خلال الحرب الأهلية اللبنانية والفترة التي تلتها، شاع تعيين الموظفين في الوزارات والإدارات العامّة والتعليم الرسمي عن طريق "الخط السريع" أو "الخط العسكري"، وهو ما يُعرف بالتعاقد الوظيفي بمختلف أشكاله (مياومة، ساعيّة، سنويّة ... إلخ). وقد حصلت هذه التعيينات بطرق سياسية طغت عليها المصالح والوساطة والمحسوبيات، من دون الأخذ بعين الاعتبار مستوى الكفاءة والجدارة في التوظيف والمساواة بين المواطنين في تولي وظائف عامة، ومن دون إجراء مباريات "مجلس الخدمة المدنية". وتعزيزا لهذه الطرق الملتوية وغير القانونية، ما برحت السلطة السياسية تسعى الى إيجاد تسويات لقوننة الأخطاء السابقة التي ارتكبتها في إدارات عدة، وكان أبرزها في وزارة الكهرباء ووزارة الاتصالات ووزارة الإعلام والتعليم الرسمي وكازينو لبنان. ومن ضمن هذه التسويات، كثرة القوانين الآيلة إلى إجراء مباريات محصورة بالمتعاقدين مع حرمان سائر المواطنين من المشاركة فيها، وقد أخذت غالبية هذه القوانين طابعاً شكلياً أدى إلى تثبيت كثيرين منهم تحت غطاء مباراة محصورة، بحجة المحافظة على حقوقهم المكتسبة. وفي سياق هذه المساعي، تقدّم نواب في العام 2013 باقتراح يرمي إلى تثبيت وتعيين المتعاقدين في وزارة الإعلام من قِبل لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، وقد شكلت مناقشة هذا الاقتراح في لجنة الإدارة والعدل مناسبةً لتحويله إلى اقتراح يهدف إلى تثبيت متعاقدي الإدارات العامة كافة، على نحو يؤدي إلى إفادتهم من نظام التقاعد وتقديمات "تعاونية موظفي الدولة". وقد استطلعت "المفكرة" آراء عدد من المعنيين حول مدى ملاءمة هذا الاقتراح، وذلك من زاويتين: زاوية الإدارة العامة والوظيفة العامة من جهة، وزاوية حقوق المتعاقدين من جهة ثانية.

عن ظاهرة التعاقد ومنشئها
 في هذا المجال، توافق المستمع إليهم بشأن توصيف ظاهرة التعاقد ومنشئها، حيث ذكّر رئيس "الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية" عدنان الأمين، أن دخول المتعاقدين إلى القطاع العام حصل بترتيبات سياسية ومحسوبيات حرمت الإدارة من الشباب والكفاءات والمنافسة الشريفة، ما أدى إلى تسييس وضرب الإدارة العامّة. وأشار الأمين إلى أن هذه السياسية شملت قطاع التعليم الرسمي، حيث كان يتوجب الحصول على شهادة من كلية التربية أو دار المعلمين، وأصبح تعاقداً يلحقه مباريات محصورة.

وفي الاتجاه نفسه، اعتبر رئيس "التيار النقابي المستقل" حنا غريب، أن نظام التعاقد توسّع بإرادة الطبقة السياسية الفاسدة التي تلعب الدور الأبرز في اضمحلال نظام الوظيفة العامّة، لافتاً الانتباه إلى أنه في أواخر القرن الماضي كان الموظفون الدائمون يشكلون نسبة 90 في المئة من القطاع العام. ولكن هذه النسبة بدأت بالتحوّل إلى المتعاقدين في العقد الأخير من القرن الماضي، حيث عملت الطبقة السياسية على خصخصة التوظيف في القطاع العام من أجل ضرب النظام الوظيفي وسلسلة الرتب والرواتب ونوعية الخدمة.

وقد اعتمد رئيس "اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان" كاسترو عبدالله، التوصيف نفسه للواقع الحاصل. فإن النقص في الإدارات العامة قد عولج بالتعاقد خلال العقود الماضية، ما أدى إلى عدم الاستقرار الوظيفي وحرمان الأجراء والمتعاقدين من التقديمات الاجتماعية والحريات الثابتة والتعاطي معهم بشكل زبائني. ويقول عبدالله إن هذا التعاطي أفسد المتعاقد، لأن وضعه القانوني ضعيف ويسكت مقابل حصوله على لقمة عيشه، فضلاً عن أن موظفي القطاع العام هم أصلاً محرومون من سلاح التنظيم النقابي. وأضاف عبدالله أن بعض المتعاقدين عملوا لأكثر من عقدين وما زالوا في الوظيفة، متسائلاً: "إذا تم التوظيف على أساس أن لا حاجة دائمة للأجير، لماذا لم تنتهِ خدمته بعد ولم يحصل على تعويض يساوي مدّة خدمته؟"   

التثبيت ضماناً لحقوق المتعاقدين؟
ولكن، ما هو الحلّ، الآن وقد تفاقمت مشكلة المتعاقدين؟ هل يشكل تثبيتهم وفق ما جاء في الاقتراح حلا مناسبا لوضعهم؟ وفي حال الايجاب، فبأي شروط؟ وردا على هذه الأسئلة، وفيما عبّر الجميع عن خشيتهم أن يؤدي هذا الاقتراح الى تحفيز التوظيف التعاقدي مستقبلا طالبين بوقفه كشرط مسبق لتسوية أوضاع المتعاقدين الحاليين، فانهم أعطوا أجوبة مختلفة بشأن الآلية المستخدمة لضمان حقوق المتعاقدين الحاليين.   

