يستند قانون الجنسية في كل بلد إلى السياق المحلي المحدد الذي نشأ في إطاره. تستعرض الفقرات التالية وصفاً لبعض الخصائص الرئيسية لقوانين الجنسية في المنطقة العربية والبيئة التي تُطبّق فيها.

 
العوامل التاريخية والتقليدية المؤثرة على السياسات المتعلقة بالجنسية

كانت هذه المنطقة عموماً موحدة في ظل سلطة واحدة ونظام قانوني واحد. ومع نشأة مفهوم الجنسية وتنامي أهميته في سائر أنحاء العالم كوسيلة لتنظيم انتماء الأشخاص داخل الدولة، اعتمدت الإمبراطورية تنظيماتها وقواعدها الخاصة التي ترعى مسألة الانتماء في قانون الجنسية العثمانية للعام 1869. ومع بدء نفاذ هذا القانون، تمّ الاعتراف بسائر الأشخاص المقيمين على أراضي الإمبراطورية العثمانية كرعايا، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني.[1] وفي وقت لاحق، باتت الجنسية العثمانية تنتقل من الوالدين إلى الطفل أو عبر تقديم طلب للأشخاص المولودين على الأراضي العثمانية بعد بلوغ سن الرشد أو عن طريق التجنيس بعد إقامة لمدة خمس سنوات. كما كان هناك أحكام بشأن التخلي عن الجنسية وفقدانها والحرمان منها – أي سائر عناصر قوانين الجنسية المعاصرة. ومع تفكك الإمبراطورية العثمانية وسقوطها في نهاية المطاف، ظلّ تأثير هذا القانون جلياً في سائر أنحاء الدول المنفصلة عنها. وهو لم يشكّل فقط مخططاً نموذجياً لقوانين الجنسية المعاصرة لهذه الدول، وإنما كان للحيازة السابقة للجنسية العثمانية أهمية كبيرة بالنسبة إلى مسألة الإدراج ضمن مجموعة المواطنين الأصليين لبعض البلدان مثل المملكة العربية السعودية والعراق ومصر.[2]

أما التأثير الرئيسي الثاني على قوانين الجنسية المعاصرة في هذه المنطقة، فقد كان تأثير النظم القانونية الأجنبية التي تسربت إلى أجزاء من المنطقة من خلال مزيج من الاستعمار والوصاية والانتداب. لقد كان هناك جهتان رئيسيتان في هذا المجال: فرنسا وبريطانيا. فقد أمضت كل من الجزائر وموريتانيا والمغرب، على سبيل المثال، فترة من تاريخها تحت الاستعمار الفرنسي. كما أدى الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان إلى إدخال النموذج القانوني الفرنسي إلى هذه الدول. وتجدر الإشارة إلى أن القانون الفرنسي قد شكّل مصدر إلهام مهماً لقانون الجنسية العثمانية الصادر في العام 1869 وأثر بالتالي بشكل غير مباشر على قوانين الجنسية الناشئة في أنحاء أخرى من هذه المنطقة، فضلاً عن أن العديد من العلماء العرب قد تابعوا دراساتهم العليا وحازوا على شهادات الدكتوراه في فرنسا. لهذه الأسباب، نجد في دول المنطقة عموماً تحيّزاً في إسناد عملية اكتساب الجنسية إلى أساس النسب (حق الدم) وإدراج قواعد تقوم على مبدأ حق الأرض "المزدوج". وقد انتشر القانون والفكر القانوني البريطاني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بطريقة مشابهة، لا سيما عبر الاحتلال البريطاني لمصر ونشوء الانتداب البريطاني تحت إشراف عصبة الأمم على العراق وفلسطين وشرق الأردن والحكم الاستعماري في دول الخليج العربي أو الفارسي (بما في ذلك ما يُعرف حالياً بدولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وسلطنة عمان وقطر).
كما تأثرت عملية وضع قوانين الجنسية الحديثة في هذه المنطقة، ومنذ البداية، بعدد من العوامل الخاصة بالمنطقة. وقد تكون أقوى هذه العوامل هي الثقافة أو البنية الاجتماعية العربية والدين.[3] وقد نشأ عن ذلك مزيج من النماذج القانونية. ففي سلطنة عمان على سبيل المثال، يستند النظام القانوني إلى القانون العام العرفي الانجليزي، إلا أن الدستور يحدد أيضاً الشريعة الإسلامية كأساس للتشريع في البلاد. وفي المجتمعات العربية المسلمة، ثمة تركيز قويّ على العلاقات العائلية أو القبلية، فضلاً عن مفهوم اجتماعي وديني ينظر إلى هذه الهياكل على أنها ذكورية وأبوية، مما يبقي على حرمان النساء من حق نقل جنسياتهن إلى عوائلهن في العديد من هذه الدول. ولمفهوم العرب للدولة تأثير على تطبيق قواعد الجنسية في الممارسة العملية، فهو يساهم على سبيل المثال في بعض الممارسات التمييزية ضد الأكراد أو التبو أو المهاجرين الوافدين من بلدان أفريقيا جنوبي الصحراء وأطفالهم. ففي المغرب، على سبيل المثال، حيث يحق للمرأة اليوم منح جنسيتها لأطفالها، تمّت مواجهة مشاكل في تنفيذ هذه الخطوة الإصلاحية المهمة في الحالات التي يكون فيها الأب من بلدان جنوبي الصحراء.[4]

غير أن دور الثقافة والدين والأطر المعيارية الخاصة بالمنطقة قد يكون إيجابياً جداً أيضاً في ما يتعلق بالتمتع بحقوق الجنسية. فالزواج، على سبيل المثال، هو واجب ديني في الإسلام ويساهم في الوفاء بنصف الواجبات الدينية لدى الشخص المسلم. وتبيّن إحدى الدراسات البحثية التي جرت مؤخراً في المنطقة التأثير السلبي لسياسات الجنسية القائمة على النوع الاجتماعي وانعدام الجنسية على القدرة على الزواج وتأسيس عائلة والحفاظ على كيان الأسرة، مشيرة إلى أن تحسين سياسات الجنسية سيؤدي إلى تعزيز أحد الأهداف الأساسية للمجتمع في المنطقة.[5] كما نلفت النظر إلى إدراج الحق في الجنسية في كل من الميثاق العربي لحقوق الإنسان[6] وعهد حقوق الطفل في الإسلام.[7]

 
المواطنون الأصليون

كشرط أساسي لنشوء أي دولة، لا بد من سكان دائمين ولا بد من تحديد هؤلاء السكان تماماً مثلما يتم ترسيم الحدود الإقليمية للدولة. يتم تحديد الأشخاص الذين ينتمون إلى مجموعة المواطنين الأصليين من خلال القواعد الأولية التي تتبعها كل الدول في شؤون الجنسية.

ومن الطرق الشائعة لتحديد مجموعة المواطنين الأصليين لدولة معينة هي تلك التي تقوم على أساس محلّ الإقامة. بناءً عليه، فالأشخاص الذين يقيمون على أراضي الدولة عند دخول أول قانون مستقل للجنسية فيها حيز التنفيذ - أو في أي مرحلة أخرى تعتبر ذات أهمية مفصلية في تشكيل الدولة – هم الذين يحصلون على الجنسية. لكن، في كثير من الحالات، لا تكون "مصادفة" الإقامة في تاريخ معين كافية بحد ذاتها لاكتساب الجنسية. ففي الممارسة العملية، قد يُشترط تسجيل فترة إقامة طويلة. فتشريعات دولة الإمارات العربية المعتمدة بعد الاستقلال عن الحكم البريطاني في العام 1971 تنصّ على أن مجموعة مواطني دولة الإمارات الأصليين ستتألف من العرب المتوطنين في إحدى الإمارات الأعضاء منذ العام 1925 أو ما قبل.[8] وفي سياق مماثل، شكّل القانون اليمني مجموعة المواطنين الأصليين من "المتوطنين في اليمن الذين مضت على إقامتهم العادية فيه خمسون سنة ميلادية على الأقل عند نفاذ هذا القانون".[9] في الواقع، قد يصعب إثبات محل الإقامة في يوم معين أو خلال فترة زمنية معينة، لا سيما إذا لم تكن بعض الأدلة المستندية المطلوبة متاحة بسهولة - أو بشكل متساو لسائر سكان الدولة - خلال الفترة المذكورة. وقد يؤدي ذلك إلى عدم الاعتراف ببعض الأشخاص كمواطنين في إطار تنفيذ القانون.

وتوضح التجربة اللبنانية هذه التحديات إذ أن الإحصاء السكاني غير المكتمل والذي خلّف عدداً كبيراً من الأشخاص من دون تسجيل أو توثيق قد أثّر لاحقاً على تحديد الأشخاص الذين تم الاعتراف بهم على أنهم يستوفون معايير التمتع بالجنسية اللبنانية، وترك بالتالي عدة آلاف من الأشخاص عديمي الجنسية. ومع مرور الوقت، باتت مشكلة انعدام الجنسية هذه مطوّلة وتناقلت من جيل إلى آخر بالنسبة إلى العديد في لبنان.

بالإضافة إلى ذلك، وفي الحالات التي تكون فيها معايير الأهلية للحصول على الجنسية تراكمية، فهي قد تؤدي إلى استبعاد أشخاص وربما التسبب في تحويل أشخاص إلى عديمي الجنسية بسبب عدم استيفائهم الشروط الأخرى على الرغم من كونهم مقيمين في البلاد في التاريخ المحدد. ومن الشروط الشائعة المكمّلة لشرط الإقامة في عدة بلدان في المنطقة الحيازة السابقة للجنسية العثمانية. فكما سبق وأشرنا أعلاه، لقد كان لسقوط الإمبراطورية العثمانية وتفككها تأثير رئيسي في عملية رسم خريطة المنطقة. فعلى سبيل المثال، نصّ قانون الجنسية العراقي الأصلي (الذي يعود إلى العام 1924) في المادة 3 على ما يلي:

"كل من كان في اليوم السادس من آب سنة 1924 من الجنسية العثمانية وساكناً في العراق عادة تزول عنه ‏الجنسية العثمانية ويعد حائزاً الجنسية العراقية ابتداء من التاريخ المذكور."

لقد استند التشريع السعودي بدوره إلى الحاجة إلى تنظيم نشوء الدولة بعد الحكم العثماني إلا أنه اتبع نهجاً أكثر دقة. فهو نص على حكم متعلق باكتساب الجنسية من قبل المواطنين العثمانيين السابقين (سواء كانوا من سكان أراضي المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت أو كانوا في الخارج غير أنهم من "سكان أراضي المملكة العربية السعودية الأصليين")، فضلاً عن اشتراط منح الجنسية "للرعاياالعثمانيين المولودين في أراضي المملكة العربية السعودية أو المقيمين فيها عام ١٣٣٢ هـ ١٩١٤م الذين حافظوا على إقامتهم في تلك الأراضي إلى ٢٢/٣/١٣٤٥ هـ ولم يكتسبوا جنسية أجنبية قبل هذا التاريخ."
 
وفي الكويت، نص قانون الجنسية، الذي سنّ في 1959، على أن"الكويتيون أساساً هم المتوطنون في الكويت قبل سنة 1920، وكانوا محافظين على إقامتهمالعادية فيها إلى يوم نشر هذا القانون." وكما هي الحالفي لبنان (المشار إليها أعلاه)، لقد كان للتأثير العملي – وليس المحتوى الرسمي - لهذا الحكم ارتدادات لا تُنسى حتى الآن في الكويت. فقد عجز العديد من الأشخاص عن إثبات استيفائهم لشرط الإقامة، في حين تخلّف آخرون (وإن كانوا قادرين ربما) عن اتخاذ الخطوات اللازمة لتسجيل أنفسهم لدى السلطات من أجل ضمان الاعتراف بجنسيتهم.[10]. وقد أدى ذلك إلى استبعاد عدد كبير من السكان الذين باتوا يُعرفون منذ ذلك الحين باسم "البدون" وهم لا يزالون يعيشون حالة انعدام الجنسية ويورّثونها إلى الأجيال اللاحقة.

