خضع لبنان لمراجعة شاملة لأوضاع حقوق الانسان فيه أمام اللجنة العربية لحقوق الانسان، وذلك في الدورة السابعة لأعمالها المنعقدة يومي 27 و28 نيسان/أبريل الماضي، في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة.

وكانت لافتة جداً المنهجية المعتمدة من قبل الوفد الممثل للدولة اللبنانية والذي عمد في أكثر من موقف الى الدفع الى الواجهة والاستفادة من تجارب تعمل الدولة اللبنانية جاهدةً على محاصرتها في الداخل، كاجتهادات رائدة لبعض القضاة، أو انتصارات للمجتمع المدني صعّبها تخاذل الدولة نفسها.
فقام رئيس الوفد، مندوب لبنان الدائم لدى جامعة الدول العربية السفير خالد زيادة، وخلال عرضه للتقرير اللبناني بإبراز "حق الموظفين العامين بالتجمع" كما تظهره تجربة هيئة التنسيق النقابية في مسألة سلسلة الرتب والرواتب، كإحدى بوادر تطور حقوق الانسان في لبنان، بينما لا تزال تحد في الواقع من حريتهم في التجمع والاضراب أحكام نظام الموظفين العامين لا سيما المادة 15 منه، والتي تعتمد الدولة عليها للتضييق على حريتهم في هذا المجال.

على صعيد آخر قام الوفد بتقديم المعونة القضائية على أنها احدى ضمانات الحق بالوصول الى العدالة، مع العلم أن لبنان لا يمتلك برنامج مساعدة قضائية رسمياً، حيث أتت الإشارة اذاً الى نظام المعونة القضائية الموضوع من قبل نقابة محامي بيروت أي من خارج المؤسسات العامة.
لكن الأبرز كان إشارة الوفد، عند بحث الحق بالمساواة بين المرأة والرجل، الى "القرار الجريء لمحكمة الدرجة الأولى في جديدة المتن في حزيران 2009 بالتوسع" في تفسير النصوص تسهيلاً لمنح المرأة أولادها الجنسية، في حالة كان فيها الزوج متوفياً. وتغاضى بالطبع الوفد عن ذكر التهميش والتضييق الكبير الذي تعرض له القاضي جوني قزّي رئيس المحكمة آنذاك، وصولاً الى نقله من رئاسة محكمته في جديدة المتن إلى مركز مستشار في إحدى غرف محكمة التمييز، على نحو رآه الكثيرون بمثابة عقوبة له ووسيلة لإبعاده عن سلطة القرار ووضع حد بالتالي لهذا الاجتهاد التوسعي. غير أن الوفد لم ينس التذكير بأن هذا الحكم فُسخ في الاستئناف من قبل محكمة "مشكلة بالمناسبة من 3 نساء" لتجاوزه النص الواضح.

كما ذكّر الوفد بقرار مجلس شورى الدولة في 4-3-2014 الذي كرّس حق ذوي المفقودين بمعرفة مصائرهم، كحق طبيعي لا يقبل أي تقييد، متكتماً طبعاً عن التضييق الذي عرفه القرار اذ امتنعت الدولة عن تنفيذه مما استدعى تحركات إضافية للجنة أهالي المفقودين، قبل رضوخ الدولة أخيراً وتسليمها نسخةً عن تقرير اللجنة المتابعة للملف في أيلول 2014.

ويبقى من ثوابت الخطاب الرسمي أخيراً في هذا المجال التذكير بالزمن الجميل والذي استحوذ على توسّع لا يستهان به في مداخلة الوفد الذي ذكر "بدور لبنان الرائد في مجال حقوق الانسان اذ أن شارل مالك كان من عرّابي وواضعي الإعلان العالمي لحقوق الانسان". وكأن هذا التذكير يمنح الدولة اللبنانية أسباباً تخفيفية في انتهاكها لحقوق الانسان.

نشر في العدد الثامن والعشرين من مجلة المفكرة القانونية