يفتح الطعن المقدم امام المجلس الدستوري، على قانون إستعادة الجنسية اللبنانية رقم 41/2015، الأبواب واسعة أمام هذه المرجعية لإتخاذ قرار تاريخي في إحدى المسائل الحقوقية الحيوية، وهي تحديدا عدم جواز التمييز ضد المرأة في قضايا الجنسية. وفي هذا الإطار، أعدت جمعيتا "المفكرة القانونية" و"مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي" مذكرة لانتباه المجلس الدستوري طالبةً ضمها الى الطعن. وتاريخية القرار المرتجى من قبل الدستوري، وفقاً للمذكرة "ليس فقط في تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين، إنما أيضاً في تكريس علوية الضوابط الدستورية وفي مقدمتها عدم التمييز على المصالح السياسية". والحال أن أول ما يتيحه هذا الطعن، وهو تحديداً جل ما تحتاجه القضايا الحقوقية في لبنان، أن ينتقل النقاش حول هذه المسألة "للمرة الأولى من الساحة السياسية بما فيها من تجاذبات فئوية الى القضاء الدستوري بما يمثله من مرجعية حقوقية". بمناسبة تقديم المذكرة دعت حملة جنسيتي حق لي ولأسرتي مع المفكرة القانونية الى وقفة رمزية أمام المجلس الدستوري.


وقفة أمام الدستوري

أمام المجلس الدستوري، ترفع أم لبنانية لأبناء "أجانب" لافتة تدعوه فيها "للمساواة بين الجنسين في نقل الجنسية اللبنانية". والدة أخرى تطالب هذه "المرجعية الحقوقية" أن "تلغي المصالح الفئوية". سيدات أخريات يرفضن تقديم"المصالح السياسية" على "الحقوق الدستورية".
تسخر دانيا فاعور، المتزوجة من أجنبي من الصيغة الطائفية للتعامل مع موضوع الجنسية، فالمسؤولون "لا يهتمون الا بمصالحهم". تسأل فاعور عن حقوق المرأة كجزء من حقوق الطائفة. "أعرف سيدة مسيحية أولادها لم يسجلوا لأن والدهم لم يسجلهم، أين حقوق المرأة المسيحية؟" لا تبدي أبو فاعور ثقةً بما سيتوصل اليه المجلس الدستوري. غير أن أخريات يجدن الثقة ممراً مهماً في هذه اللحظة لتحصيل الحق. تعبر رندة عواضة في هذا الصدد عن "أمل كبير" بالمجلس الدستوري، فهو "الجهة التي تستطيع القول أن هذا حق للمرأة". وهي تتمنى عليه أن "يكون منصفاً، وأن يشعر بالأمهات ويكون عادلاً".

من جهتها تجد المسؤولة القانونية في حملة جنسيتي حق لي ولاسرتي كريما شبو أن "المعركة هي مع القوانين المجحفة بحق المرأة  والتي لم تعدل عبر السنين، والمطالبة والمدافعة بالنسبة الينا لا تتم الا بالطرق الشرعية". من هنا تكتسب الوقفة الرمزية المنظمة أمام المجلس الدستوري أهميتها، بوصفها "منفذاً متاحاً". تضيف شبو أن "أي منفذ متاح ستسلكه الحملة ولو "كان الأمل 1%". هذه الخطوة لم تكن الأولى من جهة الحملة، ولن تكون الأخيرة لا سيما "أن موضوع الجنسية مطروح وأنه تم الأخذ بالتوصية المستعجلة لدراسة مشروع قانون له علاقة بحق المرأة منح الجنسية لأبنائها".


الدستوري أمام إستحقاق "البديهيات"

إختار المجلس الدستوري أن يعلم الجمعيتين أنه لن يتبلغ المذكرة في قلمه "كي لا يفتح الباب لتقديم مذكرات متصلة بهذا الطعن من قبل كل من أراد ذلك". ويتذرع المجلس بعدم وجود نص يسمح له بضم هذه المذكرات الى الملف بهذه الطريقة. والحال أنه لا يوجد أي نص يمنع. بالتالي كان من الممكن للدستوري أن يرتكز الى المبدأ القانوني القائل أن "الإباحة هي الأصل"، فيفتح بابه أمام الفئات الممنوعة من الإدعاء أمامه. غير أنه فضل على ما يبدو البقاء ضمن الدائرة الأصغر على صعيد التواصل المباشر مع المجلس، طالباً من الجمعيتين نشر المذكرة في الإعلام فتصله.

يوضح المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية مدى "أهمية الإستفادة من لحظة تجاذب سياسي حول القانون لنقل النقاش والأضواء إلى قضية إجتماعية أساسية". ويردغ أن "نظرة المجلس الدستوري للمساواة بين الجنسين ستظهر بالضرورة في هذا القرار". فإذا رفض الأخير المساواة "يظهر أنه أداة لإعادة إنتاج القيم التقليدية أو لخدمة مآرب السلطة". أما لو قبل المساواة "فهذا يعني أنه قادر على أداء دور بضبط الآراء المسبقة والغرائز السياسية وإخضاعها للدستور وبالنتيجة على تطوير قيم المجتمع." ما يدعم الموقف في هذه القضية، مدى "البداهة في وجود تمييز على أساس الجنس في القانون". والحال أن الدستوري "لو قبل بالتمييز الوارد في هذا القانون، سيكون قد سار في اتجاه معاكس للتاريخ". ولدى سؤاله اذا كانت الخسارة تؤدي إلى إضعاف القضية لاحقا، يجيب أن نتيجة هذه المعركة هي اما انتصار تاريخي يشكل منعطفا تأسيسيا في قضايا المرأة، أو لا شيء سوى تكرار التمسك بتقاليد الذكورية من إحدى مؤسسات الدولة وهو أمر يدينها لكونها تسير بخلاف التاريخ والمهمة التي أنيطت بها من دون أن يشكل أي تراجع في قضية المرأة في مسألة الجنسية التي ستبقى مفتوحة مهما فعلوا أو حاولوا. والدليل الأكبر هو تغيير التشريع في هذا المجال في دول عدة سنويا.

بالنسبة لصاغية، لا يوجد أي حجة يمكن للمجلس الدستوري أن يستخدمها للإمتناع عن إبطال القانون لما ينطوي عليه من تمييز. ضد النساء. وهذا ما أسهبنا في اثباته في متن المذكرة. وتحصر كل من الفقرة أ وب من القانون حق إسترداد الجنسية بمن أدرج إسمه أو إسم أصوله الذكور في سجلات إحصاء 1921-1924. وتعتبر المذكرة أنه من "البديهي أن هذه البنود تشكل تمييزاً واضحاً وإنتهاكاً لمبدأ المساواة بين المواطنين". وهي بهذا المعنى تتناقض مع الدستور بما ينص عليه من تكريس للحق بالمساواة في مادته السابعة وفي الفقرة ج من مقدمته، بالإضافة الى كل المواثيق الدولية التي يتبناها الدستور وتعتبر جزءاً لا يتجزأ منه والتي تمنع التمييز على أساس الجنس.

تضيف المذكرة أسباب دحض كل الأسباب "القانونية والإستثنائية التي تبرر الخروج عن مبدأ عدم التمييز". ومنها "عدم إستقامة تبرير التمييز بحق المرأة بمنع التوطين" بالنسبة لهذا القانون. فهذه "الحجة لا تصمد أمام الصيغة المقرة في القانون والتي تستثني من "اختار صراحةً أو ضمناً تابعية إحدى الدول التي انفصلت عن السلطنة العثمانية". بمعنى آخر، فالقانون نفسه "يستثني من استرداد الجنسية من إختار أصوله أو أقرباؤه الجنسية الفلسطينية".

وتنتفي أيضاً الأسباب الإستثنائية التي تبرر الخروج عن مبدأ المساواة في هذا القانون. فعلى فرض أن "الخلل الديمغرافي" مبرر محتمل، فإنه يسقط أمام حقيقة أن المغتربين من أصول لبنانية هم من الفئات نفسها بمعزل عما أذا كانت أصولهم نساء أو رجالا.

اللجوء الى المجلس الدستوري بمثل هذه المذكرة إنما هو تأكيد على الإلتزام بإستخدام الأدوات القانونية لإحداث تغيير. ما يحمل بالمقابل القاضي مسؤولية تعزيز ثقة المواطنين باللجوء الى هذه الأداة للمطالبة بحقوقهم. ولم يكن خفياً اليوم أن الأمهات جئن بملء الثقة أن هذه الخطوة تصب في مصلحة حقوقهن وأسرهن، وأن المجلس الدستوري سينصر هذا الحق.