان القيد. وأتبعتها عام 2015 بلقاءات مركّزة مع مجموعات مصغّرة مع موظفين رسميين حول الآليات العملية لتطوير وتحديث نظام تسجيل الولادات تهدف الى تطوير الاستراتيجيات الوطنية ذات العلاقة لايجاد آلية للوقاية من إنعدام الجنسية وللعمل على وضع نظام لتحديد عديمي الجنسية في لبنان وتزويدهم ببطاقات تعرّف بهم وتعترف بوجودهم ووضع نظام للحد من انعدام الجنسية بالنسبة للحالات القائمة، لا سيما التاريخية منها. وكانت الدراسة الميدانية المذكورة أعلاه بينت أن لهذه الحالات الأخيرة روابط متينة ووثيقة بلبنان، لا سيما على مستوى الأصول العثمانية اللبنانية والولادة في لبنان.  

ونظرا لعدم توفر معطيات نوعية أو كمية حول عديمي الجنسية في لبنان، قامت الجمعية بتنفيذ دراسة ميدانية أولية (2012، غير منشورة)، هي الأولى من نوعها، على عيّنة من الأسر التي تضم عديمي جنسية، موزعين على كافة الأراضي اللبنانية، هدفت إلى فهم ملامح وفئات عديمي الجنسية وأسباب انعدام جنسيتهم، والسعي إلى معرفة الحجم التقريبي لهذه الظاهرة[2]. وبيّنت هذه الدراسة أن عدم تسجيل الولادات هو من أبرز أسباب انعدام الجنسية في لبنان، وهو يطال حوالي نصف العينة، بينما النصف الآخر يشمل حالات عديمي الجنسية التاريخيين أي من ليس لأصولهم أي جنسية تاريخيا. وبيّنت كذلك أن الغالبية الساحقة من عديمي الجنسية مولودون في لبنان و/أو لأصول لبنانية، وأن حوالي 90% منهم مولودون لأمهات لبنانيات الجنسية.

وتعمل الجمعية على إثارة انعدام الجنسية في لبنان وطرح رؤياها للحد من هذه الظاهرة ومعالجتها في كل المحافل الدولية ذات العلاقة، كما في تقارير الظل إلى أجهزة الأمم المتحدة. وآخرها التقرير الخاص بهذا الشأن الذي تقدمت به الجمعية في سياق المراجعة الدورية الشاملة أمام مجلس حقوق الانسان.

كما تعمل الجمعية على تقديم المشورة القانونية لعدد من الحالات الفردية، وعلى تقديم حالات تقاض استراتيجي تهدف إلى فهم تعاطي القضاء مع قضايا انعدام الجنسية وما تطرحه من مسائل واشكاليات، غالبيتها لم تثرْ أمام المحاكم بعد، أو أثيرت ولم تتحوّل إلى اجتهاد مستقر بعد.

ومن جهة أخرى، تنشر رواد فرانتيز مجموعة أدوات تثقيفية مبسطة لعديمي الجنسية وللوقاية من انعدام الجنسية، أبرزها دليل لتسجيل الزواج ودليل لتسجيل الولادات وكتيّبات حول تسجيل الولادات للأفراد الذين ينتمون إلى مختلف الأوضاع القانونية لبنان.

وإذا كانت هذه المقالة قد ركزّت بشكل أساسي على مبادرة هذه الجمعية من دون الإطالة بشأن بقية المبادرات والأنشطة ذات العلاقة بكتمان القيد، على أهميتها وقلتها، فليس لتبخس أحدا حقه، بل للإضاءة على مبادرة تعدّ الأكثر شمولية في إطار انعدام الجنسية وتستهدفه بحد ذاته كقضية. وقد حاولنا في سياق هذه المقالة تبيان وجود تكامل طبيعي بين كافة المبادرات، التي تهدف كلها إلى المساهمة في دعم الدولة اللبنانية في وضع سياسات وآليات للوقاية والحد من انعدام الجنسية. 

باحثتان في جمعية رواد فرونتيرز

نشر في الملحق الخاص بعديمي الجنسية في المنطقة العربية

[2] غيدة فرنجية، من هم عديمو الجنسية في لبنان؟ ضحايا تتكاثر بالوراثة في ظل لا مبالاة الدولة، منشور في العدد الخاص عن عديمي الجنسية، المفكرة- لبنان، كانون الأول/ ديسمبر 2015.