تبعاً للحكم الصادر بحقّ الوزير السابق ميشال سماحة، طلب وزير العدل أشرف ريفي مع آخرين من قوى 14 آذار إلغاء المحكمة العسكرية أو تقليص صلاحياتها. واذ ترحب المفكرة بهذه المطالبة، يهمها ايضاح أنها تفعل ذلك لأسباب حقوقيّة صرفة، في مقدّمتها شروط المحاكمة العادلة. وهي تنشر هذا المقال للحقوقية ميريام مهنا من فريق عملها لإثبات وجهة نظرها، وتحديداً تبيان المخالفات التي يرشح عنها وجود هذه المحكمة وأصول عملها لهذه الشروط (المحرر).

يحتلّ القضاء العسكريّ حيّزاً هامّاً من النظام القضائي اللبناني. فرغم صفته الاستثنائية، هو يتمتع بصلاحيات جدّ واسعة لملاحقة عدد كبير من الجرائم. ومن هنا، يجدر إخضاعه لفحص، لجهة مدى توافقه مع شروط المحاكمة العادلة والضمانات المرتبطة بها. وبالإمكان أن نقسم شروط المحاكمة العادلة الى قسمين: الحقّ بمحكمة متخصّصة ومستقلّة وحياديّة، والمحاكمة العادلة بالمعنى الضيّق، أي بما تفترضه من إجراءات قضائية.

الحقّ بقضاء مستقلّ

صلاحية المحكمة العسكرية ومبدأ القاضي الطبيعي
تنتهك المحكمة العسكرية أولاً مبدأ "القاضي الطبيعي" الذي يشكل شرطاً أساسياً لاستقلال القضاء. ويُبنى مبدأ "القاضي الطبيعي" على المبدأ المزدوج القائل بالمساواة أمام القانون والمحاكم. وهذا المبدأ ينصّ على حق المتقاضين بأن يُحاكموا بطريقة متساوية، أمام نفس المحاكم وتبعاً لنفس القواعد الإجرائية والأحكام القانونية. ولا تجوز ملاحقة أي كان الّا من قبل محكمة عادية، منشأة قبل حصول الملاحقة ومختصة للنظر فيها[1]. وبهذا المعنى، يشكل القضاء العسكري قضاءً استثنائياً اذأنّ صلاحية المحكمة العسكرية تتحدّد[2] بالنظر الى نوعية بعض الجرائم، والى معيار شخصي كأن يكون أحد المتقاضين عسكريّاً. ولها في هذه الحالة صلاحية مطلقة، كما أنها تتبع أصولاً خاصة. وهذا يعني فرز المتقاضين في جرائم عادية مماثلة وفق صفة المدعى عليه أو المجنى عليه، وتحديدا فيما اذا كان عسكرياً أو مدنياً. ونشير وبشكل عام، أن الطبيعة الاستثنائية لمحكمة منشَأة لفئة معينة (العسكريين) ومن عناصر ينتمون الى هذه الفئة، تضعف أصلاً لدى الفريق غير العسكري شعوره بالثقة باستقلاليتها وحياديتها[3].

تشكيل المحكمة العسكرية ومبدأ استقلال وحياد القضاء
من جهة أخرى، تنتهك المحكمة العسكرية مبدأ استقلالية القضاء من حيث تشكيلها. فتشكّل محكمة التمييز في هيئتين يرأسهما قاض عدليّ. وينضم اليه أربعة ضباط في الهيئة الناظرة في الجنايات وضابطان في الهيئة الناظرة في الجنح. أما المحكمة العسكرية الدائمة الناظرة في الجنايات، فتتألّف من ضابط برتبة مقدم فما فوق رئيساً، وأربعة أعضاء في الجنايات أحدهم فقط قاضٍ عدلي وثلاثة ضباط من رتبدون رتبة الرئيس، وعضوين في القضايا الجنحية أحدهما ضابط عدلي والآخر ضابط دون رتبة الرئيس. أما القضاة العسكريون المنفردون فيجوز وفقاً للقانون تعيينهم من الضباط المجازين في الحقوق واذا تعذر ذلك من غير المجازين. ونشير أيضاً الى امكانية تعيين معاوني مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية من الضباط المجازين في الحقوق على أن لا تقل رتبتهم عن رتبة نقيب (مادة 11). كما أنه يجوز أن يقوم بالتحقيق الابتدائي ضابط عسكري مجاز في الحقوق (مادة 12) مما يحمل خطراً على حريّات وحقوق الشخص الخاضع للتحقيق، خصوصاً حق الدفاع.

ونلاحظ اذاً طغيان الوجود العسكري في أكثر من مستوى في عمل القضاء العسكري في ظل حضور خجول للقضاة العدليين. ومن شأن ذلك طبعا أن يولّد خطراً جسيماً على الحريات الشخصية وضمانات المحاكمة العادلة، خصوصاً حق الدفاع[4] واستقلالية القضاء.

ومن ناحية أخرى، يتوقف تحريك دعوى الحق العام في بعض الجرائم[5] على قرار قيادة الجيش الملزِم لمفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية (وهو قاضٍ عدلي)، مما يعني المساس بوظيفة هذا الأخير وتجريده من سلطته واستقلاليته في الملاحقة، وهذا تجاوز خطير لمبدأ فصل السلطات، واستقلالية القضاء.

كما يتولى وزير الدفاع تعيين القضاة العسكريين في بدء كل سنة بقرار مبني على اقتراح السلطة العسكرية العليا بما يتعلق بالضباط التابعين للجيش[6]، كما يبقى العسكريون رؤساء المحاكم العسكرية وأعضاؤها أثناء توليهم القضاء العسكري تابعين مباشرة لوزير الدفاع، وخاضعين لأنظمة السلك الذي ينتمون إليه. ونلحظ اذاً الارتباط الوثيق للقضاة بالسلطة التنفيذية والسلك العسكري مما يلقي شكوكا كبيرة على استقلال المحكمة العسكرية وحياديتها. فالإستقلال والحيادية لا بقاسان فقط بشكل ذاتي (أي استناداً إلى آراء القاضي المسبقة ومصالحه الشخصية في قضية ما)[7]، بل أيضاً بشكل موضوعي أيّ وفق حياد المحكمة الظاهر، والذي يفرض عليها أن توفّر الضمانات الموضوعية الكافية لتبديد أي شك شرعي بحيادها. وكرّس اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان[8] في هذا الصدد مبدأ الاستقلالية الظاهرية، اذ يكفي توفّر أسباب لنشوء شكوك مشروعة عند أحد الأطراف بشأن إستقلال القاضي وحياديته للقول بأن المبدأ قد خُرق[9]. ومن الطبيعي على ضوء ذلك أن تشكّل هيمنة العسكر على تشكيل المحكمة سبباً موضوعياً للشك بحيادها واستقلالها.

والى ذلك، نسجّل أنالمحكمة العسكرية الدائمة تتشكّل من ضباط دون رتبة رئيسها، مما يلقي مزيدا من الشكوك حول استقلال هؤلاء. فكيف لضباط دون رتبة رئيس المحكمة، في جسم عسكري معروف بالتراتبية وبثقافة الطاعة وتنفيذ الأوامر، أن يخالفوا رأيه؟

ضمانات المحاكمة العادلة

حقّ الادعاء الشخصي وقاعدة الوجاهية
لا يحقّ للمتضرر (الضحية) اتخاذ صفة الادّعاء الشخصيّ أمام القضاء العسكري، اذ تنحصر صلاحيته بدعوى الحق العام. وعليه، يكون للمتضرر من جريمة تدخل ضمن اختصاص القضاء العسكريّ حقّ اللجوء الى القضاء المدني فقط للمطالبة بتعويض عن ضرره، من دون أن يكون قادرا على تحريك الدعوى العامة أو أن يتمثل فيها. ومن النتائج الوخيمة لذلك أنه يتعين عليه أن ينتظر نتيجة الدعوى العامة أمام القضاء العسكري للمطالبة بالتعويض أمام المرجع المدني، فضلا عن أنه يكون في هذه الحالة ملزما بالنتيجة التي وصلت اليها المحاكمة العسكرية من دون أن يكون بوسعه المرافعة فيها لتقديم الحجج المثبتة لوقوع الجرم. لا وهذا الأمر يشكل خرقاً لمبدأ قانوني رئيسي يقضي بعدم جواز إلزام شخص بنتائج حكم قضائي لم يكن فريقاً في المحاكمة التي أنتجته. وهو ينسف القاعدة الجوهرية القائلة بوجاهية المحاكمة، أي بحق كل طرف بمواجهة الخصم بحججه، والمكرّسة مثلاً في المادة 14-3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتُعتبر هذه الاشكاليّة متلازمة مع إشكاليّة صلاحية المحكمة العسكرية. فاذ يعتبر البعض أنّه يجب تعديل قانون القضاء العسكري لتمكين الضحية من الادعاء أمامه، نجد أنّ في الأمر خطورةً بالغة طالما أنه يؤدي الى توسيع صلاحياته فضلا عن شرعنته.

حقوق الدفاع
اذ يشكل حقّ الدّفاع أحد أبرز مقتضيات المحاكمة العادلة، فانّه يشهد تجاوزا في العديد من أحكام قانون القضاء العسكري. ومن الشّواهد على ذلك أنّه يجيز تكليف ضباط مهمة الدفاع عن المحالين أمام القضاء العسكري.ونلاحظ خطورة الأمر على حقوق الدفاع لعدم استقلال الضباط المحامين عن السلطة العسكرية، وعدم تمرسهم بالشؤون القانونية والقضائية وخصوصاً أن الاجازة في الحقوق ليست سوى شرط تفضيلي وغير الزامي. وفي الاتجاه نفسه، يُعطى المحامي مهلة 24 ساعة فقط للاطّلاع على ملفّ الدعوى وهي غير كافية.

وإلى ذلك، لرئيس المحكمة "منع المحامي من دخول المحكمة العسكرية لمدّة أقصاها ثلاثة أشهر إذا ارتكب خطأً مسلكياً جسيماً قبل المحاكمة أو في أثناء الجلسات". وتشكّل هذه الصلاحية خطراً جسيماً على حقوق الدفاع، ومهنة المحاماةوالحصانات المنوطة بها، اذ يُمنح رئيس المحكمة سلطةً تأديبيةً تُشكّل إنتهاكاً لحصرية دور المجلس التأديبيّ لنقابة المحامين. وما يزيد الأمر سوءاً هو أنّ رئيس المحكمة يتمتع بحقّ تقدير مطلق، من دون أن يكون للمحامي حقّ الدفاع عن نفسه.

الحدّ من حق التقاضي على درجتين
وهذا ما نشهده في قضاء التحقيق حيث لا يوجد مرجع استئنافي لقرارات قاضي التحقيق العسكري. وبالطبع، من شأن ذلك أن يهدّد العديد من الضمانات المكرّسة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، ومنها مثلا الحصول على معاينة طبية.

فقدان التعليل في الحكم
تنظّم المواد 63 وما يتبعها أصول الأسئلة والمذاكرة التي تفضي الى حكم القضاء العسكري. فتحصل اذاً المذاكرة بين القضاة على أساس أسئلة يتم الاجابة عنها بنعم أم لا وتُحدد العقوبة بالاجماع أو الأكثرية. أما المادة 70 فتنص على البيانات الالزامية التي يجب على الحكم تضمنها تحت طائلة البطلان. ويظهر أن القضاء العسكري معفًى من موجب التعليل اذ يكفي أن يتضمّن الحكم "الأسئلة المطروحة والقرارات المتخذة بشأنها بالإجماع أو الأكثرية" و"العقوبات المقضي بها والمواد القانونية التي طُبّقت ولا لزوم لتدوين نصها".

ويشكّل بالفعل موجب تعليل القرارات القضائية احدى ضمانات استقلالية القاضي بما أنه يشكّل "درعاً ضد تعسّف القاضي بإجباره على إدراك رأيه القانوني ووقعه (...) كما يوفّر للمتقاضي تبريراً للقرار"[10].
 
المراجع:
1-  دريد بشراوي، أصول المحاكمات الجزائية، دراسة مقارنة، الكتاب الثاني، القضاء الجزائي، صادر ناشرون، 2005، ص. 361 وما يليها.
2-  ابراهيم علي الحريري، قانون القضاء العسكري في لبنان، شرح وتحليل، بيروت 1998.
3-  بشارة هيكل الخوري، المحكمة العسكرية وخصوصيتها، صادر ناشرون، 2005.

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط


[1]انظر المادة 5 من المبادئ الأساسية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية للأمم المتحدة التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في ميلانو في عام 1985.
[2]المواد 24 و27 من قانون القضاء العسكري رقم 24/68.
[3]V. CEDH 9 juin 1998, Incal c/ Turquie, req. no 22678/93, Rec. 1998-IV, § 72.
[4]V. CEDH 14 mars 2000, Jordan, Stephen c/Royaume Uni, Bulletin d’information sur les droits de l’homme, Conseil de l’Europe, no 53 mars-juin 2001 p. 20.
[5] أي الشكاوى والاخبارات المتعلقة :1-بجرائم واقعة من أحد أفراد الجيش على أحد رجاله.2- بجرائم تتعلق بأحد أفراد الجيش دون أن يكون لأحد المدنيين علاقة بها. 3- بجرائم تتعلق بأحد أفراد الجيش اقترفت أثناء الخدمة أو بسببها وكان لأحد المدنيين علاقة بها.4- بجرائم تتعلق بأحد أفراد الجيش والتي نص عليها في الباب الثاني من الكتاب الثالث من هذا القانون.
[6]وعلى اقتراح كل من مدير عام قوى الأمن الداخلي ومدير عام الأمن العام بما يتعلق بالضباط التابعين لقوى كل منهما.
[7]Le for intérieur du juge.
[8]CEDH 1er oct. 1982, Piersack c/ Belgique, série A, no 53, § 30 : « Si l'impartialité se définit d'ordinaire par l'absence de préjugé… elle peut s'apprécier de diverses manières. On peut distinguer… entre une démarche subjective, essayant de déterminer ce que tel juge pensait dans son for intérieur en telle circonstance, et une démarche objective amenant à rechercher s'il offrait des garanties suffisantes pour exclure à cet égard tout doute légitime ».
[9]CEDH 26 fév. 1993, Padovani c/ Italie, Séries A 257-B, § 25.
[10]S. Guinchard, Droit processuel, Droit commun et droit comparé du procès, Dalloz 2005, 3e éd., p. 773 : L’obligation de motivation est « le rempart contre l’arbitraire en forçant le juge à prendre conscience de son opinion, de sa portée (…) et procure (en outre) au plaideur une justification de la décision ».