لم يعد خافيا التغيّر الجذري الحاصل في المزاج السياسي التونسي. واذ يعزو البعض تغير هذا المزاج لفشل القوى الثورية في الحكم، يرده البعض الآخر الى نجاح الثورة المضادة في الالتفاف على الثورة. وهذا ما تجلّى في نتائج إنتخابات أعضاء مجلس نواب الشعب التي تمّت بتاريخ 26-10-2015. فقد كشفت هذه الانتخابات عن تراجع سحر خطاب المراجعات الجذرية الذي كان يطغو خلال الفترة الانتقالية لدى الناخب التونسي لفائدة جاذبية خطاب اصلاحي اكثر رغبة في البحث عن حلول وسطية مع المنظومة القديمة الغاية منها تحقيق نجاحات اقتصادية.

إنقلاب المزاج السياسي وما أعقبه من تغيير في منظومة الحكم السياسيّ أدى الى تراجع الإهتمام بالإصلاح السياسي والتشريعي لفائدة وعود إصلاح إقتصادي تسمح بالخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعمقت بعد الثورة. ومن أهمّ وصفات العلاج هذه مصالحات مع من كانوا يعدّون أعداء الثورة. وقد أدى تطوّر الظاهرة الارهابية وانتقالها السريع الى المرافق الاقتصادية الحيوية سنة 2015 الى تقوية جبهة من يرفعون شعار تأجيل فتح ورش الإصلاح الكبرى لما بعد حماية الدولة من خطر الانهيار الذي يهدد به الإرهابيون.

وقد أدى إجتماع الأزمة الإقتصادية مع الخطر الأمنيّ الى تعزيز المخاوف إزاء المستقبل والحنين الى الماضي الذي بات يوصف بالآمن والمزدهر بعدما كان يعدّ استبدادياً وفاسداً. فلم يعد تنزيل الدستور أولوية ولم تعد ملاءمة التشريعات مع مبادئ منظومة حقوق الإنسان الكونية غاية. وفي مقابل ذلك، توجه الجهد لدقّ طبول الحرب على الإرهاب وإعداد العدّة لها. فبات إصدار قانون مكافحة الإرهاب أولوية وحماية الأمنيين من الإعتداءات غاية وتم التراجع عن فكرة اصلاح المنظومة الجزائية وتطوير الحق في المحاكمة العادلة، لصالح أصول أكثر زجراً.

هل هي لحظة إنكسار لخطاب الإصلاح تعلن نهاية فكرة الثورة التي تقدس حقوق الانسان؟ أم هي ردّة فعل طبيعية على تحديات كبيرة تعصف بالمنطقة برمتها، ستأخذ حيزها الزمني لتمضي خصوصاً وأن المجتمع التونسي تطور ديموقراطياً وبات اكثر منعة إزاء التوجهات الاستبدادية؟ سؤال لا ندعي القدرة على تقديم إجابة له. ولعلّ خير جواب عليه هو في إبقاء الحسّ النقديّ اليقظ في أعلى مستوياته، لرصد أي تراجع وفهمه على حقيقته وفي مجمل أبعاده أو التحذير من أي منزلق. وهذا ما حاولنا الإضاءة عليه.

نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس