في الآونة الأخير في دول الخليج خصوصا بعد انتفاضات الربيع العربي التي امتدت من المغرب العربي حتى المشرق ، تأثرت المجتمعات الخليجية بما حصل ولازال يحصل من حراك مُجتمعي يُطالب بالحرية و الديمقراطية. وظهر على أثرها الكثير من الحركات الشبابية والسياسية وسواء في انتفاضة الرابع عشر من فبراير 2011 البحرينية أو الحركات الشبابية التي عمت الساحة الكويتية أو حتى تظاهرات الكرة الأرضية في ولاية صحار في سلطنة عُمان التي كانت أشدها ، و أيضا الوثيقة السياسية التي وقعها العديد من النشطاء في دولة الإمارات العربية المتحدة التي طالب بها الموقعون ببرلمان حر يُنتخب من الشعب مباشرة بالإضافة إلى دستور عصري يمثل تطلعات الشعب بالمشاركة برسم مستقبله وبالسلطة والثروة المُحتكرة من قبل الأسر الحاكمة في دول الخليج.

قد يعتقد البعض بأن المجتمعات الخليجية مجتمعات خاملة غير متحركة ومُترفة. بالمقابل، يبقى محجوباً أو منسيا إلى حد بعيد الوجه الآخر لدول الخليج التي يرزح بسجونها وفقاً لبعض الإحصائيات التي نشرتها بعض المؤسسات الحقوقية الخليجية حوالي أربعين الف مُعتقل رأي وضمير ومن أشهرهم رائف بدوي والدكتور عبدالله الحامد في المملكة العربية السعودية وفي مملكة البحرين الشيخ علي سلمان وإبراهيم شريف وفي دولة الإمارات العربية المتحدة الدكتور محمد الركن وفي سلطنة عُمان الدكتور طالب المعمري وفي دولة الكويت النائب السابق مسلم البراك وقد يستغرب البعض بشأن دولة قطر التي حسب المعلومات المتوفرة بها مُعتقل رأي واحد وهو الشاعر محمد الذيب الذي تم الحكم عليه بالسجن بسبب قصيدة. وبطبيعة الحال هذه عينات ونماذج من المعتقلين في مختلف دول الخليج التي تعاني اليوم من ضغوطات هائلة سواء داخلية أو خارجية.

استخدام سياسة سحب الجنسية في دول الخليج

مُنذُ منتصف القرن الماضي ودول الخليج تتحول تدريجياً من حكم القبيلة ورئيس العشيرة إلى شكل الدولة المدنية الحديثة. وبهذه المرحلة، كانت الأوضاع الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط لا تقل عمّا هو حاصل اليوم من تغيرات وتطورات وإن اختلفت بعض الشيء بمعطياتها.

وكان من الطبيعي أن تتأثر شعوب الخليج بما يُحيط بها من أحداث. فبدأت بالتحول من دول مشيخة إلى دول مدنية بعد انسحاب القوى الأجنبية منها وكان لابد لها من تحصين نفسها والدخول لهيئة الأمم المتحدة لتثبت نفسها كدولة.

ومع اشتداد المواجهات بين الحكومة والنشطاء المطالبين بمزيد من الحريات وتصاعد المطالب لمستويات غاية بالأهمية ومنها أن تدار الدولة وفق منطق مخرجات الانتخابات البرلمانية في اتجاه تأسيس مملكة دستورية، اعتمدت بعض الأسر الحاكمة الخليجية أساليب عنفية لمواجهة ما رأته خطراً على استمرار حكمها. ومن أبرز التدابير القمعية المعتمدة، سياسة سحب الجنسية أي تجريد المواطن من هويته الوطنية وتاليا حرمانه من كمّ كبير من الحقوق الاجتماعية التي تؤمنها الدولة لمواطنيها كالتعليم والصحة والسكن والعمل من دون أن يكون مسموحاً له العمل. وما ينطبق على الكويت ينطبق على البحرين التي توسعت بهذه السياسة بشكل مبالغ به وصل عدد من تم تجريدهم من الهوية الوطنية الجنسية إلى قرابة 180 ناشطاً سياسياً والإمارات العربية المتحدة إلى قرابة 200 ناشطاً. ويذكر أن قطر كانت جردت الآلاف من مواطنيها من قبيلة بن مرة من جنسيتها قبل عدة سنوات ولكنها عادت وأعادتها لهم بعدما عدلوا أوضاعهم على اعتبار أنهم يحملون الجنسية السعودية وقد حصل ذلك لأمر سيادي وليس لأمر سياسي. وفي الكويت، تم سحب الجنسية من ثمانية نشطاء سياسيين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. ولم يقتصر سحب الجنسية على هؤلاء بل تم تجريد عائلات بعضهم بالكامل من هويتها الوطنية فوصل عدد المسحوب جنسياتهم إلى سبعة وخمسين شخصاً. وفي السعودية، لم يتم رصد سحب الجنسية إلا لأسامة بن لادن ولكن ما تتخذه السعودية من إجراءات هي الأحكام القضائية ذات المدة الطويلة ومدد مماثلة من سحب جوازات السفر. أما سلطنة عُمان فقد تضمن قانون الجنسية الجديد عقوبة تسقط الجنسية العمانية عن المعتنقين لأفكار مضرة والمحكومين في قضايا تمس أمن الدولة. وهنا يتضح بما لا يدع مجالا للشك مدى الترابط بين اجراءات سحب الجنسية في هذه الدول والحراك السياسي الحاصل فيها.

بالإضافة لتلك السياسة أي سياسة تجريد المواطنين من هويتهم الوطنية، اتبعت دول الخليج سياسة مُحاصرة النشطاء ومنعهم من التنقل بين دول الخليج. كما أن الأجهزة الأمنية تتبادل قوائم الممنوعين من التنقل بين دول الخليجي وتُحدث باستمرار. لذلك، تم توثيق الكثير من حالات المنع من التنقل بين دول الخليج.

أن تلك السياسة، أي سياسة تجريد المواطنين من هويتهم الوطنية بالإضافة إلى سياسة القبضة الأمنية القاسية وسياسة شراء الولاءات بالأموال المباشرة أو عبر مشاريع وهمية أدت بالضرورة إلى تقويض وعلى الأقل إضعاف كل أنواع الحراك المُطالب بالمزيد من الحرية والمشاركة بالسلطة والثروة.