بتاريخ 24-9-2014، أقرّت لجنة الصحّة العامة والعمل والشؤون الإجتماعية اقتراح قانون يرمي الى تأمين الرعاية الصحية الى الأشخاص اللبنانيين المضمونين الذين توقفوا عن العملبصورة نهائية بعد بلوغهم سن نهاية الخدمة. وقد أحيل الاقتراح بعد ذلك الى لجنة الإدارة والعدل. وتوسيع نطاق الرعاية الصحية، كما غيرها من الضمانات، لتشمل الأشخاص الذين يبلغون سن التقاعد،هي استجابة جزئية للتوجهات لا بل للالتزامات الاجتماعية والصحية المفروضة على الدولة تأمينا "لحق كل شخص في مستوى لائق من المعيشة لتأمين صحته وسعادته وصحة وسعادة عائلته، وصونا لحقه في الضمان ... "، وهي استجابة جزئية لما نص عليه قانون الضمان الاجتماعي، لاسيما في المادة 12 منه التي نصت على "وجوب اصدار قانون خاص يحدد شروط تطبيق نظام الضمان الاجتماعي، أو بعض فروعه، بصورة الزامية على الأشخاص الذين لم يخضعوا بعد لأحكامه ...". وهذا المقال يهدف الى تصويب بعض جوانب هذا الاقتراح. ومن أبرز الملاحظات عليه، الآتية:

1- وجوب الرجوع عن استثناء أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة:

- ان الاشخاص المستثنين من الخضوع الفوري لهذا القسم المستحدث هم افراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة، ربما لأنهم لا يخضعون لكافة الفروع. اما سائر الفئات الأخرى كالسائقين العموميين والأطباء المتعاقدين والمختارين والطلاب، فأوضاعهم مختلفة وتُرك إخضاعهم الى هذا النظام الى تواريخ لاحقة تُحدَّد بمراسيم تصدر عن مجلس الوزراء.

- والواقع أن صناديق الفروع الثلاثة المطبقة حاليا في الضمان الاجتماعي، (المرض والامومة، التقديمات العائلية وتعويض نهاية الخدمة)، هي مستقلة ماليا عن بعضها ولا تداخل بين واردات هذه الفروع وبين تقديماتها، ولا يضخ أي فرع من موارده في فرع آخر الا بصورة اقتراضية ولحين انهاء السنة المالية، مع الاشارة الى أن الفرع الوحيد الذي يساهم فيه المضمون هو فرع ضمان المرض والامومة.

وهذا يبرِّر وجوب إفادة افراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة من هذا النظام لاسيما وأن مهنتهم تتسم بالديمومة والثبات خِلافا للفئات الأخرى، وان هؤلاء يُسدِّد عنهم أصحاب المؤسسات الاشتراكات لفرع المرض والامومة كسائر المضمونين ومن المنطقي أن يكون لهم الأولوية في الخضوع لهذا النظام.

2-  شروط الإستفادة:

يضع الاقتراح عددا من الشروط التي يقتضي تعديلها:
فهو ينص أولا على أن الاستفادة تتم عند بلوغ سن 60 أو 64 مكتملة. ويقتضي اضافة "أو ما يزيد عن هذه السن وتخلى عن العمل المأجور..... " بحيث تشمل الذين يستمرّون في العمل بعد انقضاء هذه السن ثم يتوقفون عن ذلك.

كما ينص على أن لا يكون المستفيد منتسباً الى  نظام تغطية صحية عام آخر. والأصح هو القول: "أن لا تتوفر فيه شروط الخضوع او الإنتساب  الى أي نظام تأمين صحي عام آخر ، أو أن لا يكون له الحق من الإستفادة من تقديماته ".
  
كما ينص على أن تكون له مدة اشتراك فعلي في صندوق ضمان المرض والأمومة لا تقل عن عشرين سنة. وهذا الشرط يشكّل إجحافا بحق هؤلاء الآخرين، لاسيما وأن جميع المضمونين العاملين لم يساهموا مسبقا في تمويل القسم المقترح إستحداثه. وعليه نقترح، وتمثلاً بآليات التعديلات الإجتماعية التي تُطبق في البلدان المتقدمة، وبصورة إنتقالية، ان تخفض مدة إشتراك المضمون عند وضع النظام المستحدث حيّز التنفيذ الى عشر سنوات على الاقل سابقة لتاريخ بلوغه سن نهاية الخدمة، وتضاف هذه المدة سنة لكل سنة لاحقة لغاية عشر سنوات لتبلغ المدة المقترحة في المشروع المقترح .

ويقتضي لفت الإنتباه الى ان قسم الضمان الصحي الإختياري ما زال سارياً قانوناً وفعلياً، وهو يمنح المضمون الذي ترك العمل المأجور حق الانتساب الى هذا القسم خلال ثلاثة اشهر تسري من تاريخ تركه العمل ودون إشتراط مدة إشتراك سابقة.
 
