في 13-5-2015، أصدرت المحكمة العسكرية حكماً بإدانة الوزير السابق ميشال سماحة بجرم نقل متفجّرات من سورية الى لبنان ومحاولة التآمر للقيام بأعمال إرهابية. وقد تميّز الحكم بالعقوبة السجنية المخفّفة بالنظر الى خطورة الأفعال التي تابعها الرأي العام عن كثب، بعدما عمدت المحكمة الى تبرئة سماحة من جرمي الإرهاب ومحاولة القتل. وكانت العقوبة السجنية حدّدت بأربع سنوات ونصف سجن (أي ما يعادل ثلاث سنوات وأربعة أشهر ونصف وفق الفهم القانوني للسنة السجنية). وفور صدور الحكم، عكست وسائل إعلام عدّة صدمة الرأي العام إزاءه، وخصوصاً أن فترة العقوبة قاربت تبعا لاحتساب فترة التوقيف السابقة على الانتهاء. وفيما تخفّت قوى 8 آذار عموماً وراء حُرمة الحكم القضائي، عبّر بعض أعيان 14 آذار وفي مقدمتهم وزير العدل أشرف ريفي ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري عن سخطهم الشديد إزاء أحكام مماثلة، داعين الى اعادة النظر في اختصاص القضاء العسكريّ. ومع التسليم بأهمية فتح النقاش بشأن القضاء الاستثنائي ومدى ملاءمته وصولا الى تقليص صلاحياته ومنع محاكمة المدنيّين أمامه ضمانا لمبادئ المحاكمة العادلة[1]، فمن الخطأ أن يحجب النقاش الدائر حول هذه المسألة سائر الجوانب السلبية لهذه القضية والتي قد تكون أكثر عمقا منها. وهذا ما سنحاول هنا الإضاءة عليه.     
 
الدرس الأول: مجاملة الأقوياء أو حين يحدد وزن الإثبات والعقوبة على ضوء وزن الشخص موضوع المحكمة
من يقرأ ما خلص اليه الحكم، سرعان ما يتبين أنه أمام حكم كاريكاتوري يظهر فيه بوضوح شديد توجه المحكمة الى مجاملة المتهم، لجهة وصف الأفعال المعزوة اليه، وتحديد العقوبة المترتبة عليها. وفيما سارع كثيرون الى تفسير هذه المجاملة بسيئات نظام القضاء العسكري، فإن التدقيق في أعمال المحاكم إنما يظهر أن المسألة هي أعمق من ذلك بحيث يظهر هذان العنصران (وزن الإثباتات المقدمة أمام القضاء ومقدار العقوبة) كأبرز أدوات التمييز الاجتماعي. فعموما تطلب إثباتات شبه تعجيزية على ارتكاب جرائم معينة عند ملاحقة أشخاص ذات شأن أو مدعومين من قبل هؤلاء، فيما يؤخذ بأي إثبات مهما قلّ شأنه في حالة الأشخاص الذين لا دعامة لهم.

وفي هذا الخصوص، يتضمّن استدعاء النقض الذي قدمه مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر اضاءات هامة. ففي مقاطع عدة منه، تميز هذا الاستدعاء بأسلوب ساخر غير معهود يصوّر الحكم على أنه حكمٌ كاريكاتوري. وهذا ما نقرؤه مثلا في المقطع الذي انتقد فيه صقر تبرئة سماحة من محاولة القتل العمد. ف "هل كانت المحكمة بحاجة لأكثر من تسليم سماحة المتفجرات لكفوري وتحديد لائحة الاهداف له، واعتذاره في الجلسة علناً من المفتي الشعار والنائب الضاهر، حتى تقتنع بتوفر الأدلة بحق سماحة بجرم محاولة القتل العمدي؟ ... هل كان يجب انتظار استعمال المتفجرات في عمليات الاغتيال والتفجير والتفخيخ، حتى تتم إدانة ميشال سماحة بجريمة محاولة القتل العمدي؟"الأمر نفسه نجده في المقطع المتصل بانتقاد تبرئته من جناية المادة 335 عقوبات الخاصة بالتآمر لارتكاب عمل إرهابي مع إدانته فقط بمحاولة التآمر. فهنا يستغرب النقض كيف يمكن أن تثبت المحكمة أنالأدلة متوافرة بحق المتهم ميشال سماحة لجهة الاتفاق مع الغير على ارتكاب الجنايات على الناس والاساءة الى هيبة الدولة، لتخلص الى القول بوجود محاولة مؤامرة وليس مؤامرة. "فكيف تقول المحكمة في تعليلها أن الجرم تمّ وأن الادلة متوفرة بحق المتهم على ارتكاب هذه الجناية ثم تعود وتدينه بالمحاولة فقط؟"