وفي هذا السياق، أعلن وزير العمل الأسبق شربل نحاس معارضته الكليّة لهذا الاقتراح، مبيناً  الحجج التي تحول حسب رأيه دون قبول أسبابه الموجبة، ومن أبرزها عدم جواز الإدلاء بحقوق مكتسبة. فبرأيه "عندما تحصل مثل هذه المخالفات باعتداء على الأملاك العامة وتصرّف غير قانوني بمال عام بحماية سياسيين نافذين يوزعون المنافع والحصص بشكل غير قانوني على أتباعهم، نكون أمام خيار من اثنين: إما غض النظر لفترة طويلة عن هذه الارتكابات، وهذا منزلق يؤدي إلى تسويات تعطي غطاءً يشرّع شكلياً الارتكابات السابقة، أو اعتبار أنها غير قانونية وباطلة ولا ترتب أي حق لمن استفاد منها بل مسؤولية على من ارتكبها. لكن، وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن أن تُشرَّع المخالفة لأنها تهدم القواعد الأساسية للنظام العام". وأشار إلى أنه "بحكم الخطأ الجسيم الذي ارتُكب بتوظيف المتعاقدين لفترات غير محددة، يستفيد هؤلاء من قانون الضمان في نهاية الخدمة، ومن غير المنطقي تأمين استفادتهم من تعاونية موظفي الدولة، في حين أن الموظفين المسجلين في الضمان لا يستفيدون من نظام تقاعدي أو تغطية صحية بعد بلوغهم سن التقاعد". وشدّد نحاس على أنه "لا يمكن للاقتراح أن يتضمن حجة مرور الزمن لهم في الخدمة، لأن القانون يلحظ إمكانية الاستفادة من متعاقدين لفترات زمنية محددة ومهام ظرفية استثنائية ليست دائمة". وأوضح أن قانون الموظفين يسمح بوظائف تعاقدية لفترة محدودة وأعمال ظرفية كالمكننة أو نقل الإرشيف مثلاً، وهنا لا يمكن تبرير توظيف المتعاقد لعقود للقيام بمهمة تنتهي في غضون أشهر أو عام، مشدداً على أنه لا يمكن اعتبار المتعاقد كالموظف الدائم، ولذلك لا يمكن قوننة الأخطاء السابقة والمحاصصات على حساب الفئات الضعيفة.

بالمقابل، ركّز غريب والأمين على أن بداية الإصلاح تكون في منع التعاقد الوظيفي مستقبلاً. فـ"الحل الجذري لهذه المسألة هو القضاء على نظام التعاقد الوظيفي، والتوقف عن توظيف متعاقدين تستعملهم الإدارة كخردة وترميهم في آخر المطاف"، بحسب غريب. أما أن يتم تجاوز هذا الأمر، فإن الاقتراح يصبح "بمثابة دواء مسكّن لمرض سرطاني، لأن السلطة السياسية الحاكمة تريد أن يبقى القطاع العام دون مستوى القطاع الخاص". ومن جهته، ذكّر الأمين بالحل الذي اقترحه بشأن المتعاقدين في التعليم الرسمي، مشدداً على "أن الحل هو في تغيير قواعد الدخول إلى المهنة، لأن بناء الحلول على أساس مساعدة الموجودين وإعادة الكرة في اقتراح مشاريع قوانين لقوننة أوضاعهم التي هي أصلاً غير إنسانية لن يحل المشكلة. وقال: "لا أفكر في التعاقد، الحل يجب أن يكون في إطلاق قواعد جديدة للتثبيت، ويمكن إيجاد حل للمتعاقدين القدامى لضمان حقوقهم عند نهاية الخدمة وتعويضهم بما يساوي سنوات خدمتهم"، مشدداً على رفضه نظام التعاقد وقوننته بالتقاعد. وقد أضاف: "يجب أن يفهم الجميع أنه ليس هناك أي أفق للتعاقد ومشاريع القوانين التي تقوننها وتحل المشكلة بشكل مؤقت".

فضلاً عن ذلك، أبدى غريب بعض الملاحظات بشأن بعض بنود الاقتراح، وخصوصاً لجهة قيمة المعاش التقاعدي وأساس نظام التعاقد الوظيفي. فبعض الموظفين الدائمين الذين بلغوا سن التقاعد، ولم يستفيدوا من حقوقهم في نظام التقاعد، لأنهم كانوا متعاقدين وتم تثبيتهم قبل أقل من 20 عاماً من بلوغ سن التقاعد عن طريق المباريات المحصورة، ومنهم بعض أساتذة التعليم الثانوي، مشيراً إلى أن مشاريع القوانين الرامية إلى إفادة المتعاقدين من التقاعد لا تشمل هذه الفئات الضعيفة، فيتم حرمان الموظف المثبت من أبسط حقوقه التي يريدون أن تُعطى إلى المتعاقد. من جهة أخرى، يوضح غريب أن كلفة المحسومات التقاعدية عن سنوات الخدمة هي 6 في المئة للموظف الدائم و50 في المئة من قيمة راتب الموظف المماثل للمتعاقد في وظيفته، ما يعني أيضاً أن قيمة المحسومات ضخمة جداً على عاتق المتعاقد الذي قضى عقوداً من عمره في خدمة القطاع العام، يأخذ تعويض نهاية خدمته من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ويدفعه لصندوق الخزينة. وهذا ما يفرح السلطة الفاسدة بإدخال مبالغ نقدية إلى الخزينة. وهنا، يرى غريب أن مشروع القانون قد يكون ضروريا من أجل حفظ حقوق المتعاقدين، لكن المشكلة في قيمة المعاش التقاعدي وأساس نظام التعاقد الوظيفي.

*صحافي، من فريق عمل المفكرة القانونية    

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية