مع مراجعة الأحكام الصادرة عن مجالس العمل التحكيمية في كل من بيروت، الشمال وجبل لبنان خلال الأشهر الستة الأولى لعام 2014، تبين لنا أن 11.73%(23) من الاحكام ال 196 الصادرة تم ردها لعدم الاختصاص بعدما اعتبر النزاع جماعيا. اللافت أن الطرف المدعى عليه في هذه الاحكام كان إدارة عامة: فمن بين هذه الدعاوى، هناك احدى عشرة دعوى مقامة بوجه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي واثنتي عشرة بوجه مؤسسة كهرباء لبنان. والمطلب هو مشترك بين جميع المدعين وهو احتساب الساعات الاضافية المشغولة خلال الاعوام 96،97،98، على فروقات سلسلة الرتب والرواتب المستحقة وتسديدها.  

الامر الثاني الذي يستوقفنا في هذه المسألة هو اقدام مجموعة من الموظفين في تاريخ سابق لتاريخ توجههم الى مجلس العمل التحكيمي، باللجوء امام اللجنة التحكيمية لحل نزاعات العمل الجماعية في وزارة العمل عام 2009 مطالبين بالأمر عينه: احتساب ساعات عملهم الإضافية على فروقات سلسلة الرتب والرواتب. صدر اذ ذاك قرار اللجنة التحكيمية عام 2011 برد الدعوى لأن اللجنة وجدت أن النزاع فردي وليس جماعيا. واعتبرت اللجنة في قرارها أن "المصلحة الجماعية هي المصلحة النموذجية (interets types) التي لا تفرق بالضبط بين المستفيدين منها كائنا من كانوا، حاضرين أم مستقبلين". وتتابع اللجنة و"لكي يصبح نزاعا ما نزاعا جماعيا، ليس عليه ان يكون مكوّنا من عدد من الطلبات الفردية بل يجب ان يتناول مصالح نموذجية لا تفرق بين المستفيدين منها والا أصبحت الخلافات الجماعية مجموعة من الخلافات الفردية". اما مجلس العمل التحكيمي في بيروت فاستخدم الى حد ما التعليل عينه ليعتبر ان النزاع نزاع جماعي يستوجب الرد، حيث نقرأ في أحد الاحكام الصادرة عنه: "وحيث ان موضوع النزاع بالشكل المطروح يتناول مصلحة جماعية تتعلق بتفسير كل من المرسوم 2444 والقانون رقم 63، وحيث أن الجهة المدعية أقرت بأن مجموع الدعاوى التي تقدمت بها بذات موضوع الدعوى الراهنة قد تجاوز الأربعمائة دعوى موزعة على هيئات المجلس كافة، وحيث أنه من الثابت أن أحد طرفي النزاع مجموعة من الأجراء فيكون بالتالي النزاع جماعياً".

فتبرز هنا الإشكالية الأساسية الكامنة في تقاذف المسؤوليات بين مجالس العمل واللجنة التحكيمية عبر تكييفهم لطابع النزاع والذي يؤدي في نهاية المطاف الى المماطلة في تكريس حقوق العمال. ففي قضية موظفي شركة الكهرباء، حُسم الخلاف عبر وساطة بين الموظفين والشركة، حصل البعض منهم على "ما لا يتجاوز ال 75% من حقهم" ويبدو أن البعض الآخر حاز على حقه كاملاً.

هذا وكانت أفادتنا مصادر مطلعة في وزارة العمل بأن اللجنة التحكيمية لحل نزاعات العمل الجماعية لم تجتمع منذ أواخر العام 2014 وأنها لم تتلقّ طيلة هذا العام أي دعوى. كما أفادتنا بأن عملها معطل منذ ستة أشهر بسبب استقالة رئيستها القاضية رولا الحسيني. كما علمنا أن معظم الدعاوى يصار الى ردها بسبب عدم الاختصاص أي اعتبار النزاع نزاعاً فردياً.

أمام هذا الواقع أصبح فتح النقاش حول تحديد الاختصاص وتكييف طبيعة النزاع مسألة بالغة الأهمية خاصة انها تمس بحق الفرد بالتقاضي. فينتظر المتقاضون سنوات طويلة ليتم اعلامهم في نهاية المطاف ان المرجع القضائي غير مختص بالنظر بالدعوى او حتى ليتم تجريدهم من حقهم في التقاضي (مثل ما أشرنا اليه أعلاه في قضية موظفي شركة الكهرباء حيث اعتبرت اللجنة ان النزاع فردي بينما اعتبر المجلس أن النزاع جماعي). وما يزيد هذا الاشكال حضورا هو عدم وجود أي مرجع من شأنه حل الخلاف الحاصل حول المرجع المختص للنظر في القضايا المطروحة. 

نشر في العدد الثامن و العشرين من مجلة المفكرة القانونية