وبالطبع، سماحة ليس النافذ الوحيد الذي يستفيد من المجاملة القضائية في التثبّت من عناصر الجرم، بل لا نذيع سرّا اذا قلنا أن جرائم أصحاب النفوذ قلّما تحال أصلاً الى القضاء. ففي حال تجرّأ أحدهم على مقاضاة هؤلاء، غالبا ما ينتهي التحقيق بشأنها في أروقة النيابات العامة أو قضاء التحقيق أو بأحسن الأحوال الى إدانة مرافقين لهم. وبالطبع، ما كانت هذه القضية لتصل إلى خواتيمها لولا وجود إثباتات دامغة بالصوت والصورة على رجل اختار أن يكون ارهابيّا وقاتلا بدم بارد، ومن دون أن يمنعه خياره هذا عن التهام الأثمار التي يحبّها وهو في حالة ارتخاء كلّي. وعليه، يُنتظر بفعل تتبّع الرأي العامّ لتفاصيلها، أن تحتلّ هذه القضية مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية وأن تستحيل، رغم شيوع المجاملات القضائية، مثالاً يُضرب عليها.     

وعلى نقيض هذه المجاملة الخاصّة بمن لهم وزنٌ معيّن، تتراكم الادعاءات العامة والأحكام التي تثبت توفر العناصر الجرمية انطلاقا من أدلة ضعيفة وأحيانا من دون أي دليل. وهذا ما يحصل خصّيصا في حالات الأشخاص من ذوي الأوضاع الهشة، وفي مقدّمهم عاملات المنازل وفق ما أثبتته "المفكرة" في العديد من أعمالها. وهذا أيضا ما نتبينه أيضا في حكم ثان لا يقل كاريكاتورية عن حكم سماحة وهو يتصل بمدني سوري معارض[2]. فاذ تذرّع هذا الأخير بأن القضاء العسكريّ ليس مختصّا لأنه لم يشتمْ الجيش قط وأن مراسلاته الخاصة بواسطة الواتساب والفايسبوك والتي ضُبِطت على هاتفه النقّال انما تعبّر عن غيظه ازاء المعاملة التي يلقاها من اللبنانيين عموما من دون أي اشارة الى الجيش أو الى أي جهاز عسكري أو أمني، فان القاضي المنفرد العسكريّ تجاوز كل هذه الاعتبارات وأعلن نفسه مختصا ليدينه بارتكاب جرم المسّ بالجيش من دون أي دليل.   
  
وبالطبع، هذا المنحى (مجاملة للأقوياء من جهة وتحامل على ذوي الأوضاع الهشة من جهة أخرى) لا يقتصر على القضاء العسكري انما يشمل محاكم عدلية عدة، وان كانت أصول هذا القضاء تسهّل انتهاجه، طالما أن قراراتها تنبني على "نعم" و"لا" من دون حاجة الى أي تعليل.
 
الدرس الثاني: قضية سماحة هي أولا قضية تدخّل في القضاء...
الاحتجاجات التي تنشأ هنا وهنالك ضدّ المحاكم الاستثنائية وبالأخص العسكرية، وقد حصل الكثير منها في فترة الحراك العربي،اتصلت بشكل خاص بعدم تمتع المتهم بشروط المحاكمة العادلة. وهذا ما تمثّل في الشعار الأكثر رواجاً ومفاده "عدم جواز محاكمة المدنيّين أمام محكمة عسكرية". لكن ما أثاره هذا الحكم من تساؤلات يتصل باعتبارات مختلفة تماما، قوامها المجاملة ومعاملة الامتياز التي حظي بها سماحة في هذه المحكمة التي برزت على ضوئه كساحة لإبرام تسويات أكثر مما هي محكمة ينال فيها المتّهم ما يستحقه من عقاب. ولا نبالغ اذا قلنا أن قضية سماحة هي أولا قضية تدخّل في القضاء. فالعيب الأساسي في الحكم (أي التدخل لإرضاء أطراف سياسية معينة) لا ينتج عن عوامل خاصّة بأصول عمل القضاء العسكري، انما هو يتأتّى عن عوامل يتشارك فيها هذا القضاء مع مراجع قضائية عدة، ومفادها تطبيع التدخل في شؤون القضاء عامة. ويكفي في هذا الإطار التذكير بكلمة رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر في حفل إطلاق مشروع "المفكرة" حول استقلال القضاء في 20-4-2015 والتي جاء فيها أن "التدخل السياسي في القضاء وحشي". ويكون تاليا من الخطأ هنا أيضا حصر النقاش بمدى ملاءمة القضاء العسكري من دون الحديث عن ضمانات استقلال القضاء وكيفية ردع التدخلات الحاصلة هنا وهنالك في شؤونه. ومقاربة المسألة من هذا المنظار، انما يؤدّي ليس فقط الى فرض مقاربة أكثر شموليةً ووضوحاً، انما أيضا الى ترتيب مسؤوليات من نوع مختلف، فتكون الجهات المعنية بالقضاء مدعوة ليس فقط الى إلغاء المحاكم الاستثنائية لتعارضها مع مبادئ المحاكمة العادلة، بل بالدرجة الأولى الى العمل على تعزيز ضمانات استقلالية القضاء وحمايته في وجه التدخلات التي تحصل هنا وهنالك. أما أن تعلن وزارة العدل نيتها في إلغاء المحاكم الإستثنائية من دون أن تقرن ذلك بأيّ خطة لوضع حدّ للتدخّلات في شؤون القضاء أو لتعزيز استقلاليّته أو أن تظهر أيّ حساسيّة ازاءه، فان ذلك كلام يتيح التساؤل جديّا حول مدى جديّة سياستها الاصلاحية أو مصداقيّتها. ولتبيان أهمية هذه المحاذير، يكفي النظر في الأوضاع التي وصلت اليها المحاكم المصرية: فبعدما صبّت ثورة يناير 2011 جام غضبها على المحكمة العسكرية ومحاكم الطوارئ مما انعكس في الدستور الجديد، اذا بأحكام تصدر عن المحاكم العاديّة بإعدام مئات الأشخاص في ختام محاكمات جماعية (سياسية) تفوق من حيث طابعها الكاريكاتوري بكثير الأحكام التي كانت تصدر عن تلك المحاكم.    
 
وفي هذا الاطار، من حقّ الرأي العامّ التساؤل: "ماذا فعلت وزارة العدل حين حضر مدّعى عليه بالقتل الى قصر العدل يصحبه نائبان ينتميان الى الفريق السياسي لوزير العدل وعدد من مرافقيه المسلّحين في شهر تشرين الثاني الماضي، فدخل مع النائبين وبحوزته سلاحه الشخصي الى غرفة قاضي التحقيق ليصار الى استجوابه؟ (من يستجوب من في ظروف كهذه؟) فهل هي اتخذت أي تدبير بهذا الشأن؟ هل هي طلبت من النيابة العامة أن تتحرك، أن ترفع الحصانة عن النائبين المذكورين؟ وأليس من شأن التغاضي عن أعمال مماثلة أن يؤدّي الى تطبيع التدخل في القضاء وأن يشرّع الباب أمام جميع أشكال الترغيب والترهيب وتاليا أمام أحكام وقرارات المجاملة لمجمل أصحاب النفوذ أو الأصحّ لكل محميّ من قبلهم؟ وما همّ في حال استتباب ظروف كهذه أن يكون القاضي بنجمة أو من دون نجمة؟

أما الشق الثاني لهذا الدرس، وهو لا يقلّ أهمية، فمفاده عدم جواز إناطة مهام كبرى بحجم مكافحة الارهاب بمحكمة لا تتوفر فيها ضمانات كافية لاستقلاليتها. فمحاكمة جرائم خطيرة كجرائم الإرهاب تتأثر ليس فقط في طبيعة المحكمة المختصة للنظر بها، انما أيضا بمنعة القضاة الذين تتألّف منهم. فهذه القضية التي تسنى للرأي العام أن يتابعها عن كثب، انما تشكل اثباتا فجّا على أنّ المراهنة على قدرة القضاء العسكري في مكافحة الارهاب، ليست سوى وهم. وكان الرأي العام قد تلقى الاشارات نفسها عند الافراج عن بعض المتهمين في قضايا ارهاب تبعا لتدخلات سياسية، وفي مقدمتهم المدعو شادي المولوي. ومن هذه الزاوية، نصبح أمام قضاء تتراكم فيه السلبيات لجهة المحاكمة العادلة من دون أن يكون لديه ما يقنع الرأي العام وخصوصا لجهة قدرته على مكافحة الارهاب والجرائم الخطرة. ومن شأن ذلك أن ينزع عنه ورقة التين التي كان يستر بها عيوبه أو على الأصح يستر بها المدافعون هذه العيوب.   
 
الدرس الثالث: التشهير بالقضاء أو التكتم بشأنه، أساليب غير مجدية لمكافحة التدخّل في شؤونه
الدرس الثالث ما يزال غامضا ومبهما. وهو يتأتى ليس عن الحكم انما عمّا أعقبه من نقاش غير مباشر بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى. ففيما سارع ريفي فور صدور الحكم في 13-5-2015 الى إنتقاده بشدة واعلان إحالة القاضية العدلية الجالسة في غرفة المحكمة العسكرية الى هيئة التفتيش القضائي[3]، أصدر مجلس القضاء الأعلى بيانا تضمّن إعتراضاً على التشهير بهذه القاضية على أساس أن مؤاخذة القضاة تتم من خلال الآليات الرسمية "المحكومة بجملة شروط أهمها السرّية، فلا يجوز خرقها عبر الإعلان عن إحالة قاض بالذات على التفتيش القضائي أياً كانت الأسباب أو الظروف".وفي الاتجاه نفسه، ألمح البيان الى عدم جواز انتقاد الحكم طالما أن النظام القضائي في لبنان يلحظ طرقاً للمراجعة ضدّ أيّ قرار يُشكى منه.وفيما أن هذا التجاذب حول أصول انتقاد القضاة والأحكام القضائية مستمرّ منذ فترة طويلة (وأعمال "المفكرة" جزءٌ أساسيٌّ منه)، فإنّه تميّز في هذه القضية بحصوله بين المرجعين الرسميين المعنيين بتنظيم القضاء. ومن هذه الزاوية، يصلح هذا النقاش كمادة للتدريس hypothèse d’écoleحول المقاربات المختلفة بهذا الشأن.والمعيار الذي ننطلق منه لتقييم مدى سدادتهما هو مدى فعاليتهما في مكافحة الآفة الكبرى التي يعاني منها القضاء وهي التدخل في شؤونه. فأيهما الأكثر فعاليّة من هذه الوجهة؟ التشهير بالقضاء أم التستر عليه ومحاسبته وفق شرط السرية عند الاقتضاء؟ والفرضية التي نطرحها هنا هو أن كلا الموقفين جانب هذا الهدف الأساسيّ وان كنا نشارك بالكامل انتقاد مجلس القضاء الأعلى لموقف وزير العدل في تعرّضه علناً لقاضية، قبل الاستماع اليها أو القيام بأي تحقيق.  
  
