في أيار الماضي، عطّل وزير العدل مشروع المناقلات القضائية الجزئية الذي أودعه إياه مجلس القضاء الأعلى بداية شهر أيار الفائت، والذي رمى بالدرجة الأولى الى تعيين خرّيجي معهد الدروس القضائية في مناصب قضائية. وعدا عن أن هذا التعطيل حاصل خلافا للأصول القانونية المحددة في قانون تنظيم القضاء العدلي، فإن أخطر ما فيه أنه يكرّس ممارسة خطيرة تفاقمت بشكل خاص بعد العام 2005، وقوامها التأخّر الكبير وغير المبرر في تعيين القضاة خريجي معهد الدروس القضائية في مناصب قضائية، مع ما يحمل ذلك من هدر للطاقات القضائية والمالية ومخاطر على حسن سير العدالة. وللأسف، تنشأ هذه الممارسة في وقت يعلن فيه الجميع تبرّمه من التأخر في بت الملفات القضائية. وهذا ما كنا أشرنا اليه في عددنا السابق (العدد 29). ونحن نسعى هنا الى اثبات هذه الممارسة بالأرقام من خلال توثيق فترات الانتظار لدفعات خريجي المعهد المتلاحقة، منذ 1990. وهذا ما أمكن توثيقه من خلال احتساب الفترات الفاصلة بين مرسوم تعيين القضاة خريجي المعهد كقضاة أصيلين ومرسوم تشكيلهم في مناصب قضائية (مرسوم المناقلات القضائية). ويهمنا التوضيح أنه في حالات كثيرة، تكون فترات الإنتظار الفعلية لخرّيجي المعهد أطول من الفترات الفاصلة بين هذه المراسيم، على اعتبار أن ثمة استحقاقات (وفترات) أخرى تفصل بين التخرج الفعلي لهؤلاء وصدور مراسيم التعيين. فبعد تخرجهم، يتعين بداية أن يبادر مجلس القضاء الأعلى الى اعلان أهليتهم ومن ثم أن يتم توقيع مراسيم تعيين هؤلاء قضاة أصيلين من رئيسي الجمهورية والحكومة ووزيري العدل والمالية. وبالطبع، كلا من هذين الاستحقاقين قد يرتب فترات انتظار أطول.

الفترة الممتدة من 1990-2005 
ل
دى احتساب الفترات الفاصلة بين صدور مراسيم تعيين خريجي المعهد ومراسيم تشكيلهم، نلحظ أنها كانت لا تتعدى الأيام بين 1990-1996، وأنها بدأت تطول ابتداءً من عام 1997 حتى 2005.

وعليه، انتظر 18 قاضياً عينّوا في 6/2/1997 80 يوماً من تاريخ تعيينهم قبل أن يتم تشكيلهم بموجب مرسوم مناقلات جزئية[1] (وقد طال ذلك المرسوم 85 مركزاً). وانتظر 24 قاضياً عيّنوا في 16/3/1999 50 يوماً قبل أن يتم تشكيلهم[2] (وقد طال مرسوم تشكيلهم 58 مركزاً قضائياً). كذلك انتظر 22 قاضياً عينوا في 17/7/2002 55 يوماً قبل صدور مرسوم التشكيلات والمناقلات القضائية الشاملة[3]. وتقلّصت هذه الفترة الى شهر وأسبوع بالنسبة الى 21 قاضياً عينوا في 17/9/2003 وتم تشكيلهم بموجب مرسوم التشكيلات والمناقلات الشاملة[4]. في 2004، عادت هذه الفترة لتطول، فانتظر 41 قاضياً تخرجوا في 10/9/2004 شهرين ونصف مرسوم التشكيلات والمناقلات الشاملة.[5]
ا
لفترة الممتدة من 2005-2015


الّا أنّ التدهور الكبير بخصوص فترات الانتظار ظهر ابتداءً من العام 2005، في انعكاس واضح للأزمة السياسية الكبيرة اللاحقة لاغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 شباط 2005. وان دلّ ذلك على أمر، فعلى مدى إرتباط المناقلات القضائية بالتجاذبات السياسية، بحيث حالت هذه التجاذبات دون تشكيل أي من خريجي المعهد في الفترة الممتدة بين 2005 و... 2009. ولم يصدر مرسوم المناقلات القضائية لهؤلاء الاّ في 6/3/2009.

وقد شهدت هذه الفترة تسجيل رقم قياسي لفترة انتظار بلغت ..... ثلاث سنوات و4 أشهر و17 يوماً وذلك بالنسبة الى القضاة المعينين في 17-10-2005. وقد بلغ عدد هؤلاء 28 قاضياً. الى ذلك، تعيّن على القضاة المعينين في 24-11-2007، وعددهم 30 قاضياً، انتظار سنة و3 أشهر وأسبوع. وتعيّن على القضاة المعينين في 28-12-2007، وعددهم 38 قاضياً، أن ينتظروا سنة وشهرين و3 أيام. فيما انتظر القضاة المعينين في 20-9-2008، وعددهم 9 قضاة، 5 أشهر و10 أيام.

واذ توقف تعيين قضاة متدرجين في معهد الدروس القضائية خلال فترة 2005 و2009 وتالياً تخريج أي من القضاة في الفترة الممتدة من تشرين الأول 2008 وتشرين الأول 2012، فقد عادت الممارسة لتظهر مع تخريج القضاة بعد ذلك.

وعليه، تم تعيين 13 قاضياً في 1/11/2012 وقاضٍ في 17/12/2012 و32 قاضياً في 20/12/2013. الا أن جميع هؤلاء لم يتم تشكيلهم الا بموجب مرسوم المناقلات الجزئية الصادر في 23/5/2014. ويعني ذلك أن فترة انتظار هؤلاء بلغت تباعاً بالنسبة إليهم سنة و5 أشهر و22 يوماً، وسنة و5 أشهر و6 أيام، وخمسة أشهر وثلاثة أيام.

ونصل الى الدفعتين الأخيرتين من خرجي المعهد (وعددهم 20)، وهم القضاة موضوع مشروع المناقلات المعطل حالياً. وقد تم تعيينهم على التوالي في 6/11/2014 (قاضيان) وفي 18/12/2014 (18 قاضياً). وحتى الآن، تكون فترة انتظارهم ابتداءً من تعيينهم قد بلغت على التوالي 8 أشهر و7 أشهر.

بنتيجة ذلك، وإذا أهملنا التأخير الحاصل قبل 2005 والذي يمكن وضعه في خانة البيروقراطية الممكن تفهمها، فان فترات الانتظار تلك تكون أدت عملياً الى هدر أشهر عمل قضاة يقارب مجموعها 2730 شهر عمل. واذا اعتبرنا أن بامكان كل قاض أن يحسم 20 دعوى شهريا، فاننا نكون هدرنا امكانية فصل 54600 دعوى، وكل ذلك في دولة تعاني بشكل كبير من التأخير في بت الملفات القضائية.

للإطلاع على الجدول اضغط/ي على الرابط ادناه

نشر في العدد 30 من مجلة المفكرة القانونية


[1]الصادر في 26/4/1997.
[2]الصادر في 7/5/1999.
[3]الصادر في 12/9/2002.
[4]الصادر في 24/10/2003.
[5]الصادر في 26/11/2004.