في بداية شهر أيار، أودع مجلس القضاء الأعلى مشروع تشكيلات قضائية جزئية لدى وزارة العدل. ما تسرّب عن هذا المشروع هو أنه يهدف بالدرجة الأولى الى تعيين 20 قاضيا من خرّيجي معهد الدّروس القضائية، في مناصب قضائية. ولتمرير المشروع من دون ممانعة سياسية، تعمّد المجلس على ما يبدو إجراء تشكيلات جزئية محدودة. فعيّن خريجي المعهد مستشارين في المحاكم الابتدائية لينقل المستشارين الذين حلوا محلهم لتولي مناصب أخرى كقضاة منفردين مع ما يستتبع ذلك من مناقلات بقيت حسبما أكد لنا أكثر من مصدر في حدّها الأدنى. وللغاية نفسها، تجنّب المشروع قضاء التحقيق والنيابات العامة على أساس أن التعيينات في هذه المناصب هي التي تستثير الكمّ الأكبر من التدخّلات والاعتراضات السياسيّة. ورغم هذه المحاذير، لم يتسنَّ لهذا المشروع أن يعبر بوّابة وزارة العدل، بحيث رفض وزير العدل أشرف ريفي تمريره من دون أن يُعلم المجلس أسباب ممانعته له. ومن المعلوم أن قانون القضاء العدلي يضع آليةً محددةً لإنجاز التشكيلات، يقوم مجلس القضاء الأعلى بموجبها بوضع مشروعها الأوليّ ويكون لوزير العدل إبداء ملاحظات عليه، فيوافق المجلس عليها إذا أراد وله أن يتجاوزها في أي حين ليضع مشروعها النهائي بأكثرية سبعة من أعضائه على الأقلّ. الا أن ممارسة المجلس لهذه الصلاحية قلما أثمرت، طالما أنه يتعين في نهاية المطاف إصدار المشروع بموجب مرسوم يوقعه رئيسا الجمهورية والوزراء والوزراء المعنيون، مما يسمح لأي من هؤلاء تعطيله. وانطلاقا من ذلك، ومع تنبيه القارئ الى عدم اطلاعنا على مضمون المشروع، يهمنا تدوين الملاحظات الآتية:

-         أنه بمعزل عن أيّ اعتبار، يندرج تعطيل المشروع ضمن ظاهرة التأخُّر في تعيين خريجي المعهد الذين يتم إعلان أهليتهم في مناصب قضائية، وهي ظاهرة باتت تستنزف طاقات قضائية ومالية كبيرة نسبياً. فهؤلاء غالبا ما ينتظرون سنة وأكثر قبل صدور مرسوم تشكيلات يشملهم. وهذا ما عانى منه خرّيجو دفعات قضائية عدة، انتظر بعضهم ما يقارب الأربع سنوات بين 2005 و2009 قبل توليهم مناصب قضائية. وهم خلال فترات الانتظار هذه ربما يؤدون أعمالا إستشارية في وزارة العدل، لكن تبقى طاقاتهم القضائية الأساسية، ومعها رواتبهم، مهدورة. وما يزيد الأمر قابليّة للانتقاد، هو أن هذا الخلل يحصل في وقت تبدو فيه المحاكم أحوج ما تكون الى طاقات جديدة لتخفيف ثقل الملفات المتأخرة. وتاليا، وأمام هذا الواقع المفجع والمتكرّر، ثمّة ضرورة ماسّة لإيجاد أصول تضمن تعيين خريجي المعهد في مناصب قضائية، بحيث تبدو مسؤولية تعطيل تعيينات مماثلة مضاعفة. فالمسألة لا تكون في هذه الحالة مسألة اختلاف حول الأحقية في مناصب معينة، إنما تكون مسألة تعطيل للقضاء وهدر لطاقاته.

-         الملاحظة الثانية تتصل بالمسؤولية عن تعطيل هذه التشكيلات. فبمعزل عن مضمون المشروع وما قد يتضمنه من إشكالات، يبدو الخطأ واضحاً في إعراض وزارة العدل عن إستكمال المسار الطبيعي للمشروع. فلا هي وافقت عليه، ولا هي أرسلت ملاحظات عليه الى مجلس القضاء الأعلى، فأجهضتْ بذلك المشروع برمته مع ما يستتبعه من هدرٍ لطاقات قضائية ومالية نحن بأمسّ الحاجة اليها وفقا لما أشرنا إليه أعلاه. وما يزيد الأمر سوءاً هو تكتم الوزارة على أسباب رفضها، فلا يتسنى لمجلس القضاء الأعلى تصويب المشروع في حال تضمنه شوائب ولا للرأي العام تكوين قناعاته حول مسؤولية التعطيل والهدر.

بقي أن نُشير أخيراً الى أنّ نظام التشكيلات المعمول به حاليا يستدعي إصلاحاً واسعاً، مثله مثل جوانب عديدة من قانون تنظيم القضاء العدلي. ويقتضي أن يشمل هذا الإصلاح تكريس مبدأ عدم نقل القاضي الا برضاه ووضع آليات لتقييم القضاة وتعديل كيفية تكوين مجلس القضاء الأعلى في موازاة تمكينه من وضعها وإصدارها، بمعزل عن وزارة العدل ومن دون حاجة الى مرسوم. ولكن هذه مسألة أخرى يُبحث فيها على حدة.         

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية