الذي يراجع القوانين المتصلة بإنشاء القضاء العسكري وبتحديد صلاحياته والتي تعاقبت بعد استقلال 1943، يدرك أنه فيما عدا قانون 1946، فانه شهد على طول تاريخه توسعاً مطرداً لهذه الصلاحيات. ونشهد هذا التوسّع في كلا المعيارين المعتمدين لتحديد صلاحية القضاء العسكري، وهما أولاً، نوع الجريمة أو ظرف موضوعي مرتبط بها (كأن يكون مكان وقوعها ثكنة عسكرية أم أن يكون الشخص الذي وقعت عليه عسكرياً[1]) وهو المعيار المُشار اليه في القوانين بالصلاحية المطلقة أو النوعية، وثانياً صفة مرتكب الجريمة (أي كونه عسكرياً أو من مؤسسة أمنية أخرى)، وهو المعيار المُشار اليه بالصلاحية الشخصية.

بدأ تاريخ القضاء العسكري في لبنان مع القوانين التي وضعتها الإمبراطورية العثمانية من قانون العقوبات العسكري وقوانين انشاء محاكم عسكرية خاصة وقانون حالة الحصار (2 تشرين الأول 1877) الذي حدد بعض صلاحيات المجالس الحربية للنظر في الجنح والجنايات العادية. ومع الانتداب الفرنسي، عُلّقت القوانين العثمانية اذ طُبق على العسكريين اللبنانيين قوانين وأنظمة الجيش الفرنسي الذي التحقوا به، وأُنشئت محاكم عسكرية تعمل بموجب هذه القوانين. وتبقى المعلومات بشأن هذه المحاكم شحيحة. 

بعد الاستقلال، أتى القانون الصادر بتاريخ 12 تشرين الأول سنة 1945 وقضى بإنشاء محكمة عسكرية، ونص في مادته الرابعة على اختصاص المحكمة العسكرية بالجرائم المنصوص عنها في قانون العقوبات العسكرية العثماني (الذي كان سارياً عندها) أو التي تدخل في صلاحية المحكمة بموجب نص خاص، كما وبالجرائم العادية "إذا كان المدعى عليه أو المجني عليه منتسباً لملاك الجيش أو إذا كانت الجريمة تمس بسلامة الجيش أو بمصالحه". فاعتُمد اذاً معياران للصلاحية، أحدهما بالنظر الى نوع الجريمة – ومنها الماسة بمصالح الجيش –، والآخر بالنظر الى صفة المجنى عليه أو المدعى عليه – أي إذا وقعت الجريمة من أو على عسكريٍ –، وكلا المعيارين يفتح الباب لملاحقة شخصٍ مدنيٍ أمام المحكمة العسكرية. الا أن المشروع أعطى وزير الدفاع الوطني في الحالة الثانية، أي بالنظر الى صفة الجاني أو المجنى عليه، صلاحية إحالة القضية إلى المحاكم العادية إذا كان المدعى عليه مدنياً، في اشارةٍ واضحة الى محاولة للتوفيق قدر الامكان بين صلاحية المحكمة ومبدأ القاضي الطبيعي وتقليل الحالات التي يحاكم مدني فيها أمام المحكمة العسكرية. واستُثني اذاً أفراد الدرك والأمن العام من صلاحية المحكمة. كما أعطى القانون في مادته 21 المحكمة صلاحية النظر بالجرائم المتعلقة برجال الجيوش الحليفة ما لم يكن هنالك اتفاق خاص بشأنها[2].

في العام 1946، صُدّق قانون العقوبات العسكرية وألغى معه قانون العقوبات العسكري العثماني وقانون 12 تشرين الأول 1945. واذ صنّف قانون 1946 صلاحية المحكمة العسكرية بين صلاحية أسماها ب"المطلقة" وصلاحية شخصية، فانه شهد سعياً الى تضييق صلاحيتها وحصر ملاحقة المدنيين أمامها في الجرائم العسكرية. وهذا ما نقرؤه في المادة 50 من المحكمة التي عددت الجرائم التي تدخل ضمن صلاحيتها المطلقة وهي الجرائم العسكرية من جنح وجنايات التي نصّ عليها القانون نفسه[3]، وجرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو والجرائم الماسة بالقانون الدوليوجرائم المتعهدين وحمل الأسلحة والذخائر الحربية المنصوص عنها في قانون العقوبات[4]، والجرائم الواقعة في المعسكرات والمؤسسات العسكرية، و"بوجه عام" جميع الجرائم التي تمس مباشرةً بمصالح الجيش. ونسجل هنا أنّ إضافة شرط أن يكون المس بمصالح الجيش مباشراً انما يهدف الى الحد من توسيع صلاحية المحكمة ليطال كل ما قد يتعلق بمصالح الجيش من قريب أو بعيد. وفي الاتجاه نفسه، ذهبت المادة 51، بحيث أكّدت أن الصلاحية الشخصية للمحكمة تقتصر على العسكريين والمتساوين بالعسكريين الموظفين المدنيين في الجيش، "ما داموا في خدمة الجيش"، مهما كان نوع الجريمة التي يرتكبونها، والأسرى، وفاعلي الجريمة والشركاء والمتدخلين في جريمة إذا كانت ملاحقة أحدهم من صلاحية المحكمة. ومن شأن هذه المادة أن تؤدي الى تقليصٍ آخر لصلاحية المحكمة اذ أن الصفة العسكرية للمجنى عليه لم تعد معياراً لربط صلاحية المحكمة ولو جوازاً كما كانت الحال في قانون 1945، فيكون بذلك قانون 1946 قد ألغى امكانية محاكمة المدنيين والدرك في الجرائم غير العسكرية.

وفي العام 1956، أتى قانون إنشاء محكمة تمييز عسكرية مع تعديل بعض مواد قانون العقوبات العسكري ليعيد توسيع صلاحيات المحكمة العسكرية[5]، اذ أضيفت في نطاق الصلاحية المطلقة للمحكمة "الجرائم الواقعة على أفراد الجيش وموظفيه[6]". وبذلك، يكون قانون 1956 قد أعاد تكريس صلاحية المحكمة بالنظر الى صفة المُجنى عليه العسكرية (كقانون 1945) وليس فقط تلك المرتبطة بالجاني، خلافا لقانون عام 1946. وتم توسيع الصلاحية المطلقة للمحكمة أيضا من خلال حذف اشتراط أن يكون المساس بمصالح الجيش "مباشراً" كما كانت الحال في قانون 1946، مما يجعل قاعدة الاختصاص هنا أيضا جدّ فضفاضة. وتجدر الاشارة أخيراً أن قانون 1956 نص على استبدال عبارة «كل عسكري» الواردة في المواد 109 و140 من قانون العقوبات العسكري بعبارة «كل شخص»، موسّعاً اذاً هنا نطاق صلاحية المحكمة بملاحقة مدنيين سنداً لارتكابهم الجرائم المشمولة في هاتين المادتين ومنها الخيانة والتجسس والسرقة والاختلاس والتحقير وأعمال الشدة وانتخال الألبسة والأوسمة... الخ.

وإثر أحداث عامي 1957 و1958، أُقر قانون 11/1/1958 وأتى ليعلّق بعض مواد قانون العقوبات بصورة مؤقتة واستثنائية، ويشدّد العقوبات في الجرائم المنصوص عنها فيها، مُدخلا اياها في  اختصاص المحكمة العسكرية. ونذكر خصوصاً جريمتي "صنع أو اقتناء أو حيازة المواد المتفجرة أو الملتهبة، والمنتجات السامة أو المحرقة أو الأجزاء التي تستعمل في تركيبها أو صنعها" (312 عقوبات – توازيها المادة 5 من قانون 1958) وجريمة الارهاب التي تُعاقب بالاعدام "إذا أفضى (العمل الارهابي) إلى موت إنسان أو هدم بنيان بعضه أو كله وفيه إنسان، أو إذا نتج عنهالتخريب ولو جزئياً في بناية عامة أو مؤسسة صناعية أو سفينة أو منشآت أخرى أو التعطيل في سبل المخابرات والمواصلات والنقل" (315 عقوبات – توازيها المادة 6 من قانون 1958).وهذا القانون الذي أُريد استثنائياً لا يزال ساري المفعول. وهذا ما نقرؤه صراحة في النظام الأساسي الخاص بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي اعتمدته كاحدى "وثائقها الرسمية" واستعانت به لتعريف مفهوم الارهاب ولتحديد عناصره الجرمية، وهو مفهوم لا نجد له تفسيراً في المواثيق والمعاهدات الدولية.

وذهب في الاتجاه نفسه قانون القضاء العسكري رقم 24/68 الصادر في 13 نيسان 1968 والذي ألغى قانون العقوبات العسكري ل1946 وقانون انشاء محكمة التمييز العسكرية لسنة 1956، وهو لا يزال سارياً حتى اليوم. فوسّع مجدداً صلاحيات المحكمة العسكرية، اذ أضيفت[7] الى صلاحيتها النوعية[8]، سلطة الملاحقة ب"الجرائم الواقعة على شخص أحد رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام" و"على الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع الوطني والمحاكم العسكرية أو لدى الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام إذا كان لهذه الجرائم علاقة بالوظيفة"[9]، وليس فقط على عناصر الجيش[10]. كما أضيفت الى "المصالح" التي يؤدي المساس بها الى ربط صلاحية المحكمة العسكرية، تلك المتعلّقة بقوى الأمن الداخلي أو الأمن العام. ويستتبع ذلك توسّعاً في مفهوم "الخصوصية" الذي برّر انشاء المحكمة العسكرية[11] والذي كان مرتبطاً حصراً بالجيش، ليشمل كلّ المؤسّسات الأمنية والعسكرية والعاملين فيها. وفي موازاة ذلك، توسعت الصلاحية الشخصية لتشمل الى جانب العسكريين ومن هم بحكم العسكريين، رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام أياً كان نوع الجريمة المسندة إليهم.

بالمقابل، حصرت صلاحية ملاحقة الموظفين المدنيين لدى وزارة الدفاع الوطني والجيش والمحاكم العسكرية أو قوى الأمن الداخلي أو قوى الأمن العام، في الحالات التي تكون فيها الجريمة ناشئة عن الوظيفة. وأتى المرسوم الاشتراعي رقم 110/77 الصادر في 30 حزيران 1977[12] ليبقي على صلاحية المحاكم العسكرية للنظر في الجرائم الواقعة على رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام والموظفون التابعون لإحدى المؤسستين أو لأمن الدولة أو المرتكبة من أحدهم، ولكن حصرها بتلك المرتكبة أو الواقعة أثناء الوظيفة او بمعرضها[13].

محامية متدرجة حائزة على دكتوراه في القانون الخاص

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

[1]مع العلم أن بعض الفقهاء يُدخل هذا العنصر ضمن الصلاحية الشخصية.
[2]وهي صلاحية قائمة حتى اليوم.
[3]في الفصل الأول من الكتاب الثاني.
[4]التي عدّلت عام 1948 بموجب قانون تعديل بعض مواد قانون العقوبات العسكري لتصبح جريمة " نقل واقتناء الأسلحة والذخائر الحربية المبينة في الجدول الملحق بهذا القانون"، وفي عام 1968 بموجب قانون القضاء العسكري لتصبح "الجرائم المتعلقة بالأسلحة والذخائر الحربية المنصوص عليها في قانون الأسلحة وذلك ضمن الشروط المحددة فيه وفي هذا القانون".
[5]ومن الأمثلة عن هذا التوسّع إضافة الى صلاحيات القاضي المنفرد " في زمن الحرب (...)الجرائم الناجمة عن مخالفات نظام الدفاع السلبي [و] الجنح والمخالفات المنصوص عليها في الفقرتين 1 و2 أعلاه الخارجة عن صلاحية المحاكم العسكرية إذا وقعت في اقليم بحالة الحرب أو في منطقة أعلنت فيها الأحكام العسكرية"..
[6]"وتبقى هذه الصلاحية حتى بعد تسريح المذكورين من الجيش فيما إذا كان الجرم ناتجاً عن أعمال لها صلة بالوظيفة". (مادة 50 فقرة 4).
[7]بموجب المادة 24 فقرة 6، 7 و8.
[8]المُشار اليها بالصلاحية المطلقة في القوانين السابقة.
[9]وتستمر هذه الصلاحية بعد تسريح الأشخاص المذكورين.
[10]وأبقيت أيضاً الصلاحية في الجرائم الواقعة على الجيوش الأجنبية ما لم يكن هنالك اتفاق مخالف.
[11]أنظر الأسباب الموجبة لمشروع قانون تعديل قانون القضاء العسكري المُعدّ من قبل وزارة العدل عام 2014.
[12]المعدّل بالقانون رقم 148/92.
[13]واستثنى القانون من صلاحية المحكمة الجرائم التي يرتكبونها أثناء التحقيقات، بسببها أو بموجبها، أو داخل قاعات المحاكم. وأضيفت صلاحية المحاكم العسكرية للنظر في الجرائم الواقعة على مراكز قوى الأمن الداخلي والأمن العام أو في داخل هذه المراكز (بما فيها السجون).