 
بعض الأحداث المحورية الأخرى التي تؤثر على التمتع بالجنسية

على النحو المبيّن في المثال اللبناني، قد يصعب أن لا تسفر عملية تحديد المواطنين الأصليين من قبل الدولة عند نشأتها أو استقلالها عن ترك أي شخص عديم الجنسية، غير أنها خطوة أولية حاسمة لدرء المشاكل في هذا المجال.

ولعلّ أبرز عامل في ما يتعلق بأصول مشاكل الجنسية في المنطقة تمثل في السياسات القائمة على فلسفة العروبة التي تبنتها عدة حكومات في المنطقة، في وقت أو آخر، خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ففي ظل هذه السياسات، تمّ التأكيد (أو إعادة التأكيد) على هوية الدول المعنية بصفتها أمة عربية وبات الأشخاص غير المندرجين ضمن مفهوم السلطات للعروبة عرضة لدرجات متزايدة من التمييز والتهميش. وفي بعض الحالات القصوى، استُخدمت سياسات الجنسية كآلية لاستهداف الجماعات غير العربية وإقصائهم - سياسياً وقانونياً وأحيانا جسدياً - من الدولة. وقد سُجّلت سياسات من هذا القبيل في كل من سوريا والعراق وموريتانيا وليبيا. 

ففي سوريا، تعيّن على الأقلية الكردية التي كان وجودها في البلاد متناقضاً مع عروبة الدولة المزعومة دفع الثمن والخضوع لمجموعة من التدابير القمعية لهويتها العرقية والثقافية. في العام 1962، أدى الإحصاء السكاني الذي جرى خلال يوم واحد وبشكل تعسفي في منطقة غالبية سكانها من الأكراد إلى استبعاد عدد كبير من هذه الفئة وحرمانهم من الجنسية السورية. في العراق، شكّل المرسوم الصادر في العام 1980 (رقم 666) الأساس القانوني الذي أدّت جهود التعريب من خلاله إلى حالة واسعة النطاق من انعدام الجنسية. فقد أدى هذا المرسوم إلى سحب الجنسية من حوالي 300،000 إلى 600،000 كردي وعربي شيعي،[11]

ووقع السكان السود في موريتانيا ضحية تأكيد الدولة على هويتها العربية كرد فعل إزاء الصراع العرقي في نهاية الثمانينيات. أما في ليبيا، في ظل حكم القذافي سابقاً، كان لسياسات التعريب والتطهير العرقي تأثير ضار على سائر الأقليات غير العربية في البلاد. ومن المجموعات التي تأثّرت جرّاء هذه السياسات مجموعة التبو، وهي من قبائل البدو في جنوب الصحراء الكبرى التي لطالما ارتبطت بعلاقات طويلة الأمد مع ليبيا .

أما النوع الثاني من التطورات، أو ربما الأحداث، التي أثرت على عملية التمتع بالجنسية في المنطقة فهو انتقال سيادة الأراضي وأثر ذلك غير المباشر على السكان المعنيين. والمثل الأبرز في هذا الخصوص حالة الفلسطينيين بعد 1948 مع نزوح جماعي للسكان وتنفيذ إسرائيل لسياسة قومية تقوم على استبعاد غير اليهود (الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين). وفي مرحلة لاحقة، أدى فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية إلى مشاكل جديدة من انعدام الجنسية بين الأشخاص الذين هم من أصل فلسطيني وكانوا يتمتعون سابقاً بالجنسية الأردنية.
 

التأثيرات المعاصرة في السياسات المتعلقة بالجنسية

لقد تطرقنا بإسهاب في الأقسام السابقة إلى العوامل التاريخية والثقافية والسياسية التي أثرت على السياسات المتصلة بالجنسية في دول المنطقة. وقبل الشروع في النظر في محتوى هذه السياسات، لا بد من إيراد بعض الملاحظات الإضافية حول السياق المعاصر الذي تُطبق فيه قوانين الجنسية.
أولاً وقبل كل شيء، يمثّل الواقع الديموغرافي للعديد من دول المنطقة تحدياً كبيراً، وذلك خاصة في البلدان التي تستضيف سكاناً فلسطينيين، حيث يؤثر اللجوء الواسع النطاق والطويل الأمد على سياسات الجنسية في الدول المضيفة. فلطالما تمنّعت البلدان المضيفة المختلفة عن منح السكان الفلسطينيين داخل أراضيها فرصة الحصول على الجنسية، وذلك بسبب الآثار الديموغرافية التي قد تنجم عن هذا التدبير - أي التأثير على تركيبة مجموعة المواطنين – فضلاً عن الاعتقاد بأن من شأن ذلك التأثير على القضية الفلسطينية وعلى المطالبة بحق العودة في حال إقامة دولة فلسطينية مكتملة. وقد أثرت هذه المشاعر على سياسات التجنيس وتنفيذها في ما يتعلق بالأشخاص من أصل فلسطيني، فضلاً عن غيرها من المسائل المتصلة بالجنسية، بما في ذلك مسألة حق المرأة المواطنة في منح جنسيتها لأطفالها (إذ أن ذلك قد يؤثر أيضاً على جنسية المواليد من زوج فلسطيني). بناءً عليه، فقد ساهم وجود هذه الأعداد الكبيرة من المجموعات الفلسطينية في تقييد السياسات المتعلقة بالجنسية – وتمّت الإطاحة بسائر المقترحات بشأن اعتماد قواعد أكثر شمولاً باعتبارها غير مرغوبة ولا يمكن الدفاع عنها نظراً إلى الوجود الفلسطيني.[12]

ومن المسائل الديموغرافية الأخرى الخاصة بالمنطقة ظاهرة انخفاض نسبة المواطنين مقابل عدد السكان المقيمين في البلد. ففي العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، يفوق عدد العمال المهاجرين الموجودين في البلد، في أي وقت من الأوقات، عدد مواطني الدولة بدرجات كبيرة. على سبيل المثال، يُقدّر عدد السكان المقيمين حالياً في قطر بحوالي 1.7 مليون نسمة،[13] من بينهم حوالي 225،000 مواطن فعلي فقط،[14] ممّا يعني أن حوالي 87% من السكان ليسوا مواطنين.

ثمة مسألة ديموغرافية أخرى تؤثر على السياسات الحالية المتعلقة بالجنسية في المنطقة وهي مرتبطة بالرغبة في الحفاظ على نوع من التوازن الطائفي – الأمر الذي قد يكون مركباً. وذلك واضح بشكل خاص في لبنان الذي طوّر نظاماً سياسياً معقداً، يقوم على أساس التمثيل النسبي للطوائف المختلفة. ففي ظل هذا النظام، يصبح للديموغرافيا أهمية خاصة وتصبح عملية منح الجنسية جزءاً من لعبة أرقام. فلا يعود بالإمكان فصل مسألة الاعتراف بشخص معين كمواطن عن انتمائه إلى ديانة معينة وعن مدى تأثير ذلك على التوازن الطائفي.

وهذا الرصد الدقيق وطريقة التحكم بالخليط الطائفي من خلال قرارات متصلة بالجنسية هو أيضاً من العوامل المحرّكة وراء السياسة المعتمدة في البحرين.

فضلا عن ذلك، ثمّة اعتبارات اقتصادية معينة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقضايا الديموغرافية وهي تكمن وراء خيارات الدول لشأن شروط اكتساب وفقدان الجنسية. فالجنسية في دول مجلس التعاون الخليجي ذات قيمة بالغة ومحمية بشكل كبير، مع شروط صارمة لا بدّ من استيفائها للتأهل والاستفادة من امتيازاتها. عندما تتعايش مشكلة انعدام الجنسية جنباً إلى جنب مع ثروات المواطنين في الدول الريعية، كما في حالة البدون الكويتيين، يبدو التناقض شديداً في التفاوت الاقتصادي بين أشخاص يواجهون صعوبة في إيجاد فرص العمل أو يعجزون عن التملك أو الاستفادة من القروض وأشخاص يحصلون على مبالغ نقدية منتظمة من عائدات النفط في البلاد، وذلك فقط بحكم جنسيتهم.

في الختام، لا بد من الإشارة إلى أنه لا يمكن لأي نقاش يتناول التأثيرات المعاصرة التي تطال القوانين والسياسات في المنطقة أن يكتمل من دون النظر في آثار الحراك العربي. ففي أوائل الأزمة السورية، مع مشاركة مجتمع عديمي الجنسية بفاعلية في المظاهرات ضد النظام، صدر مرسوم يسمح بتجنيس عدد كبير من الأكراد عديمي الجنسية على أمل درء أي احتجاج آخر من جانب هذه الفئة. وفي الكويت، نزل السكان عديمو الجنسية إلى الشارع، متأثرين بالأحداث الدائرة في مختلف أنحاء المنطقة، وذلك للاحتجاج على أوضاعهم. وعلى الرغم من أن الحاجة لا تزال قائمة للتوصل إلى تحوّل فعلي في السياسة الكويتية، إلا أن الاهتمام بمحنة البدون قد بلغ مستويات جديدة وتمكنت هذه القضية من جذب جهات فاعلة جديدة لمناصرتها[15]

من جهة أخرى، فقد شكلت الثورة العربية أيضاً السياق لتزايد استخدام صلاحيات التجريد من الجنسية لأغراض سياسية، بما في ذلك إسكات المعارضين السياسيين[16]. بالإضافة إلى ذلك، فثمة توتر متزايد في متسلسلة الجنسية متأصل في فكر الثورة العربية نفسه ودعوتها لمشاركة السكان بقدر أكبر من الفاعلية في عملية اتخاذ القرارات السياسية. فمع ترقب العديد من العمليات الانتخابية الجديدة وقيام نظام ديمقراطي أكثر فاعلية، تصبح الجنسية أكثر قيمة وأهمية بوصفها التذكرة للمشاركة في أشكال الحكم خلال فترة ما بعد الثورة. بناءً عليه، فقد نشهد المزيد من التغيرات في السياسات المتعلقة بالجنسية النابعة من الثورة العربية.
 


[1]  قبل هذا القانون، كان للدين دور رئيسي في تحديد وضع الشخص داخل الدولة العثمانية، إذ كان المسلمون (إلى أي عرق انتموا) يتمتعون بموقع متميز في حين كان غير المسلمين يتمتعون بحقوق أقل شأناً. ي. ديفيس، Citizenship and the State. A comparative study of citizenship legislation in Israel, Jordan, Palestine, Syria and Lebanon(المواطنة والدولة. دراسة مقارنة لتشريعات المواطنة في كل من إسرائيل والأردن وفلسطين وسوريا ولبنان)، Garnet Publishing Limited، 1997؛ م. كامبوس، Ottoman Brothers. Muslims, Christians and Jews in Early-Twentieth Century Palestine(الإخوة العثمانيون. المسلمون والمسيحيون واليهود في فلسطين في أوائل القرن العشرين)، مطبعة جامعة ستانفورد، 2011.
[2] ج. بارولين، Citizenship in the Arab World. Kin, Religion and Nation State(المواطنة في العالم العربي. القرابة والدين والدولة القومية)، مطبعة جامعة أمستردام، 2009، من الصفحة 71.
[3] لمناقشة مفصلة لمفهوم المواطنة في الإسلام، يُرجى مراجعة ن. سلام، "The emergence of citizenship in Islamdom" (ظهور المواطنة في العالم الإسلامي) مجلة القانون العربي Arab Law Quarterly، المجلد 12، العدد 2، 1997.
[4] يُرجى مراجعة، على سبيل المثال، نتائج البحث في مفوضية اللاجئين النسائية، Our Motherland, Our Country. Gender Discrimination and Statelessness in the Middle East and North Africa(وطننا، بلدنا. التمييز بين الجنسين وانعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، حزيران/يونيو 2013.
[5] مفوضية اللاجئين النسائية، Our Motherland, Our Country. Gender Discrimination and Statelessness in the Middle East and North Africa(وطننا، بلدنا. التمييز بين الجنسين وانعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، حزيران/يونيو 2013.
[6] المادة 29.
[7] المادة 7.
[8] المادة 2. تجدر الإشارة إلى أنه قد تم تعديل القانون بشأن هذه النقطة بعد سنوات قليلة من اعتماد قانون الجنسية الأصلي لدولة الإمارات العربية المتحدة في العام 1972. وإقرارً بأهمية إدراج سكان البدو الإماراتيين ضمن مجموعة مواطني البلد، تمّ إدخال تعديل طفيف على هذا البند في العام 1975، من خلال تغيير عبارة "الذي حافظ على إقامته" إلى "الذي حافظ على إقامته العادية" وذلك للسماح بشمل نمط الحياة البدوية.
[9] المادة 2.
[10] هيومن رايتس ووتش، The Bedoons of Kuwait: Citizens without Citizenship(بدون الكويت: مواطنون بلا جنسية)، 1995؛ الرابطة الدولية للاجئين ومبادرة العدالة في المجتمع المفتوح، Without Citizenship. Statelessness, discrimination and repression in Kuwait(بلا مواطنة. انعدام الجنسية والتمييز والقمع في الكويت)، 2011؛ هيومن رايتس ووتش، Prisoners of the Past. Kuwaiti Bidun and the Burden of Statelessness(أسرى الماضي. بدون الكويت وعبء انعدام الجنسية)، حزيران/يونيو 2011.
[11] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، The situation of stateless persons in the Middle East and North Africa(وضع الأشخاص عديمي الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، تشرين الأول/أكتوبر 2010، على الرابط: http://www.refworld.org/docid/4cea28072.htmll.
[12] يُرجى، على سبيل المثال، مراجعة Les apatrides, otages de l’équilibre confessional et du dossier palestinien(الأشخاص عديمو الجنسية، رهائن  التوازن الطائفي والملف الفلسطيني)، لوريان لو جور، 8 كانون الأول/ديسمبر 2009 [لبنان].
[13] جهاز الإحصاء القطري، كانون الأول/ديسمبر 2011.
[14] هـ. إيكين، The strange power of Qatar(قوة قطر الغريبة)، 2011.
[15] يُرجى، على سبيل المثال، مراجعة الأنشطة التي يقوم بها مجموعة 29، https://group29q8.org/?p=940.
[16] هذه هي الحال، على سبيل المثال، في البحرين والإمارات العربية المتحدة. يُرجى مراجعة تقرير هيومن رايتس ووتش، Bahrain: Don’t arbitrarily revoke citizenship(البحرين: لا لسحب الجنسيات بصورة تعسفية)، 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، على الرابط: http://www.hrw.org/news/2012/11/08/bahrain-don-t-arbitrarily-revoke-citizenship؛ ز. البرازي، Denationalising Bahrainis, ousting the opposition(تجريد البحرينيين من الجنسية، طرد المعارضة)، 16 تشرين الثاني/نوفمبر، 2012، على الرابط: http://statelessprog.blogspot.nl/2012/11/denationalizing-bahrainis-ousting.html