لا تحتاج الى جهد كبير لإثبات مدى تعارض المحكمة العسكرية مع مبادئ المحاكمة العادلة. فالعدالة هناك يلفظها ضباط، ولغتهم هي لغة عسكرية: "نعم" أو "لا" ولا ثالث لهما، هكذا ومن دون حاجة الى أي تعليل أو تفصيل. وغرف المحاكم يرأسها ضابطٌ ذات رتبة أعلى من رتب الضباط المستشارين فيها، مما يجعلها أقرب إلى فصيلة لها آمر. ورغم ذلك، ثمّة صعوبة بالغة في تكوين قوّة اجتماعيّة لإعلان انتهاء مدّة صلاحيّتها. ولهذا الواقع طبعاً تفسيرات سياسية عدة، من قبيل أنّ فريقاً سياسياً (8 آذار) يدعم هذه المحكمة وأنّ أيّ مسعى الى الغائها لا بدّ أن يصطدم بجدار التوافق. إلا أن هذا التفسير ليس مقنعاً تماماً، ليس فقط لأن هذه المحكمة سجّلت وما زالت تسجّل مجاملات لخصوم 8 آذار، لكن أيضاً لأن الباب يبقى موصداً أمام أيّ إصلاح في هذا المجال، حتى ولو بدا مجرّدا من أيّ بُعدٍ سياسيّ. فأيّ مصلحة لقوى 8 آذار مثلاً بأن يُحاكم العسكريّ أو الشرطيّ الذي يُدمي زوجته أمام المحكمة العسكرية وليس أمام المحاكم العاديّة؟ فما الذي يسمح بتمييز أيّ من هذين عن المدنيين في شؤونهم الأسرية والخاصة؟ كما أن التفسير السياسي ليس مقنعاً لأن الخطاب الحقوقيّ –والذي يفترض أن يتطور بمنأى عن حسابات السياسة- ما يزال بدوره خافتاً في هذا المجال، وكأنّما إصلاح هذه المحكمة أو مفهومي إستقلاليّة القضاء والمحاكمة العادلة، مسائل ليست من ضمن أولوياته.

ولكن، ماذا يحصل في حال أخذت المحكمة العسكرية نفسها المبادرة، فلم تنتظر من يُعرّيها إنما سارعت من تلقاء نفسها الى نزع أوراق التين عنها، كما حصل في قضية ميشال سماحة؟ ماذا يحصل اذا كشفت هذه المحكمة بنفسها وبشكل جليّ ليس فقط عن نقص ضمانات المحاكمة فيها، انما أيضاً عمّا يستتبع ذلك من نقص مناعة لديها في مكافحة الجرائم الخطِرة وفي مقدمتها الإرهاب؟ فماذا نفعل اذ ذاك؟ هل نُغمض أعيننا وكأننا لا نرى لأننا لا نريد أن نرى، أو نتذرّع بقدسيّة الأحكام القضائية للتمنّع عن انتقادها، في موقف مبدئيّ من شأنه في حال مماشاته أن يحوّل أصحاب الإختصاص الى شهود زور؟ أم على العكس من ذلك تماماً، نسارع الى التقاط صور العريّ هذه، الى توزيعها، الى تحليلها، أملاً بأن تسهم في تطوير الوعي بعيوب هذه المحكمة وتالياً بتعزيز المقاومة إزاء استمرارها على هذا الوجه؟ وفي حال انتهاج هذا المسار، سرعان ما سندرك أنّ ميدان هذه المقاومة لا يقتصر على القضاء العسكري. فالى جانب ما تطرحه قضية سماحة من تساؤلات حول مدى ملاءمة وضع ميزان العدل في أيادي ضباط، فانّها تطرح قبل كل شيء مسألة التدخل في القضاء والتعرّض لاستقلاله والذي بات ينخر هياكله ومختلف اختصاصاته.

ومن هذا المنطلق، نخصّص في هذا العدد سلسلةً من المقالات التي تُعنى بشروط المحاكمة العادلة داخل القضاء العسكري وبتمدّد أذرعته واختصاصاته، من دون أن نهمل الأبعاد الأخرى لقضية سماحة وما تطرحه من أسئلة أكثر عمقاً ممّا تصوّره وزارة العدل. فالمطالبة بحصر صلاحيات القضاء العسكري في القضايا العسكريّة البحتة، تنقصها المصداقية في حال تصرّفت وزارة العدل وكأنها لا ترى ولا تسمع ما يجري من تدخّلات في القضاء وضغوط عليه، وبعضها يتمّ من أهل البيت نفسه.

وعلى صعيد آخر، يتناول هذا العدد مسائل أخرى يفرض فيها الأمن تشريعاته الخاصّة، تشريعات تتعارض مع الحد الأدنى من المكتسبات الحقوقية والمنطق الحقوقي. وهذا ما نقرؤه من خلال تخويل الأمن العام نفسه رفض تنفيذ الأحكام القضائية المبرمة (قضية الإفراج عن السودانيين الستة) من دون اي مبرر، أو من خلال مبادرته لاستصدار التعميم الذي يصحّ تسميته تعميم الاستعباد.

فاذ أوجب هذا التعميم على أصحاب العمل التعهد بفرض رقابة على العلاقات الحميمية للعاملين والعاملات الأجانب لديهم والإبلاغ عن أي جديد في هذا الخصوص بما ينذر بتطور نظام big brotherفي الحيز الخاص، فان وزارة العدل أصدرته بناء على طلب الأمن العام ووجهته لجميع الكتّاب العدل من دون أي تعديل. فأذعن غالبية هؤلاء له في ظلّ ممانعة جدّ محدودة لم يحوّلها أي منهم الى مادة إعتراض أو نقاش. فماذا يحصل الآن بعدما تحرّكت منظمات حقوقية لإلغاء هذا التعميم مفنّدة الانتهاكات التي يتضمنها؟ هل تنكفئ وزارة العدل متراجعةً عنه؟ هل يعلن مجلس كتّاب العدل رفضه له دفاعاً عن شرف مهنتهم وصوناً للإنتظام العام؟ أسئلة كثيرة تنذر باستباحة الأمن لمنطق الحق، استباحة يُرجى أن تكون من دون غدّ.  

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية