ردا على المقال المنشور في العدد الثامن والعشرين من مجلة "المفكرة القانونية" تحت عنوان "أتعهد أنه ليس لعاملتي اي علاقة زواج او ارتباط من اي نوع في لبنان" والذي تناول التعميم الصادر بناء على طلب المديرية العامة للامن العام والذي يتعهد بموجبه صاحب العمل بأنه لا يوجد "أي علاقة زواج أو ارتباط من أي نوع كان تربط العامل بأي شخص عربي أو أجنبي مقيم على الأراضي اللبنانية"، وبأنه يلتزم "في حال تبين لاحقاً وجود أي علاقة زواج حصلت بعد دخول العاملة بمراجعة الأمن العام بعد تأمين تذكرة سفر بغية ترحيلها إلى بلدها"، وردنا من المديرية العامة للامن العام الجواب الآتي:

"أن هذا الإجراء الإحترازي لا يهدف الى منع الزواج أو التدخل في الأمور الشخصية للمواطنين والمقيمين من العمال بل الى الحفاظ على ديمومة العائلة كمؤسسة لها دورها في المجتمع والى إحترام متطلبات الإقامة.

كما وأن هذه المديرية لا تعتمد مبدأ عاماً وشاملاً لتنظيم أوضاع العمال الأجانب لا سيما الفئتين الثالثة والرابعة، بحيث أنه في معظم الأحيان لا تسمح أوضاع هؤلاء بتأمين أدنى متطلبات العيش الكريم وأولها المسكن، إضافة الى أن نظام الكفالة المعمول به قد لا يسمح بتكوين عائلة تعيش تحت سقف واحد، إنما يقوم الأمن العام بدراسة كل حالة على حدة لجهة عدم تأثير الروابط العائلية وعلاقة الزواج على نظام العمل المعمول به وعلى نظام الإقامة المحدد بالقانون الذي يرعى عمل الأمن العام".

والمفكرة ترد:
بداية، ترحب "المفكرة القانونية" بإقدام المديرية العامة للأمن العام على توضيح موقفها من التعميم موضوع التبادل الحاصل. الا أنه يتوجب علينا التوقف عند عدد من النقاط التي وردت في الرد:

اولاً، اعتبرت المديرية العامة في ردها ان التدبير لا يهدف الى "منع الزواج أو التدخل في الامور الشخصية" مكتفية بالإشارة الى ما يهدف اليه التعميم وهو وفق ما تدعيه، "الحفاظ على ديمومة العائلة كمؤسسة لها دورها في المجتمع والى احترام متطلبات الاقامة". وهي بذلك، تجنبت تماما مناقشة ما ورد في المقال لجهة تحميل أصحاب العمل عبء التحري عن خصوصيات العاملين والعاملات لديهم خارج دوام العمل، مع ما يستتبع ذلك من استباحة وتسلّط من قبل هؤلاء. وخصوصا أن ما يتطلبه التعميم هو ادلاء هؤلاء بمعلومات ليس فقط عن زواج العاملين والعاملات لديهم بل أيضا عن ارتباط هؤلاء بأي "ارتباط من أي نوع كان". وبالطبع، من شأن هذه الممارسة أن تؤدي الى عكس ما ورد في بيان الأمن العام لجهة حفاظه على ديمومة العائلة: فبموجبه، قد يمنع هؤلاء من تكوين عائلات أو يضطرون الى فكفكتها في حال تأسيسها.  

ثانياً، يسجل الأمن العام في رده اقراراً ثميناً بتعارض نظام الكفالة مع حقوق العاملات والعمال الأساسية، وفي مقدّمها حقهم في تأسيس عائلة. وهذا ما نقرأه بوضوح كلّي في العبارة الآتية: "أن نظام الكفالة المعمول به قد لا يسمح بتكوين عائلة تعيش تحت سقف واحد". ومن يقرأ هذه العبارة، يبقى مشدوهاً للحظات، قد يقرأها مرة ومرارا. فعن أي نظام كفالة تتحدث المديرية العامة للأمن العام في ظل غياب أي سند قانوني لهذا النظام؟ وقد يخيّل عند قراءة هذا الردّ- البيان أن الأمن العام يتحدث عن نظام يتعين عليه التقيّد به، بمعزل عن رأيه فيه. لكن الواقع مخالف لذلك تماما: فنظام الكفالة هو نظام ابتدعه الأمن العام بنفسه من خلال ربط مشروعية الاقامة بالعمل لدى صاحب عمل بعينه وهو نظام عمل هو على تطويره وفق ما يراه ملائما بواسطة سلسلة من التعاميم والتعليمات الداخلية، قد يكون التعميم الأخير أكثرها سوءا وتعرضا للحقوق. وعليه، وبدل أن يشكل هذا النظام حجة للأمن العام لقمع حق العمال والعاملات في تكوين عائلات في لبنان وهو حق أساسي ملزم، فان التذرع به لتبرير ذلك يشكل على العكس من ذلك تماما اقرارا ثمينا، قد يكون الأول من نوعه، بفداحة هذا النظام ومدعاة لوضع حدّ له. ففي حال تعارض أمرين، أحدهما ملزم كحقوق الانسان المكرسة في المواثيق الدولية والآخر غير ملزم كنظام الكفالة، فان المنطق القانوني يتطلب الرجوع عن الثاني. ومن هذه الزاوية، يكون الأمن العام في هذه الحالة مدعوا للرجوع ليس فقط عن هذا التعميم بل عن مجمل التعاميم والمقررات التي مهدت له والتي صنعت نظام الكفالة بما فيه من عيوب. أما أن يرتئي الأمن العام التضحية بالحقوق الأساسية نزولا عند مقتضيات نظام الكفالة، فاننا نكون كمن كذب كذبة وراح يفرضها على الآخرين وكأنها واقع لا مفرّ منه.    

ثالثاً، اقرار آخر يسجل على المديرية العامة للأمن العام، وهو اقرارها بالاستنسابية الحاصلة في تطبيق التعاميم الصادرة عنها. فبالإضافة الى أنّ هذا التعميم تمييزيّ تجاه فئات من العاملات والعمال وهن/م اللواتي والذين ينتمون الى الفئة الثالثة والرابعة، ها هو الأمن العام يعلن نيته باعتماد تمييز جديد على مستوى التطبيق. فالمديرية تؤكد في ردها أنها لا تعتمد "مبدأ عاماً وشاملاً لتنظيم أوضاع العمال الأجانب" وأنها تقوم "بدراسة كل حالة على حدة لجهة عدم تأثير الروابط العائلية وعلاقة الزواج على نظام العمل المعمول به وعلى نظام الإقامة". لكن ما هي المعايير التي تأخذها المديرية العامة في عين الاعتبار؟ وما هو نظام العمل المقصود؟ وكيف لعلاقة زواج او ارتباط أن تتعارض أصلا مع أي نظام عمل، هذا اذا توافقنا على أن العمل لا يعني لا استعبادا ولا سجنا وأنه لا يتطلب تفرغا وحضورا 24 ساعة على 24؟ وأكثر ما نخشاه هو أن يؤشر التعميم الى ولادة لمكتب جديد لحماية الآداب العامة وآداب الأسرة في المديرية العامة للأمن العام، لا سيما وأنها أعطت لنفسها صلاحيات جديدة وهي "الحفاظ على ديمومة العائلة" وهي صلاحيات لم يعطِها إياها أي قانون.

رابعا، بالنسبة لدراسة المديرية للملفات المطروحة امامها، تشكل قضية رانوكا خير دليل على كيفية اجراء هذه الدراسة. ورانوكا هي عاملة مقيمة في لبنان منذ 15 عاما متزوجة ولها ابنه ولدت في لبنان تبلغ من العمر 13 عاماً، رفضت المديرية العامة تجديد اقاماتها منذ نهاية العام الفائت. وقد عمدت المديرية العامة الى توقيف رانوكا طيلة 14 يوما في نظارة الامن العامخلال شهر نيسان من هذا العام بشكل تعسفي، بهدف ترحيلها مع ابنتها وزوجها، ولم تتراجع عن ذلك الا بضغط من الاعلام وتبعا لقرارات قضائية بالغة الأهمية. كما اقدمت المديرية على اقتحام مؤسسة انسان لتوقيف الطفلة. ولا يزال مصير رانوكا حتى تاريخه "قيد الدرس".