حين صدور قانون الجنسية اللبناني في 1925، كان الاتّجاه المهيمن عالميّاً هو ربط العائلة بالرجل. فهو الذي يحدّد جنسيتها. أما المرأة التي تتزوج رجلاً من جنسية أخرى، فكانت تفقد في غالبية الدول جنسيتها الأصلية لتكتسب جنسيته. وفي منظومة كهذه، لا يكون مطروحاً أن تنقل المرأة جنسيتها لأولادها المولودين من زوج أجنبي طالما أنها كانت تفقدها عند زواجها منه. في 1960، ونتيجة تطورات دولية ومحلية بما يتّصل بحقوق المرأة، تمّ تعديل القانون ولم تعد المرأة تفقد جنسيتها في حال زواجها من أجنبي. لكن، بالمقابل بقيت مسألة نقل المرأة جنسيّتها لزوجها أو أولادها مغيبة إلى حد كبير، في زمن كانت مجمل الدول العربية تحجب فيه عن المرأة هذا الحقّ.

وفي العقود الأخيرة، شهدت الظروف الإقليمية والدولية والمحلية تحوّلات كبيرة في هذا المجال. فعدا عن أن دولاً عدة عربية وغير عربية باتت اليوم تمنح الأم حق نقل جنسيتها لأولادها (وفي غالبيتها لزوجها) أسوة بالرجل، فإن المرأة عزّزت مكانتها بشكل كبير في المجتمع اللبنانيّ على نحو جعل التمييز المستمر ضدّها في هذا الخصوص فاقعاً. وأسهم في ذلك إطلاق حملتين في لبنان، سعيتا إلى تجميع النساء وأولادهن المعنيين وتعزيز روح التضامن فيما بينهم لتشكيل مجموعة ضغط لتعديل القانون. وقد بدا واضحاً تبعاً لذلك أن تقاليد الذكورية التي صنعت هذا التمييز لم تعد كافية لتشريع استمراره. ولعل خير دليل على ذلك هو الترحيب المجتمعي الواسع الذي لقيه الحكم الصادر عن المحكمة الإبتدائية في المتن برئاسة القاضي جوني قزي في 2009 بإعطاء اللبنانية حقّ منح أولادها القصّر الجنسية اللبنانية تبعاً لوفاة زوجها الأجنبي. إلا أنه سرعان ما بدا أن استمرار هذا التمييز يلقى دعماً قوياً وحاسماً في الوضع الراهن من قوى سياسية وطائفية عدة، وذلك على خلفية النتائج الديمغرافية التي ستنتج عن إلغائه وما لها من تأثيرات على التوازن بين الطوائف. ورغم الوزن السياسي الكبير لهذه القوى، فإن التغيرات الحاصلة تضعها وستضعها بشكل متزايد في موقع دفاعي، بحيث يكون عليها أن تبحث عن أسباب مشروعية جديدة تسمح بإبقاء التمييز، وبعبارة أخرى عن لباس جديد للذكورية الموروثة.

وقبل المضي في ذلك، تجدر الإشارة إلى الرابط القويّ بين هذه المسألة ومسألة انعدام الجنسية. فقد أظهرت دراسة أعدّتها جمعية رواد-فرانتيرز في العام 2012-2013، للملامح القانونية والاجتماعية ولحجم ظاهرة عديمي الجنسية في لبنان "أن 73% من عديمي الجنسية (من أصول غير فلسطينية) مولودون من أم لبنانية،فيما 18% من أمهات عديمات الجنسية و7% من أمهات أجنبيات، الأغلبية الساحقة منهن من سوريا أو من دول تتميز قوانينها بالتمييز الجندري ضد المرأة في منح الجنسية لأولادهن"[1]. وتالياً، "كان من شأن الإعتراف بحقّ المرأة اللبنانية أو المرأة من تابعية الدول المجاورة بمنح الجنسية لأولادها أن يساهم في تقليص هذه الظاهرة بشكل كبير"[2].


إلغاء الإستثناء ليس مسألة حقوقية إنما قرار سياسي

قبل استعراض الحجج التي استندت اليها القوى السياسية للإبقاء على الإستثناء، يقتضي التوقّف عند بعض الإجراءات التي بلغت حدّ القمع[3] إزاء الحكم الصادر عن المحكمة الإبتدائية في المتن بإعطاء أم لبنانية حق منح أولادها القاصرين جنسيتها تبعاً لوفاة زوجها الأجنبي والمشار إليه أعلاه. وأول بوادر القمع في هذا الخصوص، المؤتمر الصحافي الذي عقده أحد النوّاب للطعن برئيس الغرفة الذي اتّهم بحبّ الظهور وبخروجه عن النصّ القانونيّ. وقد ذهبت تصريحات وزير العدل الأسبق ابراهيم نجار في الاتجاه نفسه بحيث اعتبر أن المحكمة أخلت بموجب التحفظ وتغولت على صلاحيات المشرع. ولم يُكتفَ بفسخ الحكم في المرحلة الاستئنافية، إنما تعرّض القاضي لمجموعة من التدابير المتصلة بمساره المهني، بدأت مع ملاحقته مسلكياً على خلفية خطابه بمناسبة تلقيه جائزة حقوق إنسان ومنعه من المشاركة في أي ندوة أو محاضرة، وصولاً إلى نقله إلى مركز قضائي (مستشار لدى محكمة النقض) تنحسر فيه قدرته على إدارة الملفات القضائية والإجتهاد. والعبرة الأساسيّة من كلّ ذلك هو تشبّث السّلطة الحاكمة في ممارسة صلاحيّة حصريّة في تحديد معايير اكتساب الجنسية اللبنانية، وفق مبدأ التوافق، على أساس أن مسألة الجنسية هي مسألة سياسية تحجب أي بعد حقوقي قد يطرأ عليها كمسألة التمييز بين الجنسين. وعليه، يتعيّن على القضاء أن يلتزم بوظيفة تطبيق النصّ الحرفيّ للقانون من دون أيّ توسّع.


رفض التوطين

اللباس الأوّل المقترح للذكوريّة هو رفض التوطين الوارد في مقدمة الدستور. ومفاده أن من شأن إلغاء التمييز أن يؤدي إلى إعطاء الجنسية للأشخاص المولودين من أمّ لبنانية من زوج فلسطيني، وتالياً أن يستخدم كغطاء مستتر (أو حيلة) للتوطين. ويهدف ربط استمرار التمييز في هذا المجال برفض التوطين إلى إعطائه قوة دستورية متساوية لقوة مبدأ المساواة بين اللبنانيين. وقد تم تضمين هذا الاقتراح في مسودة مشروع القانون الذي رفعه وزير الداخلية الأسبق زياد بارود لمجلس الوزراء في أيار 2009. وكان بارود ترك في هذه المسودة لمجلس الوزراء الخيار بين توجهين: فإما أن يقرّ حقّ الأم بإعطاء أولادها جنسيتها من دون أي تمييز عملا بمبدأ المساواة بين المواطنين، وإما أن يقرّ حقّها هذا مع استثناء المتزوجات من رجل ليس لديه جنسية دولة معترف بها عملاً بمبدأ دستوري آخر هو مبدأ رفض التوطين ومنعاً للتحايل[4].

وهذا الاستثناء لا يصمد بالواقع أمام أي تحليل جدّي، ولا سيما عند مقاربة الموضوع من ناحية عديمي الجنسية. فبفعل الاستثناء، نصل إلى نتيجة عبثية مفادها أنّ من له جنسية أجنبية من أبيه، يكسب جنسية ثانية من أمه، ومن لم يكسب أي جنسية من أبيه، يمنع من اكتساب الجنسية من أمه. وبكلمة أخرى، من له يعطى ويزاد، ومن ليس له يُحرم من اكتساب أي شيء. وبالطبع، يصطدم اتّجاه مماثل بمجمل المنظومة الحقوقية الدولية التي تعطي أولوية التجنيس لعديمي الجنسية، بل أيضا مع قانون الجنسية 1925 الذي مكّن الأشخاص المولودين في لبنان من أم لبنانية من اكتساب الجنسية في حال كان والدهم عديم الجنسية عملا بحقّ الأرض.

أما المأخذ الثاني على هذا الاستثناء فهو أنه يكرّس ضمناً التمييز الذكوريّ. فتطبيق رفض التوطين على شخص مولود من أم لبنانية من زوج فلسطيني إنما يعني نسبته بشكل مسبق لأبيه من دون أي اعتبار لجنسية أمه. وهذا ما يتناقض في عمقه مع التوجّه لإلغاء التمييز، حيث يجدر أن يُعدّ أيّ شخص مولود من أبوين من جنسيتين مختلفتين على أن له الأحقية في اكتساب الجنسيتين معاً. ومن هذه الزاوية، يُفترض أن يُعدّ لبنانياً وفلسطينياً في آن، مما ينفي نفياً تامّاً انطباق منع التوطين عليه. والقول بعكس ذلك إنما يعكس انفصاماً بين الاعتراف بحق الأمومة ونكرانه في آن، انفصاماً يؤشّر إلى غشاوة ربما يكون سببها فزاعة التوطين وما تثيره من هواجس.

وفيما انقسم اللبنانيون بين مؤيد لأحد الخيارين المذكورين أعلاه، أنشأ مجلس الوزراء في جلسة 21-3-2012 لجنة وزارية لدرس إمكانية تعديل قانون الجنسية من الناحيتين السياسية والاجتماعية. ويستشفّ من التقرير الذي وضعته هذه اللجنة في 14-12-2012 أن همّها الأساسي انحصر في قياس مفاعيل إلغاء التمييز، ليس فقط من زاوية توطين الفلسطينيين، بل بالدرجة الأولى من زاوية التوازن الديمغرافي بين الطوائف. وقد خلصت اللجنة على ضوء الأرقام التي توصلت إليها إلى إعلان أن لبنان ليس حاضراً لأي تعديل بهذا الشأن، سواء حصل التعديل مع أو من دون أيّ استثناء، مقترحة الاكتفاء بمنح بعض الامتيازات للمولودين من أمهات لبنانيات. وإذ أقر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 17-1-2013 توصيات هذه اللجنة بالكامل، فإنه أعاد بذلك مسألة حق المرأة في نقل جنسيتها إلى الصفر[5]. وتبعاً لذلك، بدا كأنما الهدف من إنشاء هذه اللجنة ومن ثم إثارة الفزاعة الفلسطينية كان في الأساس استيعاب الحراك النسوي الحاصل في هذا الشأن وتحديداً بعد صدور قرار محكمة المتن، حتى إذا استوعبه، انتهى إلى رفس المطلب بالكامل تحت غطاء وعودٌ بمنح امتيازات. وعودٌ لم يتولّد عنها حتى اللحظة أيّ خطوة عملية.


المصلحة العليا بالعيش المشترك:

كما سبق بيانه، شهد التخاطب العام بشأن حق المرأة في نقل جنسيتها إنعطافة مهمّة في أواخر 2012-2013. فلباس الذكوريّة لم يعد رفض التوطين الذي كان مفعوله ينحصر في استثناء المتزوجات من أزواج فلسطينيين أو عديمي جنسية. لكن أصبح هذا اللباس مستمدّا من المخاطر التي قد تنشأ في حال مزيد من الإخلال في التوازن الطائفي، وهي تتمثل في زعزعة التوازنات التي تحكم تقاسم السّلطة في لبنان مع ما قد يستتبع ذلك من إخلال بالسلم الأهلي. ف"مواءمة مقتضيات العيش المشترك والمناصفة والتساوي والفعالية في معرض التمثيل النيابي (المكرسة دستوريا) تصبح أكثر تعذّرا وتعقيدا في ظلّ تفاقم الخلل الديموغرافيّ بين أبناء الشعب اللبنانيّ من المسيحيّين والمسلمين قبل التحرر المأمول من القيد الطائفيّ"، مما يسمح اذا بالشذوذ عن مبدأ المساواة بين الجنسين. ولتدعيم وجهة نظرها، استندت اللجنة صراحةً إلى قرار سابق للمجلس الدستوري صدر في 2001 في إثر الطعن بالقانون الذي حرم الفلسطينيين من التملك العقاري. وقد زعمت بأن هذا القرار "أورد أن مبدأ المساواة الذي يتمتع بالقوة الدستورية لا يعمل به عند وجود أوضاع قانونية مختلفة لا يصحّ معها إعمال المساواة، أو عندما تقضي بذلك مصلحة عليا...". وبذلك أصبح بإمكان أعضاء اللجنة و الحكومة من خلفهم ،تغليب المصلحة الطائفية على المصلحة الحقوقية لمواطنين (مواطنات) يتجاوز عددهم/ن نصف المجتمع اللبنانيوانتهت اللجنة إلى الإعتبار، وبناء على كلما تقدم "أنه من حق الدولة اللبنانية، وفي ضوء مصلحتها العليا، أن تقرر وضع القيود التي تحدد مداها لإكتساب غيراللبنانيين الجنسيةا للبنانية، إذ تمارس في ذلك حقاً سيادياً محفوظاً لها دون سواها على الأرض اللبنانية،
لاسيما إذا كان اكتساب الجنسية يتعارض مع مبدأ رفض التوطين (زواج اللبنانية من فلسطيني) أو يخلّ بصورة فاضحة بالتوازن الديموغرافي أويزيده تفاقماً...[1]".

والواقع أن هذه الحجة انبنت على تحوير للقرار الدستوري الصادر في 2001 وتغييب للمراجع التي استند إليها و أهمها إجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي في هذا المجال[2]. فوفق هذا الاجتهاد، ثمّة مجالات لا يجوز استخدام المصلحة العليا لتبرير التمييز على أساس "الجنس أو الأصل أو العرق أو الدين أو المعتقدات"[3]، طالما أن هكذا تمييز يتعارض بطبيعته مع مفهوم المصلحة العامة ومن باب أولى مع المصلحة العليا. "فالتمييز ضد أي من المواطنين على هذه الأسس (كما ذهبت إليه اللجنة الوزارية) يعني أن بإمكان فئات من المواطنين أن يحددوا المصلحة العليا وفق ما يرونه مناسبا على حساب فئات أخرى. بمنطق كهذا، تصبح المصلحة العليا بالضرورة مرادفا لمصالح فئوية"[4].
وقد لقي هذا الملف مؤخّراً تطوّراً جديداً تبعاً لإقرار قانون استعادة الجنسية من لبنانيّي الأصل في تشرين الثاني 2015 حيث عاد المشرع واعتمد تمييزاً مبنياً على أساس الجنس. وإذ طعن نواب اللقاء الديمقراطي ببعض بنود هذا القانون (إستثناء لبنانيي الأصل الحائزين على جنسية دولة منفصلة عن السلطنة العثمانية)، فإن المجلس الدستوري سيكون مدعوّاً لمراجعة دستورية القانون الجديد من زاوية التمييز على أساس الجنس. فهل يعتمد أحد ألبسة الذكورية المنصوص عليها أعلاه نزولا عند مقتضيات النظام السياسيّ أم ينتصر لحقوق النساء ومعها حقوق أبنائهن والغالبية الساحقة من عديمي الجنسية؟

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا


[1] عن كل هذه الأمور، يراجع سعدى علوه، سادية جديدة باسم المصلحة العليا: "الدولة الذكورية" تدفن حق المرأة بمنح جنسيتها لأولادها نهائيا، موقع المفكرة القانونية، 15-1-2013.
[2] لمى كرامة، كيف سمحت المصلحة العليا بتمييز نصف المجتمع عن نصفه الآخر؟ المفكرة القانونية-لبنان، آذار 2013.
[3]Décision n°99-412 DC, 15 Juin 1999
 
[4] لمى كرامة، مذكور أعلاه.