في جلسة تشبه مشهداً من قصص كافكا، وقف مدني سوري أمام القاضي المنفرد العسكري في جبل لبنان (وهو ضابط) للدفاع عن نفسه بشأن الادعاء الموجه ضده بشتم الجيش اللبناني. "الرسائل موضوع الادعاء تعبر عن غيظي ازاء معاملة اللبنانيين لي، لكنها تخلو تماما من أي ذكر للجيش من قريب أو بعيد". وتتابع محاميته: "لا ذكر للجيش أو لجهاز عسكري أو أمني في مجمل الرسائل التي تم ضبطها. وتاليا محكمتكم غير صالحة لأن اختصاصها ينعقد فقط في حال التعرض لهذه الأجهزة". دفاع لتبرير مضمون رسائل ثنائية خاصة وجهت الى اصدقاء من خلال الواتساب والفايسبوك وخلت حقيقة من اي ذكر للجيش. فلماذا اذا يحاكم أمام المحكمة العسكرية؟ ورغم هذا الدفاع المستفيض، أصدر القاضي الضابط حكماً أدان فيه الشاب بجرم "شتم المؤسسة العسكرية" وحكم عليه بعقوبة الحبس ثلاثة أشهر استبدلت بغرامة بلغت 900 ألف ليرة لبنانية>وبالطبع، جاء الحكم مقتضباً جداً وخاليا من أي تعليل أو تحليل قانوني، متجاهلاً جميع الدفوع وأسباب الدفاع التي تقدم بها المدعى عليه.
وفي التفاصيل، أوقف الشاب السوري خلال مداهمة لمنزله العائلي من قبل مخابرات الجيش للاشتباه بتواصله مع مسلحين في سوريا، من دون اي تكليف قضائي. وبعد تفتيش حاسوبه وهاتفه، لم يجد المحققون أي أدلة على ارتباطه بأي عمل مسلح في سوريا أو في لبنان. لكنهم عثروا على رسائل خاصة وجهها الى بعض أصدقائه وعبر فيها عن غيظه ازاء اللبنانيين عامة على خلفية ما اعتبره اساءة معاملة له. بعد ذلك، تعرّض للتعذيب من قبل عدة أجهزة أمنية خلال مدة توقيفه التي استغرقت ثلاثة أسابيع. ورغم أنه لم يوجه الشتائم الى أي جهة معينة ولم ينشر أياً منها، ادعى النائب العام العسكري عليه بجرم "شتم المؤسسة العسكرية" سنداً للمادة 386 من قانون العقوبات التي تعاقب على الذم الموّجه الى جهة رسمية محددة(كرئيس الدولة أو الجيش أو الادارات العامة) عبر إحدى وسائل النشر. وبفعل هذا الادعاء، انعقدت صلاحية المحكمة العسكرية. فكانت جلسة الاستجواب، وكان الحكم. 
 
وتعليقا على هذه القضية وعلى هامشها، يقتضي تسجيل الملاحظات الآتية:

أولاً: أن الحكم يؤشر الى توجه نحو توسيع صلاحيات القضاء العسكري لمحاكمة المدنيين: فقد اعتبر القاضي العسكري أنه مختص بالنظر في هذه الدعوى رغم أن المدعى عليه مدني ورغم خلوّ الملف من أي دليل على حصول ذم بحق المؤسسة العسكرية. وقد تجاهل القاضي كلياً النظر بإدلاء المدعى عليه بعدم صلاحية القضاء العسكري كونه مدنيا يتراسل مع مدنيين آخرين وأنه لم يتطرق في أي من رسائله الى الجيش أو القضاء العسكري انما الى الشعب اللبناني، وكأنما له صلاحية شاملة لمعاقبة أي كلام يجده رديئا أو غير سوي بحق هؤلاء، في لحمة سريالية بين الجيش والشعب.

ثانياً: يؤشر هذا الحكم الى نية في التشدد في معاقبة المواطنين السوريين: وهو ما يستشف من إهمال القاضي الدفوع المتصلة بصلاحية القضاء العسكري أو بعدم توفر عناصر الجريمة بما أن الرسائل لم تتضمن شتما للجيش ولم يتم نشرها. ولإدراك ذلك، يكفي مقارنة التساهل في تجريم ما ليس مجرما بالتساهل الهائل الحاصل في قضية ميشال سماحة في استبعاد تجريمه في جرائم ثابتة. ويبدو واضحا أن القاضي قد استاء من تقييم المدعى عليه لتصرفات اللبنانيين، فأراد معاقبته ولو من دون نص.

ثالثاً: تفضح تفاصيل هذه القضية الانتهاكات الحاصلة بحق المواطنين السوريين:تعددت الانتهاكات في هذه القضية منذ توقيف المدعى عليه لغاية الحكم عليه لمجرد أنه معارض للنظام السوري. فقد تم توقيفه من قبل مخابرات الجيش من دون إشارة من القضاء وخارج حالة الجريمة المشهودة، وتم اعتراض مراسلاته الخاصة من دون إذن قضائي خلافاً للقانون 140/1999. وخضع لتحقيقات مكثفة من قبل عدة أجهزة أمنية (مخابرات الجيش والشرطة العسكرية ودائرة التحقيق والإجراء وشعبة المعلومات التابعتين للمديرية العام للأمن العام)، كما تعرّض لشتى أنواع الضرب والتعذيب من قبل الشرطة العسكرية والأمن العام، أدّت الى كسور في أنفه وشعر في رجله ورضوض على جسمه واستوجبت عملية جراحية. وكان واضحاً أن أعمال التعذيب هذه لم تهدف الى انتزاع معلومات أو اعترافات منه بل جاءت على الأرجح لمعاقبته على رأيه السياسي. فجلّها حصل بعد انتهاء التحقيقات الرسمية معه وتضمنت سؤالا واحدا من قبل العناصر التي أقدمت عليها: "أنت معارض؟" وبالطبع، بقيت هذه العناصر دون أي مساءلة أو محاسبة لغياب آليات الحماية لضحايا التعذيب في لبنان، خاصة للأجانب منهم الذين لا يتجرؤون على مقاضاة الأمن العام خوفاً من فقدان حقهم بالإقامة في لبنان. ومن هنا، جاء حكم القضاء العسكري بعد محنة طويلة من التوقيف والتحقيق والتعذيب كعقوبة إضافية بحقّ المدعى عليه، في منحى يخشى أن يتحول معه هذا القضاء الى أداة لمعاقبة المعارضين السوريين على خلفية آرائهم السياسية.

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية