قليلة هي الأحكام التي صدرت عن مجالس العمل التحكيمية في قضايا عاملات المنازل، رغم فداحة الاعتداءات الحاصلة في هذا المجال حيث تبقى الحماية القانونية فيه بحدها الأدنى. ولعل السبب الرئيس لقلة هذه الدعاوى هو أمر من أربعة: (1) لزوم الصمت ازاء الاعتداءات من باب "العض على الجرح" أو "بلع الموس"، (2) ترحيل العاملة بعدما تركت منزل صاحب العمل الأمر الذي يؤدّي الى تسفير مطالبها معها،.(3) اجراء التسوية مع صاحب العمل بأي شروط للحصول على تنازله عن كفالته عنها، أو أيضا (4) غياب المساعدة القانونية. واذ وثّقت المفكرة القانونية عدداً من هذه الأحكام بقبول طلبات العاملات (آخرها الحكم الصادر عن مجلس العمل التحكيمي في طرابلس في 3-12-2014)، فانها تجد اليوم فائدة كبيرة في الاضاءة على ثلاثة أحكام صادرة عن مجلس العمل التحكيمي في صيدا مازن عاصي، آخرها صدر في نيسان 2015.

وما يميز هذه الأحكام هو أنها لم تكتفِ بالزام صاحب العمل بتسديد العاملة أجورها غير المسدّدة، انما ألزمته بتسديد تعويضات عن العطل والضرر الذي أصابها. واذ تبدو المبالغ المحكوم بها في بعض هذه الحالات متدنيّة بالنسبة الى حجم الضرر الذي قد تكبدته العاملات (عدم تسديد أجرها طوال 17 شهرا مثلا)، فانّ هذه الأحكام تبقى مادة تأسيسيّة لتطوّر اجتهاديّ يؤدّي الى رفع كلفة الانتهاكات التي قد يستسهل أصحاب العمل ارتكابها ضدّهن. فتشكل التعويضات المدنيّة المحكوم بها رادعا لها في ظل ضعف الآليات الجزائية في هذا المجال. وقبل أن نعرض حيثيات هذه الأحكام، يتعين لفت النظر الى أن تقييم القاضي للضرر كان يكون مضاعفا لو أنه تسنى للعاملات أن يروين قصصهن أمام محكمته. لكن نظام الكفالة يبقى حتى اللحظة سدّا منيعا أمام تطور روايات من هذا النوع أمام القضاء، وهي الروايات التي باتت تشكل ضرورة لتطور خطاب قضائي يكون على مستوى الانتهاكات المرتكبة (المحرر).

الحكم الصادر في 7-4-2015

عرضت المدعية أنها عملت في منزل المدعى عليها دون أن تنال أجورها بحيث ترتب لها مبلغ 2400 د.أ. وعندما طالبت بهذا المبلغ، تعرضت للضرب المبرح الأمر الذي دفعها الى اللجوء الى رابطة كاريتاس التي أبلغت الأمن العام بالواقعة وأُجريَ التحقيق..،
المدعى عليها.. عرضت .. أن المدعية حضرت معها الى لبنان من جنوب أفريقيا .. بعدما قامت بدفع أجرها سلفا الى ذويها هناك كما هي العادة، وبعد فترة من الزمن بدأت تتكاسل وتهمل عملها، الى أن غادرت المنزل..،

وبما أنه بعد ثبوت عدم دفع المدعى عليها لأجور المدعية عن مدة عملها البالغة سنة وثلاثة أشهر، فيكون الفسخ الحاصل لعلاقة العمل بينهما واقعا على مسؤولية المدعى عليها وحدها،

وبما أنه والحال كذلك، يترتب للمدعية تعويض يعادل أجرة شهر كامل كبدل تنبيه سندا للمادة 652 من قانون موجبات وعقود وأجرة شهرين سندا للمادة 656 م.ع، و.. تعويض يعادل أجرة 8 أيام سندا للمادة 652 م.ع،

وبما ان هذه المحكمة، وبعد الأخذ بعين الاعتبار أيضا عدم تسديد مستحقات وأجور المدعية حتى بعد انتهاء عملها والمماطلة بهذا الأمر، فانها تقدر العطل والضرر المتوجب بمبلغ 4 ملايين ليرة لبنانية..
 
الحكم الصادر في 26-8-2014

عرضت (المدعية) أنها استحضرت الى لبنان بواسطة المدعى عليه .. للعمل في الخدمة المنزلية حيث أودعها للعمل في عدة منازل اضافة الى منزله الخاص.. وأضافت أنه يتوجب لها أجرة خمسة أشهر عمل لم تقبضها..، كما يتوجب لها العطل والضرر بسبب سوء النية واساءة معاملتها واستخدامها واجبارها على العمل في عدة منازل وعدم أداء أجورها في مواعيدها،

وبما أنه وبعد ثبوت عدم دفع المدعى عليها لأجور المدعية المستحقة، وثبوت اساءة الحق بالدفاع من خلال المماطلة في اجراءات المحاكمة واستمهاله بواسطة وكيله مرارا وتكرارا للحضور دون جدوى من قبل المحكمة، نرى أنه يتحمل المسؤولية عن فسخ عقد العمل بينه وبين المدعية قبل اكتمال مدته، كما يتحمل مسؤولية الأضرار اللاحقة بسبب التأخير في سير المحاكمة،
وبما أن المحكمة تقدر العطل والضرر .. بمبلغ مليوني ليرة لبنانية...ـ
 
الحكم الصادر في 6-2-2014

"وبما ان عدم قيام المدعى عليها بدفع أجور المدعية في مواعيدها والتهرب من دفع هذه الأجور والذي تمثل مؤخرا بعرض مبلغ 500 د.أ فقط كتسوية نهائية وذلك أثناء استجوابها لدى الأمن العام اللبناني، كل ذلك يؤكد أن المدعى عليها هي التي أخلت بشروط عقد العمل الجاري بينها وبين المدعية وهي التي دفعتها للتوقف والهرب من المنزل واللجوء الى رابطة كاريتاس للمطالبة بحقوقها. وفعل المدعى عليها لهذه الناحية يشكل تعسفا من جانبها يرتّب على عاتقها جميع التبعات الناتجة عن صرف المدعية من العمل وذلك بحسب المادة 654 من قانون موجبات وعقود (م.ع)،
وبما أنه والحال كذلك، يكون للمدعية الحق ببدل الانذار سندا للمادة 652 م.ع يساوي 8 أيام.. وأجرة شهرين صرف من الخدمة سندا للمادة 656 م.ع،

وبما أن المحكمة ترى منح المدعية عطلا وضررا قيمته مليون وخمسمائة ألف ل.ل، بسبب سوء نية المدعى عليها وعدم استيفائها حقوقها في أوقاتها والضرر الناتج عن هذا الفعل:.

نشر في العدد الثامن والعشرين من مجلة المفكرة القانونية