3- عدم معالجة أوضاع الاشخاص بالغي سن نهاية الخدمة الذين يعودون الى العمل المأجور:

 لم يتطرق إقتراح القانون الى كيفية معالجة أوضاع الأشخاص بالغي سن نهاية الخدمة، الخاضعين للقسم المستحدث الذين يعودون الى العمل المأجور، علما بأن هؤلاء سيخضعون كسائر المضمونين العاملين لفرع ضمان المرض والامومة والتقديمات العائلية، وتسري عليهم الاحكام ونسب الإشتراكات المترتبة عليهم وعلى أصحاب عملهم. وكان من الأسلم ايراد نص لمعالجة هذه الحالات في مشروع  القانون  المقترح.
 
4-  التمويل والإشتراكات :

الإشتراكات: حُدِّدت بحيث تتوجب كالتالي :  
أ‌- الاجراء والأشخاص العاملين الخاضعين لهذا النظام، وأصحاب عملهم، والدولة،
نسبة الاشتراك  3% منالكسب الخاضع للاشتراكات توزع بينهم بالتساوي
 
ب- المتقاعدين، نسبة إشتراكهم بالمعدل العادي (9%) من دخل مقطوع يساوي الحد الأدنى الرسمي للأجور.

ج - تطبق مساهمة الدولة المنصوص عليها في المادة 73 من قانون الضمان الاجتماعي على تقديمات المتقاعدين.
كما نص مشروع القانون في الفقرة 7 على أن "يكون لهذا النظام محاسبة مستقلة في نطاق صندوق ضمان المرض والأمومة"
وفي هذا النطاق نُبدي الآتي:

- لم يتح لنا الإطلاع على الدراسة الاكتوارية اللازمة لتحديد الإشتراكات، لِذا يتعذر  علينا إبداء الملاحظات بشان التمويل والإشتراكات ونِسَبِها،

- لم يعالج المشروع حالات العجز التي قد تطرأ على مالية هذا النظام وآليات تغطيته  باستثناء اللجوء الى تعديل نِسَب الإشتراكات والدخل. وهذا يُشكل تهديداً لديمومة هذا النظام ولإمكانية المتابعة فيه مستقبلاً ولمدى قدرة المعنيين به من مضمونين ومتقاعدين وأصحاب عمل على تحمُّل نِسب أشتراكات إضافية تغطي العجز المحتمل، وكان من الأسلم  عطف ما ورد في الفقرة 7  المتعلقة بالمحاسبة المستقلة لهذا النظام على أحكام المادة 66 من قانون الضمان الإجتماعي التي تتضمن أليات معالجة حالات زيادة مصاريف الفروع عن وارداتها.

- وكمثل الانظمة الصحية والتأمينية المطبقة في سائر البلدان الأجنبية، ومن بينها العربية تحديداً، كان يقتضي النص على إجراء دراسة اكتوارية كل ثلاث او خمس سنوات لهذا النظام وكل ما دعت الحاجة تلافياً لأي مفاجآت مالية غير مرتقبة .
                          
5-  تحصيل الاشتراكات
لم يعالج إقتراح القانون آلية استيفاء الإشتراكات والحالات التي يتخلّف فيها المضمون عن  تسديد المتوجب عليه.
 
6- مدى تعارض مشروع القانون مع قسم الضمان الصحّي الإختياري
لم تتعرَّض أحكام إقتراح  القانون الى قسم الضمان الصحِّي الإختياري الذي ستبقى أحكامه متاحة للاشخاص غير الخاضعين لاحكام القانون المقترح، وكذلك للأشخاص الخاضعين لهذا المقترح إنما يتركون العمل قبل بلوغهم سن ال60، كذلك للأشخاص الذين لم يشتركوا في النظام المقترح مدة عشرين سنة،

مع الإشارة الى أن قسم الضمان الصحِّي الإختياري لا يُحمِّل صاحب العمل أي عبءٍ مالي، ولا يُحمِّل المضمون سوى إشتراك ضئيل نسبياً عند الإنتساب ولا يُحمِّله أي إشتراك وهو على رأس عمله.
 
7-  آليات تطبيق أحكام القانون
بموجب قرارات تصدر عن مجلس إدارة الضمان الإجتماعي تُصدَّق من سلطة الوصاية دون حاجة الى مراسيم، اوإلى أنظمة قد تحتاج الى رأي مجلس شورى الدولة.

وهنا نرى وجوب تمتين النص القانوني وتفصيل مواده لاسيما تلك المتعلقة بالملاحظات والإقتراحات التي أوردناها أعلاه منعاً للإلتباسات وتلافياً للمراجعات القضائية وتخفيفاً من التفسيرات.

نشر في العدد الثامن والعشرين من مجلة المفكرة القانونية