في العام 2012-2013، قامت جمعية رُوّاد فرونتيرز بدراسة للملامح القانونية والاجتماعية ولحجم ظاهرة عديمي الجنسية في لبنان (غير منشورة).  ونبرز هنا أهم نتائجها مع وجوب أن يراعى فيها موضوع هامش الخطأ في مدى تمثيل العينة لواقع عديمي الجنسية (المحرر).
 

المنهجية العامة

من المعروف أن لبنان يفتقد - منذ آخر مسح إحصائي للسكان المقيمين جرى تنفيذه عام 1932 - الى قاعدة شاملة وموثوقة للبيانات الإحصائية  السكانية. وإرتباطا بهذه الفجوات الإحصائية السكانية الفاقعة على المستوى الوطني اللبناني عموما، فانه من الطبيعي أن يكون الخلل والنقص الإحصائيان أكبر بكثير، عندما يتعلق الأمر بتوفر معطيات موثوقة ووافية وحديثة حول حجم ومكونات ظاهرة عديمي الجنسية في لبنان. ففي الواقع ليس ثمة وجود لقواعد إحصائية رسمية حول هذه الظاهرة تتضمن أسماء وعناوين فئات عديمي الجنسية وأماكن تموضعهم وإنتشارهم الجغرافي.

وعليه، استندت هذه الدراسة - التي تتداخل فيها مقاربات كمية ونوعية – على بناء عينة عشوائية (random sampling)من عديمي الجنسية، بالإضافة الى مراجعة الأدبيات المتعلقة بانعدام الجنسية  وعلى مقابلات معمّقة مع الفعاليات المعنية (29 مقابلة). وقد امتد العمل الميداني طيلة ثلاثة أشهر ونصف (منذ اوائل تشرين الاول 2012 الى منتصف كانون الثاني 2013) وشمل محافظات لبنان الست، بنسب راعت بصورة عامة واقع انتشار هذه الظاهرة وتوزعها على تلك المحافظات. كما شمل كافة الاقضية الـ 26 وما يتجاوز نصف إجمالي عدد المناطق العقارية التي تتضمنها الأراضي اللبنانية. وقد أجريت مقابلات مباشرة مع عديمي الجنسية (وجهاً لوجه)، وتألفت الاستمارة من قسمين: القسم الأول يشمل البيانات الشخصية الأساسية عن كل فرد من أفراد الأسرة المقيمين في المسكن بصورة دائمة ويقوم بالإجابة على هذا القسم رب الأسرة، بينما يتضمن القسم الثاني أسئلة تفصيلية مخصصة لأحد أفرد الأسرة من عديمي الجنسية، الذي تم انتقاؤه بشكل عشوائي، بين سائر أفراد الأسرة عديمي الجنسية.

 
العينة المدروسة: 938 أسرة و3,031عديم الجنسية

بلغ عدد الأسر المشمولة بالعينة 938 أسرة (تتضمن على الاقل شخصاً عديم الجنسية) تتكون من 4,729 فرد مقيمين بشكل دائم. وبلغ مجموع عديمي الجنسية ضمن هذه الأسر3,031 فردا (64%)، مقابل 1,698 فردا (36%) يحملون جنسية ما (لبنانية و/أو اجنبية). ومن النافل القول أن هؤلاء  غير مشمولين بالتحليل في هذا التقرير. ويشار هناإلى أن الأسر عديمة الجنسية بالكامل ليست شائعة بشكل واسع في لبنان، حيث تكثر ظاهرة التزاوج بين عديمي الجنسية وأفراد لديهم جنسية معينة، إلا إن حالات انعدام الجنسية ضمن الأسر تطال بالعادة نسبة مرتفعة من أفرادها قد تصل الى كافة أفراد الأسرة. ويستفاد من النتائج عموما أن العوامل الأكثر تفسيرا لوجود حائزين على جنسية في الأسر المشمولة بالعينة هي التالية: الزواج المختلط بين عديم الجنسية وشخص يحمل جنسية، عدم انسحاب عملية التجنس او اجراءات اكتساب جنسية على كامل أفراد الاسرة لأسباب شتى، ووجود زيجات وولادات غير مسجلة حالت دون اكتساب الجنسية من قبل باقي أفراد الأسرة.

فيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي للعينة، تبين أن ظاهرة انعدام الجنسية متواجدة في كل هذه المحافظات، انما بنسب متفاوتة. وقد بدت الظاهرة أكثر تركزا في محافظة البقاع (33%)، تليها بفارق طفيف محافظة الشمال (30%)، ثم محافظة الجنوب (13%) ومحافظة جبل لبنان (11%) ومحافظة النبطية (7%). وسجلت محافظة بيروت النسبة الأدنى للأسر التي تمت مقابلتها، وكذلك النسبة الأدنى لإجمالي عديمي الجنسية ضمن الأسر المشمولة في العينة (6% فقط). أما التوزع الجندري للعينة فيميل بشكل طفيف لصالح الذكور (54%) في مقابل الإناث (46%) وقد تكون العلاقات التقليدية الأبوية السائدة، والاتجاه نحو حصر متابعة الشؤون القانونية للأسرة بالذكور البالغين، قد ساهمت في ارتفاع نسبة المجيبين الذكور.


أسباب انعدام الجنسية والحلول الممكنة:

أظهرت نتائج الدراسة أن انعدام الجنسية في لبنان يعود الى نوعين رئيسيين من الأسباب:

·        أسباب تاريخية: (58%) وهي فئة المولودين من أب عديم الجنسية. و انعدام جنسية الأب  تعود عموماً لعوامل متصلة بتفكك السلطنة العثمانية ونشأة الدول الجديدة في المنطقة وجنسياتها والقوانين التي ترعاها وتنظم اكتسابها الحكمي واثباتها عام 1924. كما أنها تعود للنزوح القسري من البلدان المجاورة التي كانت تحت السلطنة العثمانية قبل انهيارها قبل وبعد 1924. ونتيجة لهذه العوامل، لم يقدم معظم هؤلاء على التسجيل في الإحصاء في لبنان أو في بلد الأصل. كما فقد بعضهم جنسية بلد الأصل إما بسبب زواله (فلسطين) أو بسبب تجريدهم منها (لاجئون).

وإلى جانب الأصول اللبنانية لغالبية الأشخاص من هذه الفئة، لجمعيهم روابط مؤكدة بلبنان كالولادة والإقامة المستمرة في لبنان أو رابطة الدم لجهة الأم أو رابطة التزاوج. فمعظم هؤلاء مندمجون في المجتمع اللبناني ويعتبرون أن لبنان هو بلدهم الوحيد والأصل. ومن الممكن تالياً أن يُبنى على هذه الروابط في إطار العمل لوضع السياسات الرسمية الرامية إلى معالجة هذه الظاهرة ووضع حد لانعدام جنسية هؤلاء الأشخاص.
 
·        عديمو الجنسية لأسباب إدارية: (42%) وهي فئة المولودين من أب أو جدّ يحمل جنسية أو من أب مجهول الهوية. ويعود إنعدام الجنسية في هذه الحالات لأسباب عديدة ذات طابع إداري/إجتماعي منها الإهمال في تسجيل الولادات أو الزواج والذي قد ينتج عن الجهل بأهمية هذا التسجيل، أو الرغبة في عدم الإعلان عن تعدد الزوجات أو الزيجات المختلطة بين الطوائف، أو العوائق في الوصول الى الإجراءات الرسمية المتعلقة بتسجيل الزواج و/أو الولادة .

