نعرض في ما يلي تفاصيل قضايا عُرضت على مجلس العمل التحكيمي في كلا من طرابلس وبيروت أو ما تزال معروضة عليه في العامين 2014 و2015، في نية منا بتسليط الضوء على الدور الذي يلعبه مفوض الحكومة لدى مجالس العمل التحكيمية وكيفية مقاربته للقضايا العمالية والاجتماعية. القضايا التي نتناولها هنا ترتبط بفئتين مختلفتين من العمال: الأولى، بعاملات في الخدمة المنزلية اللواتي يواجهن حججا تصل الى حد الغاء حقهم بالتقاضي أو بالانتصاف القانوني والثانية، بعمال جباة وقراء الاكراء في شركة كهرباء قاديشا (شمال لبنان) والذين يواجهون إصرارها على عدم تسجيلهم ودفع ما يتوجب عليها من اشتراكات للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وبالطبع، هذه المسائل (عدم التسجيل في الضمان الاجتماعي أو التخلف عن تسديد الأجور) ليست محصورة بهاتين الفئتين من العمال فقط، بل تواجهها فئات مختلفة من العاملين في لبنان، سواء كانوا متعاقدين مع الدولة أو مع شركات ومؤسسات خاصة[1]أو مع أصحاب المهن الحرة[2].

والمشترك بين هذه القضايا يكمن في الموقف المتخذ من مفوّض الحكومة والذي يصل الى حد التنكر لحق العمال بالتقاضي للمطالبة بحقوقهم بحجج وعناوين مختلفة. وبالطبع، أمام هذه المطالعات، يجدر التساؤل عن منطلقات مفوّضي الحكومة ودورهم الاجتماعي وبأيّة حال فتح نقاش عامّ بهذا الشأن. فمن هم مفوضو الحكومة؟ وهل يقتضي بهم أن يعكسوا في أعمالهم منطلقات قانون العمل الذي تقوم فلسفته على وجوب اعادة بعض التوازن الى علاقة مختلّة واقعيا بفعل القوة الاقتصادية لصاحب العمل؟ وهل يتعين عليهم التزام حيادية مطلقة في تفسير القانون والقواعد المطبقة بمنأى عن أي خيارات اجتماعية، أم على العكس العمل على تطوير اجتهادات أو على الأقلّ اعتماد القراءات الفقهية أو الاجتهادات الأكثر ضمانا لحقوق الأجراءـ أقله لحقوقهم بالتقاضي والانتصاف القانوني؟

وما يزيد هذه التساؤلات الحاحا هو ارتباط عمل مفوضي الحكومة بخيارات وزارة العمل وتوجهاتها. وهذا ما نقرؤه في المرسوم رقم 662 الصادر في 2-6-1983 بخصوص "اعتماد توجيهات وزارة العمل لجهة موقفها بالنسبة لتفسير القوانين والمراسيم التطبيقية". ويستنتج إذاً أن وزارة العمل تعدّ الى حدّ كبير مسؤولة عن حسن أداء  مفوّضي الحكومة ومواقفهم القانونية، طالما أن لها سلطة توجيههم، وهو الأمر الذي يسمح بتوسيع اطار النقاش  ليتعدّى دور مفوضي الحكومة الى دور وزارة العمل ككل.

ومن شأـن التدقيق في هذه المطالعات أن يسهم في تزويد النقاش بمادة قانونية نرجو . 
 
الفئة الأولى من المطالعات: ليس للعاملة أي حق بالتقاضي أو بالتعويض مهما تكبدت من أضرار   

هنا، نتناول قضايا عاملات في الخدمة المنزلية.

القضية الأولى، التي نود تفصيلها، هي قضية عاملة من الجنسية الأثيوبية. اضطرت هذه العاملة أن تترك في 2010 مكان عملها (منزل صاحبة عملها) لتلجأ الى قنصلية بلادها بسبب عدم تسديد أجورها طيلة سنة كاملة، بالإضافة الى تعرضها للتحرش من قبل ابن صاحبة العمل. ويشير محضر التحقيق الذي أجرته المديرية العامة مع العاملة انها كانت تعيش في ظروف صعبة حيث كانت صاحبة العمل ترغمها على النوم على الشرفة طيلة أشهر السنة. وكما جرت العادة في حالات مماثلة، ادّعت صاحبة العمل على العاملة على خلفية "فرارها" متّهمة اياها بسرقة مبلغ ألفي دولارا أمريكيا من جيب معطفها.

وقد دُوّن في محضر مديرية الأمن العام أن العاملة طلبت منها "مساعدتها لتحصيل اجوري كاملة واغراضي الشخصية وتنازل لصالح كفيل جديد كوني ارغب بالعمل لتحصيل المال واذا لم يحصل ذلك ارغب بالعودة الى بلادي والادعاء على المدعي XXX(ابن صاحبة العمل) بجرم التحرش وعلى كفيلتي بعدم دفع أجوري والمعاملة السيئة وأطلب ابقائي لدى رابطة كاريتاس حتى حل قضيتي".

وتبعا لترحيلها على خلفية رفض صاحب العمل التنازل عنها لوكيل آخر، تقدم وكيل العاملة باستحضار أمام مجلس العمل التحكيمي في بيروت. وقد طالب في هذه الدعوى باعتبار العقد مفسوخا على مسؤولية المدعى عليها والزامها بأن تدفع لها مبلغ 23340 د.أ عن اجورها المستحقة بالإضافة الى تعويضات تمثل بدل انذار، تعويض صرف، بدل صرف تعسفي بالإضافة الى بدل العطل والضرر. وبفعل استثناء العمل المنزلي من قانون العمل (مادة 7)، أسند وكيل العاملة مطالبه على نصوص قانون الموجبات والعقود، وذلك على اعتبار ان العلاقة التي تجمع العاملة بصاحبة العمل، هي علاقة عمل تعاقدية وفق تعريف المادة 624 من قانون الموجبات والعقود[3]، وأن المادة 656 منه تتيح للعامل الحصول على تعويض من جراء الفسخ بالنسبة الى علاقات العمل التي تخضع له.

وقد جاءت مطالعة مفوض الحكومة لدى مجلس العمل التحكيمي في بيروت والمؤرخة في 30-10-2013 صادمة تماما. فقد رأى مفوض الحكومة أن استثناء العمال والعاملات في الخدمة المنزلية من أحكام قانون العمل يمنعهم من المطالبة بالتعويضات، فنقرأ "حيث أن المدعية تعتبر عاملة بالخدمة المنزلية أي من فئة الخدم غير الخاضعة لأحكام قانون العمل اللبناني، فانه ينتفي حقها تبعا لذلك للمطالبة بالتعويضات التي تطالب بها ما يقتضي معه رد طلبها حول هذا الأمر". وهو بذلك أغلق الباب بشكل كامل أمام منحها أي تعويض رغم كل ما قد تكبّدته من أضرار جسيمة، بل رغم أن بعض الأخطاء المرتكبة بحقها بلغ مرتبة الاتجار بالبشر. وهذه المطالعة تخطئ في محلين: أولا، أنها سهت عن مواد قانونية صريحة تجيز للعامل الحصول على تعويض من جراء الفسخ بالنسبة الى علاقات العمل التي تخضع لقانون الموجبات والعقود وثانياً، أنها سهت عن مبدأ قانونيّ أساسيّ مفاده أنه يترتب على كل من يسبب ضررا للغير أن يعوض عليه. والأخطر من ذلك، يؤشّر استناد مفوض الحكومة الى استثناء قانون العمل للعاملات من حمايته لحرمانهن من حقهن بالتعويض الى توجه خطير في توسيع اطار هذا الاستثناء ليحرمهن ليس فقط من حماية قانون العمل، بل من حماية القانون بمعناه الواسع.

وفي الاتجاه نفسه، نقرأ مطالعتين أخريين تم رصدهما سابقا في هذا المجال، وهما تكشفان أوجها أخرى من انكار حق التقاضي:

الأولى، مطالعة لمفوض الحكومة أمام مجلس العمل التحكيمي في طرابلس وقد اعتبر فيها أن مجلس العمل التحكيمي غير مختص للنظر في قضايا عاملات المنازل، على أساس أن العمل المنزلي مستثنى من حماية قانون العمل. وما يزيد قابلية هذه المطالعة للنقد عو أنها تناقض بشكل مباشر اجماعا فقهيا واجتهاديا في هذا المجال[4].    

الثانية، مطالعة لمفوّض الحكومة لدى مجلس العمل التحكيمي في ....، وقد اعتبر فيها العاملة التي "فرّت" من منزل أصحاب العمل مسؤولة عن فسخ العقد رغم أنه لم يسدّد لها أيّ أجر طوال أشهر[5]. وهي مطالعة تؤدّي عملياً الى انكار حقّ العاملة بالتوقّف عن العمل رغم توقّف صاحب العمل عن تسديد أجورها، أي الى انكار ما هو حق بديهيّ بالدفاع عن النفس.   
 
المطالعة الثانية: ليس لأجراء كهرباء قاديشا منذ 20 سنة الاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي

تقدم أحد المنتسبين الى نقابة جباة وقراء الاكراء في الشمال بدعوى فردية بوجه شركة كهرباء لبنان–قاديشا أدلى فيها أنه يعمل لديها منذ العام 1994 وأن الشركة تقاعست عن تسجيله لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتاليا عن دفع الاشتراكات المتوجبة عليها. وكانت النقابة قد تقدمت قبل ذلك بسنتين بدعوى بوجه الشركة نفسها مطالبة بإلزامها بتسجيل أعضاء النقابة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقرر المجلس بهيئته السابقة تكليف أعضاء النقابة المدعية بالتقدم كلا على حدة، بدعوى منفردة.

وقد جاءت هنا أيضا مطالعة مفوّض الحكومة صادمة. ففي موقف مجافٍ للقرار السابق بتكليف أعضاء النقابة بالتقدم بدعاوى فردية، رأى أن الادعاء المساق من قبل النقابة يتعلق بنزاع جماعي يخرج من اختصاص مجلس العمل الذي له الصلاحية بالنظر بنزاعات العمل الفردية (...)، مما يوجب وفق مطالعته ردّ الدّعوى شكلاً لبطلان الاستحضار المقدّم من المدّعي لأن ما بني على باطل هو باطل. وبدت مطالعته وكأنها تشكّل مسعًى لنقض حقّ التقاضي، بحيث ينسف حق عضو النقابة بالتقدم بدعوى فردية بعدما نسف حق النقابة بالتقدم بدعوى جماعية. وامعانا في موقفه المؤيد لشركة قاديشا، صرح مفوض الحكومة بأنه بعد الاطلاع على عقد العمل الموقع بين المدعي والمدعى عليها، فانه يوافق شركة قاديشا الرأي بأن هذا العقد لا يمكن اعتباره عقد عمل بل "عقد التزام صناعة" وذلك لأن بنود العقد "أعطت حيزاً كبيراً من الحرية للمدعي" من حيث عدم تقيده بدوام محدد او طريقة جباية معينة وهو "يخلو من أي سلطة مباشرة تمارسها الشركة على المدعي".

واللافت هنا أن مجلس العمل التحكيمي في هيئته الجديدة دحض في 3-4-2015 ما ورد من تعليل في مطالعة مفوّض الحكومة، لينتهي الى الزام الشركة بتسجيل المدعي في الضمان الاجتماعي. وقد أدى حكمه الى تظهير عيوب مطالعة مفوض الحكومة بشكل جلي. وللوصول الى هذه النتيجة، اعتبر المجلس أن النزاع بين المدعي والمدعى عليها لا يمكن وصفه بالجماعي لعدم تحقّق الشروط المطلوبة وهي أن يكون أحد طرفي العقد نقابة بعد حيازتها على تفويض خاصّ من الأجراء المنتسبين اليها.كما تطرق المجلس الى عناصر العقد المبرم بين الطرفين لتحديد طبيعة العقد.واعتبر أن الزامية الحضور الأسبوعي الى مركز المدعى عليها وعدم السماح للمدعي أن يكلف غيره بالقيام بعمله بالإضافة الى مسؤوليته (المدعي) تجاه الشركة عن مخالفة شروط العقد والأنظمة والقوانين المعمول بها عند هذا الأخير، تؤكد تبعية المدعي القانونية والاقتصادية للشركة مما يجعل من العقد المبرم بينهما عقد عمل. فنقرأ "في ظل وجود البنود الصريحة والملزمة المشار اليها في العقد، فإن أية بنود أخرى فيه تجيز للفريق الثاني ممارسة عمله بحرية تضحى دون مفعول ومن قبيل التمويه ولستر حقيقة وجوهر العقد". وبنتيجة ذلك، اعتبر المجلس ان المادة 77 من قانون الضمان الاجتماعي تخضع أصحاب العمال لمراقبة صندوق الضمان الاجتماعي الذي عليه "التفتيش عن الاجير غير المسجل لتسجيله"[6]. لا بل ذهب القاضي أبعد من ذلك، فأقرّ بالرابط الوثيق بين الاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي وكرامة الفرد مؤكدا أنه "حق انساني دستوري". فنقرأ "وحيث لا مجال للشك في أن عدم تسجيل الأجير أو التوقف عن نفعه من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سواء لناحية فرع المرض والأمومة او تعويض نهاية الخدمة يحول دون تمكينه من صون صحته وصحة من هم بعهدته عبر حجب أو الحد من إمكانية تأمين الطبابة والاستشفاء له او توفير الحد الأدنى من معيشته في شيخوخته فيعرضه للمس بسلامته وفي كرامته الإنسانية". وقد استند في تحليله هذا الى قرارات صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان. وعليه، وبعد سبع سنوات، وبخلاف رأي مفوض الحكومة، أصدر مجلس العمل التحكيمي أخيرا حكمه بإلزام الشركة بتسجيل جباة الاكراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

نشر في العدد الثامن والعشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1]سارة ونسا، مجلس العمل التحكيمي في لبنان يكرس حق نقابي فصل تعسفاً..خلال أقل من شهرين، المفكرة القانونية، العدد الرابع والعشرين، كانون الثاني 2015.
[2]سارة ونسا، نقابة لعمال البناء في زغرتا: تجربة جديدة سعياً لتنظيم سوق العمل، المفكرة القانونية، العدد الخامس والعشرين، شباط 2015.
[3] تنص المادة 624 من قانون الموجبات والعقود :"اجارة العمل او الخدمة، عقد يلتزم بمقتضاه احد المتعاقدين ان يجعل عمله رهين خدمة الفريق الآخر وتحت ادارته، مقابل اجر يلتزم هذا الفريق اداءه له...".
 
[4]سارة ونسا، حكم قضائي يقر حق عاملة منزلية بأجورها....، مذكور أعلاه.  
[5]سارة ونسا، المفكرة تدشن مرصدا لقضايا عاملات المنازل أمام القضاء: العاملات أمام مجالس العمل التحكيمية في بيروت وبعبدا، المفكرة القانونية، العدد التاسع، أيار 2013.
[6]العبارة واردة في متن الحكم.