في 17 آب 2010، أقرّ مجلس النواب اللبناني تعديلات للمادة 9 من قانون الضمان الاجتماعي (القانون الرقم 128) والمادة 59 من قانون العمل اللبناني (القانون الرقم 129)، بعد نقاشات استمرت على مدار ثلاث جلسات. وقد أدّت هذه التعديلات إلى استثناء اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان من شروط كانت تمنعهم سابقاً من الاستفادة من تعويضات نهاية الخدمة لدى "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي". ولكن، وعلى الرغم من أن هذه التعديلات جاءت لمعالجة الوضع الاستثنائي للاجئين الفلسطينيين، والذي يختلف تماماً عن وضع الأجراء الأجانب، إلا أنها بقيت مجحفة ولم تعترف بكامل حقوقهم. فوفق هذا القانون، يستفيد الأجير الفلسطيني من تعويض نهاية الخدمة فقط، بعدما أنشأ القانون حساباً منفصلاً للأجراء الفلسطينيين. بالمقابل، لا يستفيد من فرعي الضمان (ضمان المرض والأمومة – التقديمات العائلية) وان تقرر اخضاعه لهما. وعليه، يدفع صاحب العمل عنه نسبة 23.5%، 8.5 % منها فقط تودع في الحساب المنفصل الخاص. ويلحظ هنا (وهذا ما نتوسع فيه فيما بعد) أنّ القانون اشترط لافادة الأجير من تعويض نهاية الخدمة أن يكون حائزا على إجازة عمل، مع ما يستتبع ذلك من عقبات سواء للحصول على الاجازة أو لتجديدها. وهذا ما أعاد طرح مسألة الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتحسين وضع الأجراء الفلسطينيين في سوق العمل اللبنانية.

في بداية البحث والاستقصاء الذي أجريناه بشأن تطبيق هذا القانون من قِبل "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي"، أكد المدير العام للصندوق محمد كركي، في اتصال مع "المفكرة"، وضع القانون المذكور موضع التنفيذ من خلال إنشاء حساب خاص ومنفرد للأجراء الفلسطينيين لدى الضمان الاجتماعي، مشيراً إلى المذكرة الإعلامية رقم 437 التي أصدرها في 23 أيار 2011. ورداُ على سؤال بشأن إخضاع الفلسطينيين للفروع الثلاثة واستفادتهم فقط من فرع تعويض نهاية الخدمة وإمكانية مساواة العامل الفلسطيني باللبناني في ما يخص تقديمات الضمان، قال كركي: "نحن نطبق القانون الصادر عن مجلس النواب، ونريد أن نبقى بعيدين عن المشاريع والمحسوبيات السياسية، لكننا سنطبق أي قانون تتفق عليه الأحزاب السياسية اللبنانية مع الجهات الفلسطينية المعنية ويقره البرلمان اللبناني"، مضيفاً أن "رأي الضمان ليس مهماً في هذا الشأن لأنه حتى عندما أُقر هذا القانون وتعديلاته في العام 2010، لم تتم استشارة الضمان بشأنه". أما مستشار المدير العام للضمان محمد خليفة فأضاف: "نحن ننتظر نتائج لجنة الحوار اللبنانية -  الفلسطينية، لكن ليس لدينا أي معلومات عن عملها". وبشأن عدم تطرّق القانون المعدّل في أي من مواده إلى نسبة الـ23.5 في المئة التي يدفعها رب العمل، بل إلى نسبة 8.5 في المئة بدل تعويض نهاية الخدمة فقط، أكد خليفة أنقرار تقاضي نسبة الـ23.5 في المئة جاء من أجل "حماية اليد العاملة اللبنانية من المنافسة". وفي السياق ذاته، اعتبر مدير الديوان السابق في صندوق الضمان جوزيف خليفة، خلال اتصال مع "المفكرة"، أنه "بما أن الحل القانوني غير متوفّر في هذا الشأن، فإن الحل الأفضل يقبع في إجراء مراجعة سياسية مع وزير العمل"، لافتاً الانتباه إلى أن"التوصل إلى قانون يساوي العامل الفلسطيني بزميله اللبناني له محاذير ديموغرافية وسياسية عند بعض القوى اللبنانية التي تعتبر أن الأونروا تؤمن الطبابة". وإزاء هذا القول، يشدد المدير العام لـ"مركز التنمية الإنسانية" الفلسطيني سهيل الناطورعلى عدم عدالة القانون الذي يفرض على أصحاب العمل تسديد اشتراكات بنسبة 23.5 في المئة عن فيما لا يستفيد إلا من فرع تعويض نهاية الخدمة، فإنه يعمد إلى تكذيب الحجّة القائلة إن منظمة "غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" - "الأونروا" تقدّم الخدمات الصحية للاجئين، وبالتالي لا حاجة للأجير الفلسطيني بالاستفادة من فرع المرض لدى الصندوق. فبحسب الناطور، إن الذي يستفيد من تقديمات الضمان هم العامل وعائلته، أما الطلاب والأشخاص العاطلون عن العمل فهم الذين يستفيدون من مساعدات "الأونروا"، وهي مساعدات لا تكفي الحد الأدنى. ويوضح أنه في بداية اللجوء الفلسطيني، فُتحت مجالات للعمل في دول الخليج العربي، وخصوصاً الكويت، مع شركات النفط الغربية، لافتاً الانتباه إلى أنه بحسب تعريف "الأونروا"، فإن اللاجئ هو الذي فقد بيته ومصدر رزقه. وبناءً على ذلك، فإن الذي يجد مصدراً آخراً للرزق يُشطب اسمه عن لائحة مساعدات "الأونروا"، ما يعني أن العامل الفلسطيني في لبنان يُشطب مبدئياً اسمه عن لائحة المساعدات الصحية التابعة لـ"الأونروا".

وبالاتّصال بالمسؤولة القانونية في لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني مي حمود، أشارت إلى أن هناك مخالفة أساسية للقوانين من خلال إنشاء صندوق أو حساب منفصل للأجراء الفلسطينيين، حيث يجب أن تكون كل الاشتراكات والاستفادات ضمن الصندوق أو الحساب الأساسي التابع للضمان الاجتماعي، والذي يخضع له ويستفيد منه العامل اللبناني. وأضافت أن لجنة الحوار "تناقش طريقة تعاطي صندوق الضمان مع هذه القضية، خصوصاً بشأن إنشاء الحساب الخاص والإخضاع للفروع الثلاثة"، موضحة أن "ما يمكننا فعله هو محاولة التوصل إلى عدم إخضاع الأجراء الفلسطينيين إلى فرعي ضمان المرض والأمومة والتقديمات العائلية في حال استفادتهم فقط من تعويض نهاية الخدمة". وقالت: "يبقى العامل الفلسطيني غير لبناني ولا يمكن مساواته بالعامل اللبناني؛ وهذا موقف الكثير من الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية"، مشيرة إلى أن هناك نقاشات تتابعها لجنة الحوار بين الأحزاب السياسية اللبنانية والقوى الفلسطينية للتوصل إلى تسوية. وتجري هذه النقاشات في إطار الحوار الجاري في مبادرة المساحة المشتركة.
رئيس "لجنة عمل اللاجئين الفلسطينيين" السفير السابق سمير خوري، بدوره، انتقد فرض الخضوع للفروع الثلاثة التابعة للضمان مقابل الاستفادة فقط من فرع تعويض نهاية الخدمة.

وتبيّن، بحسب إحصاءات الضمان الاجتماعي حتى تاريخ 27/4/2015، أن عدد الأجراء الفلسطينيين المسجلين في الضمان هو 2954 عاملا، علماً أنه بحسب دراسة لـ"الجامعة الأميركية في بيروت"[1]، فإن عدد الأجراء الفلسطينيين في لبنان يصل إلى حوالي 55 ألفا، ما يعني أن 5 في المئة فقط من اليد العاملة الفلسطينية مسجّلة في الضمان. وهنا، تصبح المشكلة مختلفة: فاستفادة الأجير الفلسطيني من الحقّ بالاستحصال على تعويض نهاية خدمة من الضمان الاجتماعي يصبح وقفا على حيازته على اجازة عمل وعلى تجديدها، وهي مسائل غالبا ما تتخذ طابعا سياسيا. وهذا ما يؤكده محمد خليفة لجهة أن "من لا يحصل على إجازة عمل لا يحق له الاستفادة من الضمان، لأن الصندوق يطبّق القانون بحرفيّته". وهذا أيضا ما ردده عدد من المعتصمين تضامنا مع حق العمل للاجئين الفلسطينيين الذي نُظّم في 30 نيسان الماضي لمناسبة عيد الأجراء. فقد أشارت منسقة حملة "حق العمل" ملفينا أبو ردينة، في حديث إلى "المفكرة"، إلى أن عدد إجازات العمل للأجراء الفلسطينيين انخفض بعد قرار وزير العمل سجعان القزي بشأن حصر بعض المهن بالأجراء اللبنانيين، حيث أصبح يرفض تجديد إجازات سابقة أو إعطاء إجازات جديدة، مطالبة بإعطاء اللاجئين المقيمين، والمسجلين في دائرة الشؤون السياسية واللاجئين التابعة لوزارة الداخلية، إجازات عمل دائمة تحفظ حقهم في الاستفادة من تقديمات الضمان. ورأى نائب رئيس "اتحاد أجراء فلسطين في لبنان" محمود علي أن أبرز أسباب انخفاض عدد الأجراء الحاصلين على إجازات عمل، ومن ثم انخفاض عدد المسجّلين في الضمان، هو "أولا، الإرادة السياسية، المتمثلة بارادة وزير العمل الذي قد يرفض إعطاء الأجراء الفلسطينيين إجازات عمل، وبذلك يحرمهم الاستفادة من الضمان، وثانيا، صاحب العمل الذي يتهرب من الاشتراكات المتوجبة عليه فلا يقوم بتسجيل الأجراء ولا يتقدم للحصول على إجازة عمل لهم". وإذ أردنا أن نتأكد من مصير المسجلين في الضمان في حال خسروا إجازات عملهم، أكد خليفة، في اتصال آخر، أن من لا تتجدد إجازته لا يمكن أن يستفيد مجدداً من فرع تعويض نهاية الخدمة، على الرغم من أنه يبقى مسجلاً في الضمان وخاضعاً للفرعين الأولين كما العامل الأجنبي "لحماية اليد العاملة اللبنانية". هنا، يتضح الظلم الذي يُعاني منه العامل الفلسطيني، الذي قد يخسر إجازة عمله واستفادته من الضمان بسبب الإرادة السياسية أو مخالفة رب عمله في التصريح عنه في نظام ما زال يخضع لشروط الكفالة، من دون أن يحرر ذلك صاحب العمل من دفع اشتراك فرعي ضمان المرض والتقديمات العائلية عنه.

ولاستيضاح الأمر مباشرة من الوزارة المعنية، أجرينا اتصالاً مع المدير العام لوزارة العمل جوزيف نعّوس، فصرّح بأن قرار حصر المهن الصادر عن الوزير سجعان القزي لا يشمل الأجراء الفلسطينيين، معتبراً أن "اتهام البعض للوزارة بعدم تجديد الإجازات غير دقيق". وشدد على أن الوزارة "تتساهل كثيراً في إعطاء إجازات عمل للأجراء الفلسطينيين، إلا أنه على سبيل المثال، إذا قدّمت مؤسسة ما طلبات لأجراء فلسطينيين كُثر من دون وجود أي عامل لبناني بينهم، فقد نرفض إعطاءهم جميعاً إجازات لأن الأفضلية هنا للعامل اللبناني". وأشار إلى أن هناك بعض الشروط للحصول على إجازات العمل، ومنها توفير بعض الأوراق كعقد العمل (لا حاجة له في حال كانت الأم لبنانية)، تصريح الضمان، فحوص مخبرية والسجل التجاري للمؤسسة التي يعمل فيها. وفي هذه الحالة، بحسب نعوس، قد يخسر بعض الأجراء تجديد إقاماتهم بسبب تهرّب بعض أرباب العمل من تسجيلهم وعدم تزويدهم بالأوراق المطلوبة لتوفير الاشتراكات المتوجبة عليهم، وبذلك يُحرمون من حق الاستفادة من الضمان. ولم يتسنّ لنا التأكد من عدد إجازات العمل الموقعة ونسبة تجديدها.

وفي هذا الصدد، أشار سهيل الناطور، الى بعض الممارسات المجحفة بحقّ الأجراء الفلسطينيين من نواحٍ عدة. ورأى أن المشكلة الأولى تكمن في أنه بحسب المادة الأولى من القانون الرقم 128، على اللاجئ أن يكون مسجلاً في مديرية الشؤون السياسية واللاجئين التابعة لوزارة الداخلية والبلديات، معتبراً أنه هنا أيضاً إشكالية تستدعي النظر لإيجاد حل لها، وتخص اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، من دون حيازتهم حق التسجيل في مديرية الشؤون السياسية واللاجئين. أما المشكلة الثانية بحسب الناطور، فهي شرط الاستحصال على إجازة العملوتجديدها سنوياً، مشدداً على أنه "ليس مفهوماً ولا مقبولاً لدى الفلسطينيين أي تبرير لهذا الشرط". وذكر بأن "كل فلسطيني لاجئ كان عليه، باعتباره غير لبناني، أن يحصل على الإقامة من الأمن العام في بداية سنوات اللجوء، ولكن بطاقات اللاجئين التي أصدرها الأمن العام اعتُبرت دليلاً على الإقامة المشروعة، ولم يعد يطبق تجديد الإقامة سنوياً كالأجانب الآخرين، وذلك لخصوصية حالتهم. وكان حرياً أن يكون له مفاعيل تطبيقية بالإعفاء أيضاً من إجازة العمل، أو إعطائها بشكل نهائي". وأضاف: "هذا ما يراه الفلسطينيون حتى اليوم احدى العقبات الأساسية لعدالة أفضل لهم، إذ لا يعقل أن يسمح لهم بالإقامة المفتوحة من دون ربطها بحقهم البديهي في العمل".

واذ أكّد الناطور أن "القانون اعتُبر خطوة متقدّمة من قِبل المشرع اللبناني، حيث تم التطرق للمرة الأولى إلى حاجات الفلسطينيين الحقيقية في لبنان"، فانه اعتبر في الوقت ذاته أن هذه الخطوة "تحتاج إلى الكثير من التطوير والتعديل لأنها أُفرِغت من حقوق كثيرة يكرسها الدستور اللبناني في مجال شرعة حقوق الإنسان، مضيفاً أن "فعالية الدستور اللبناني تتوقف عند وصوله إلى حدود المخيمات الفلسطينية". وأشار إلى أن "مركز التنمية الإنسانية" يساهم في توعية الفلسطينيين بنواقص هذا القانون، وتنظيم الضغط بالتواصل مع القوى السياسية اللبنانية ومؤسسات حقوق الإنسان، لنرقى بحقوق العامل الفلسطيني إلى خطوة متقدّمة.


نشر في العدد الثامن والعشرين من مجلة المفكرة القانونية