وميزة هؤلاءأنّهم يستحقون اكتساب جنسية آبائهم بالولادة في المبدأ. إلا أنهم لم يكتسبوها نتيجة عدم قيدهم في سجلات النفوس وذلك لأسباب تقنية مرتبطة بآليات تطبيق أحكام كل من قوانين الجنسية وقيد وثائق الأحوال الشخصية التي تجعل تسجيل الولادة شرطاً لاكتساب الجنسية عمليا. ويضاف إليهم نسبة ضئيلة من أب مجهول، بحيث يستحقون اكتساب الجنسية اللبنانية في حال كانت أمهم لبنانية أو برابطة الأرض في حال لم تكن الأم لبنانية وثبت عدم اكتسابهم أية جنسية أخرى بالولادة. وبالتالي من الممكن اعتماد سياسية وطنية لتسهيل الإجراءات الإدارية المتعلقة بتسجيل الزواج والولادة من أجل تقليص أعداد عديمي الجنسية في لبنان.

 
أبرز خصائص عديمي الجنسية:

أبرزت الدراسة الخصائص التالية بالنسبة ل 3,031 عديمي الجنسية الذين تم تعدادهم:

·        الفئات العمرية: أكثر من النصف قاصرين: أكثر من نصف إجمالي عديمي الجنسية الذين تم تعدادهم ضمن العينة (53%) هم دون الـ 18 سنة، وهي نسبة تتجاوز بشكل واضح حصة هذه الفئة العمرية الى مجموع السكان في لبنان، وأكثر من الثلث (36%) هم ما بين الـ 18 و39 سنة. و11% ينتمون الى الفئات العمرية من 39 سنة وما فوق. وتبين هذه النتائج فتوة عديمي الجنسية في لبنان وتوارثهم انعدام الجنسية، كما تؤشر إلى احتمال ارتفاع أعدادهم عبر الأجيال بمعدلات متزايدة. كما تظهر هذه النتائج أن النسبة الأكبر من عديمي الجنسية وُلدوا بعد مرسوم التجنس الذي صدر في العام 1994، أي أن ظاهرة انعدام الجنسية ما زالت تتفاقم منذ ذلك الوقت.
 
·        جنسية الأم: الأغلبية من أم لبنانية: أظهرت الدراسة أن 73% من عديمي الجنسية مولودون من أم لبنانية،فيما 18% من أمهات عديمات الجنسية و7% من أمهات أجنبيات، الأغلبية الساحقة منهن من سوريا ومن دول تتميز قوانينها بالتمييز الجندري ضد المرأة في منح الجنسية لأولادهن شأنها بذلك شأن القانون اللبناني. وبالتالي، من شأن الاعتراف بحق المرأة اللبنانية أو المرأة من تابعية الدول المجاورة بمنح الجنسية لأولادها أن يساهم في تقليص هذه الظاهرة بشكل كبير.
 
·        جنسية الأب: أكثر من النصف من أب لبناني:تبين أن أكثر من نصف عديمي الجنسية (51%) مولودون من آباء لبنانيين فيما أن 40% من الآباء عديمو الجنسية وأكثر من 7% من الآباء أجانب وهم في الغالب من دول المنطقة، وغالبيتهم من سوريا. علما أن هؤلاء الآباء لم ينقلوا في غالب الحالات جنسيتهم الأجنبية لأولادهم بسبب اهمال تسجيل الولادة في بلد الأصل.
 
·        جنسية الأزواج: الأغلبية متزوجون من لبنانيين: تبين أنه من بين المتزوجين والذين سبق لهم أن تزوجوا، فإن ثلاثة أرباع منهم (74%) متزوجون أو تزوجوا من لبنانيين.وينقسم هؤلاء بنسبة 52% لعديمي الجنسية الذكور المتزوجين من نساء لبنانيات، مقابل 48% للإناث عديمات الجنسية المتزوجات من رجال لبنانيين. وهنا أيضا يتبين أنه من شأن الاعتراف بحق المرأة اللبنانية بمنح الجنسية لزوجها أن يقلص من أعداد عديمي الجنسية بشكل كبير.