فمن يتفحّص موقف الوزير في ظلّ غضّ طرفه عن مختلف أشكال التدخل في شؤون القضاء، سرعان ما يتبيّن أنه يندرج ضمن سلسلة من المواقف السياسية التي تستسهل تحميل القضاة مسؤولية الخلل القضائي، من دون إيلاء أي اهتمام لحجم التدخلات أو لمحاسبة المتدخلين في هذه الأعمال أو حتى لتعزيز ضمانات القاضي إزاء هذه التدخّلات. فكأنما الخلل لا يتأتّى من التدخّل الذي له أن يتوسع بقدر ما يرغب أصحاب النفوذ انما فقط من رضوخ القاضي له. واذا أردنا أن نرسم رسما كاريكاتورا لهذه السياسة، أمكننا القول أن تخويف القضاة لا يشكل وفق هذا المنطق مشكلة، المشكلة كل المشكلة تكمن في خوف القضاة. فكأنما نريد من القضاة نتيجةً معنية فيما نتبرّأ من جميع مسؤولياتنا في نزع الألغام التي من شأنها نسف امكانية الوصول الى هذه النتيجة. وبالطبع، المحصّلة العملية لهذه المقاربة هو أن لا بأس أن نتدخل في القضاء وأن يرضخوا لنا، أما اذا رضخوا لأخصامنا، فبإمكاننا أن نتعامل مع رضوخهم على أنه معصية كبرى تستوجب محاسبتهم كما حصل في قضية سماحة. ومن شأن هذا الأمر أن يجعل القاضي بالطبع أكثر ضعفا وعرضة للتدخّل، ويحدّ من امكانياته في دفع التدخّل عنه، طالما أنه هو وحده الذي يُساءل بمعزل عن الذي تدخّل في شؤونه. ويلتقي هذا التوجه في عمقه مع الحديث بأنّ ضمان استقلال القاضي يكمن في شخصه، في موازاة التقليل من شأن المطالب بتعزيز الضمانات التشريعية والواقعية لهذه الاستقلالية. فاما هو جيد ويكون مستقلا، واما هو سيئ ويخضع للتدخلات. أما التدخلات فهي تبقى من طبيعة الأشياء ويقتضي التعامل معها على أنها كذلك. 

وما يزيد قابلية تصرف ريفي للإنتقاد هو أنه لم يكتفِ بإحالة القاضية الى التفتيش، إنما أحاط هذه الإحالة بإعلان مدوٍّ عنها. فعلى فرض وجوب اتخاذ اجراءات لمحاسبة القاضية على اشتراكها في هذا الحكم (ولا نريد المناقشة الآن بذلك)، فإن سلطة وزير العدل تخوّله مباشرة هذه الإجراءات أمام هيئة التفتيش القضائي التي تدخل ضمن المؤسسات التابعة لوزارته، وبامكانه ضمان حسن سير هذه الإجراءات من دون حاجة الى خرق السرية التي ترعاها من حيث المبدأ. أما أنه اختار أن يفاخر بذلك، فإن موقفه يرشح عن تفاخر دعائي على حساب القضاة بل أخطر من ذلك عن مسعى تخويفي لهم. فمن شأن موقف مماثل أن يؤدّي الى استيلاد سابقة مفادها تسليح وزير العدل بسلاح التشهير بالقضاة كلما راق له ذلك، قبل بدء التحقيق معهم أو تمكينهم حتى من الدفاع عن أنفسهم، الأمر الذي يعكس مسّا كبيرا باستقلال القضاة ويحتمل أن يتحوّل الى باب كبير لاضعافهم وتوسيع هامش التدخل في شؤونهم. ثم، أليس من التناقض أن تعزوَ وزارة العدل خلل المحاكمة الى الاجراءات المتبعة أمام القضاء العسكري، وأن تقوم في الوقت نفسه بتحميل القاضية المدنية الوحيدة مسؤولية الحكم؟  
  
ولكن، بالمقابل، ومع تسليمنا بعدم ملاءمة الإعلان الوزاري، فإن ذلك لا يعني بالمقابل وجوب حصر مؤاخذة القضاة ضمن الآليات الرسمية (السرية) كما ورد في بيان مجلس القضاء الأعلى الصادر ردا عليه. فكما أن الخروج عن هذه الآليات لمن يملك وسائل التحكم بها يشكل مبدئيا انتهاكا غير مبرر لاستقلال القضاء وتحويرا للسلطة التي أعطيت له، فان فرضها على الذين ليس لهم أيّ قدرة على تحريكها كما هي حال المتقاضين والمنظمات الحقوقية يؤدّي عملياً الى تجريد هؤلاء من وسائل اعتراض أساسية قد تكون مفيدة لحماية استقلال القضاء في مواجهة الفساد والتدخلات في شؤونه. وهي تكون ضرورية كلما شاب هيئة التفتيش القضائي عيبٌ أو خللٌ معين، كما يحصل في غالب الأحيان. ومن هنا، وفيما أخطأ وزير العدل في تحويل المحاسبة الى أداة لضرب استقلال القضاء، فإن من شأن التقيّد بالأصول التي أعلن مجلس القضاء الأعلى تمسكه بها أن يحدّ من امكانات المحاسبة (المحاسبة الاعلامية والشعبية والتي قد تصبح في أحيان كثيرة المحاسبة الوحيدة الممكنة) تحت مسمّى استقلالية القضاء وهيبته. وقد يكون هنا من المفيد التذكير بسياسة وزارة العدل المتبعة في التسعينيات والتي ذهبت الى حد اقتراح قانون يحمل تسمية "قانون تجريم المس بهيبة القضاء"، بهدف ملاحقة كل من يتعرض للقضاء بمعزل عن مدى صوابيته. وهي سياسة أدت عمليا الى عكس ما تعلنه: فبفعل الصمت المفروض صونا لهيبة القضاء، تم عمليا تحصين هيبة مجمل الذين يتدخلون في أعماله وبكلام آخر مجمل الذين ينتهكون حرمته من دون أن يكون لهم أي نصير أو مدافع. وهذا ما شرّع الأبواب واسعة أمام تراجع الأداء القضائي وإحلال ثقافة التدخل محل ثقافة الاستقلالية التي باتت في مستواها الأدنى.

التساؤل نفسه يُطرح وبشكل أكثر إلحاحاً على ضوء تحذير مجلس القضاء الأعلى إزاء التعرّض للأحكام غير النهائية. ولعل الدروس التي نغرفها من هذا الحكم بشأن القضاء العسكري والقضاء عموماً والوعي العام الناشئ عنها كلها عوامل تدحض هذا الموقف بالكامل. فمهما كان الضّرر المتأتّي عن التعرّض لحكم غير نهائي، ثمّة فائدة قصوى في الاستفادة من حكم كاريكاتوري مماثل لتعزيز الوعي بمخاطر التنظيم القضائي وبضرورات الاستنفار لإصلاحه. بالطبع، على المجلس قبل غيره أن يدعو الى ذلك.

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

[1] ميريام مهنا، بمَ ينتهك القضاء العسكري شروط المحاكمة العادلة؟ المفكرة القانونية-لبنان، العدد التاسع والعشرون، حزيران 2015.
 
[2] القاضي العسكري يعاقب مدنيا سوريا بجرم من دون نص: أداة لمعاقبة كل ما يغيظنا، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 29، حزيران 2015. 
[3] وهي القاضية العدلية الوحيدة وتضم الغرفة بالاضافة اليها أربعة ضباط يرأس أحدهم الغرفة.