في 18-3-2015، أقرت لجنة الادارة والعدل اقتراح قانون تقدّم به النائب سمير الجسر لتعديل شروط تعيين محامين وموظفين عامّين كقضاة أصيلين. ومن المعلوم أن القاضي يُعيَّن في لبنان من بين خرّيجي معهد الدروس القضائية أو من خارجه. وتلِج الفئة الأولى الى المعهد تبعا للنجاح في مباراة أو على أساس درس ملف بالنسبة الى حملة شهادة الدكتوراه. ويدخل المحامون والموظّفون العامّون من ذوي أقدميّة معيّنة القضاء في حال فوزهم في مباراة خاصة بهم الى القضاء، من دون العبور بالمعهد. وقد تمّ تعيين قضاة أصيلين من بين المحامين في بداية التسعينيات بعد انتهاء الحرب من دون مباراة، ثمّ أعيد تعيين 16 قاضيا أصيلا من بين المحامين والموظفين العامين (من بينهم ثلاثة ضباط) مؤخرا في 2010. الا أن الطريقة الأكثر اعتماداً بقيت في العقدين الأخيرين التعيين من خلال معهد الدروس القضائية.

ومن هنا، يؤدّي تقديم هذا الاقتراح الى التساؤل فيما اذا كان يعبّر عن نية برفع نسبة التعيينات من خارج المعهد. وهذا ما نقرؤه بأية حال في الأسباب الموجبة التي تتمحور حول وجوب تعزيز حظوظ استقطاب العناصر الجيدة من بين المحامين أو الموظفين العامين من خلال منحهم حوافز. وتتمثل هذه الحوافز من خلال منحهم درجات إضافية على أساس أقدميتهم في المحاماة أو الوظيفة العامة (درجة عن كل ثلاث سنوات)، فيما يفرض القانون الحالي تعيينهم في الدرجة الأخيرة، أي في أسفل السلّم القضائي. ولفهم أهمية هذه الحوافز، يقتضي التذكير بأن القاضي يكسب تلقائيا درجة اضافية كل سنتين، وأن لرفع درجته مفاعيل مالية (حيث يرتفع الراتب الشهري مع كل درجة)، ووظيفية حيث أن التعيين في بعض المناصب القضائية يتطلّب حيازة درجة معينة. وفيما يمكن نظريّا تبرير الخطوات الآيلة الى تعزيز تعيين قضاة من بين أشخاص ذوي خبرة في مجالات قانونية (وهو أمر لا يخلو من المخاطر وفق ما نبينه أدناه)، لا يمكن بالمقابل اعطاء أي تبرير مقنع لمنح نفس المحفزات للأشخاص الذين تم تعيينهم منذ سنوات بموجب المرسوم الصادر في 2010، وذلك بحجة مراعاة الانصاف ومبدأ المُساواة[1].

وهذا الاقتراح يستدعي الملاحظات الآتية:

الملاحظة الأولى: درجات الفائزين في المباراة وفق أقدمياتهم وليس وفق كفاءتهم

يُفهم من النصّ أنّ القضاة المعيّنين من بين المحامين والموظفين العامّين يستفيدون من درجات مختلفة وفقا لسنوات أقدميتهم، فيما أنهم يخضعون للمُباراة نفسها. فالمُباراة لا تجري على مناصب أو درجات معينة، انما تكون عامّة يشارك فيها أشخاص لهم أقدميات مختلفة في مهنهم الأصلية وغايتها الدخول الى القضاء. ومن هذه الزاوية، تكون شروط المباراة غير مناسبة للتحقق من مؤهلات المرشح ومدى اكتسابه لخبرة قضائية تتناسب مع أقدميته. وهكذا، تجري الأمور كما لو أنّ شخصين خضعا مع آخرين للمباراة نفسها ونجحا فيها، فعُيّنا في درجات مختلفة، كأن يعيّن أحدهما في الدرجة الأولى (الأخيرة) والثاني في الدرجة الخامسة، وفق أقدميتهما في مهنتيهما الأصليتين وبمعزل عن العلامات التي حصلا عليها في هذه المباراة. وفيما يمكن نظريا اعتماد معيار الأقدمية في ظروف معينة لتحديد الدرجة في سلك أو مهنة معينة، فاننا نكون أمام نظام مبني على تناقض غير منطقي في حال تغليب هذا المعيار على معيار الكفاءة في التعيينات الحاصلة بموجب مباراة. وهذا ما نتبينه بوضوح كلي في حال حصل المعين في الدرجة الأولى في المثال الذي أوردناه أعلاه على علامات أعلى من المعين في الدرجة الأعلى.

الملاحظة الثانية: استقطاب العناصر الجيدة الى القضاء، أم استقطاب القضاة؟

وأهم من ذلك، هو النظر في الضمانات المعطاة لجديّة المباراة وحياديتها. فبخلاف المباراة الحاصلة لتعيين قضاة متدرجين في معهد الدروس القضائية والتي يتبعها اخضاعهم لثلاث سنوات من التأهيل النظري والعملي، يُنتظر من الفائزين بهذه المباراة أن يعينوا قضاة أصيلين بعد دورة تأهيلية قصيرة (ستة أشهر) أوجدها اقتراح القانون في معهد الدروس القضائية. وتاليا، يتعين أن تكون المؤهلات الواجب اثبات توفرها لديهم أعلى من المؤهلات الواجب اثبات توفرها لدى المرشحين للدخول الى المعهد القضائي. ولكن، يبقى الاقتراح خاليا من أي ضمانات بهذا الخصوص. بل تجدر الاشارة هنا الى أنّ المباراة التي جرت في 2010 لتعيين عدد من القضاة من بين المحامين والموظفين العامين قد جرت وفق شروط تنتقص نسبيا الى الصرامة والحيادية. فبخلاف الحال بالنسبة الى المباريات الجارية للمرشحين للدخول الى المعهد، اقتصرت نسبة علامة الاختبار الخطي على 50% من مجمل العلامة، فيما أعطيت اللجان الفاحصة مسؤولية تحديد 50% المتبقية في الاختبار الشفهي. وقد أدّى ذلك طبعا الى ايلاء هذه اللجان هامشاً واسعاً في تحديد الفائزين في المباريات، مع ما قد يحتمله ذلك من محاباة ومحسوبية ومحاصصة. وفيما لا تشكل مباراة 2010 نموذجا حتميا لتعيين محامين وموظفين عامين في القضاء، فان من شأن تخويل المعينين من بين هؤلاء تولي مهامّ قضائية رفيعة ضمن مهل قصيرة في اثر تعيينهم أن يعزز شهية السياسيين لزجّ مؤيّديهم وأتباعهم في هذا الطريق وتاليا أن يعزز من مخاوف تحويلها الى أداة مرنة لاستقطاب العناصر التي يراد ادخالها (العناصر الجيدة) الى القضاء. ومن هذا المنطلق، لا نبالغ اذا قلنا أن من شأن اقرار اقتراح مماثل أن ينذر بنشوء خطّ عسكريّ لتنصيب محامين أو موظفين عامين في مناصب قضائية هامة ضمن مهل قصيرة، مع ما يحتمله ذلك من تغوّل في القضاء وتوسيع لهوامش التدخل فيه. وبذلك، يصبح ما يسمّى "استقطاب العناصر الجيدة" الى القضاء، مرادفا لتوسيع هامش السلطة الحاكمة في استقطاب القضاة. وحصول هذا الأمر يبدو الأكثر رجحانا في ظل الظروف الحالية، التي يغلب فيها منطق المحاصصة على منطق الاصلاح.

وعدا عن خطورة منزلقات كهذه على استقلال القضاء ومنعته، من شأن اقرار الاقتراح أن يؤدي الى احداث تمييز بين فئتين من القضاة ولا نبالغ اذا قلنا شرخ داخله: فمن جهة، ثمة قضاة خضعوا لمباريات صعبة وتدرجوا بعد تجاوزهم اياها في المعهد لمدة ثلاث سنوات وينتظر (من حيث المبدأ طبعا) أن يكسبوا روحا وأخلاقيات مهنية قبل توليهم أي منصب رفيع (القضاة المهنيّون)، وقضاة عُيّنوا بنتيجة مباريات تشوبها شبهات الواسطة ويرتقب أن يتولّوا سريعا مهامّ قضائية رفيعة بفعل أقدميّتهم في مهن أخرى لا تكسبهم بالضرورة مهارات قضائية وينطر اليهم تاليا من قبل أقرانهم على انهم دخلاء (القضاة الدخلاء). وبالطبع، من شأن كل ذلك أن يعزز من انقسام القضاء وأن يزعزع مبدأ المساواة داخله.

الملاحظة الثالثة: حوافز بمفعول رجعي: مساواة أم رشوة تشريعية مقنعة؟

فضلاً عما تقدم، لا بدّ من التوقف أمام منح القضاة المعينين بين المحامين والموظفين العامين سابقا حق الاستفادة من الحوافز المقترحة، بحيث يُمنح القضاة الذين عُيّنوا في 2010 في الدرجة الأخيرة عند دخولهم الى القضاء، درجات اضافية وفق أقدميتهم في مهنهم السابقة[2]. وقد عادت لجنة الادارة والعدل ووسّعت نظريا دائرة المستفيدين من حوافز الدرجات الاضافية لتشمل جميع الذين عُيّنوا من بين المحامين والموظفين العامين حسبما ذكرنا أعلاه. وقد برر صاحب الاقتراح ذلك بمبدأ الانصاف والمساواة.

وهذا الأمر انما يكتسي خطورة اضافية: فعلى فرض ملاءمة اعطاء حوافز لاستقطاب عناصر جيدة، فما معنى أن تُعطى الحوافز بمفعول رجعيّ لمن ارتضوا الدخول الى القضاء من دون أي حوافز؟ وألا يشكل هذا الأمر تمييزا ضدّ المحامين والموظفين العامين الذين امتنعوا عن المشاركة في المباراة آنذاك لعدم اقتناعهم بشروط التعيين؟ والأخطر من ذلك: ألا يؤدّي هذا الأمر الى التمييز بين قضاة عاملين، من خلال تخصيص فئة منهم امتيازا معينا لأسباب غير مبررة، فيحققون قفزة نوعية في رواتبهم ومناصبهم الوظيفية بالنسبة الى القضاة الآخرين؟ بهذا المعنى، تتحوّل حبّة المسك الى ما يشبه الامتياز والرشوة، مع ما قد يستتبع ذلك من احباط للقضاة الذين سلكوا هم الطريق الأطول والأصعب للدخول الى القضاء والتطور في سلكه، وكل ذلك تحت غطاء الانصاف والمساواة والقانون.
 
نشر في العدد الثامن والعشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1] وقد عادت لجنة الادارة والعدل وأدخلت بعض التعديلات على الاقتراح بأن عمّمت المفعول الرجعي لاكتساب درجات على أساس الأقدمية على مجمل الذين عينوا بالطريقة المذكورة، بما فيهم الذين عينوا في التسعينياتمع اضافة شرط: أن لا يكونوا استفادوا من أحكام مماثلة لها سابقا". والمقصود بهذا الشرط عدم افادة الذين استفادوا من درجات اضافية بموجب قوانين استثنائية كما حصل في التسعينيات. لكن السؤال يبقى حول كيفية تطبيق اقتراح القانون في حال اقراره فيما اذا كانت الحوافز الممنوحة بموجب القوانين السابقة تؤدي الى افادة هؤلاء من درجات أدنى مما ينص عليه هذا الاقتراح.
[2]وقد لحظ الاقتراح افادتهم من زيادة الدرجة على أن لا تخضع تسوية أوضاعهم لأي مفعول مالي بأثر رجعي، بمعنى أنه لا يكون لهم المطالبة بفروقات مالية  عن الفترة الفاصلة بين تعيينهم وكسبهم للدرجات الاضافية بموجب اقتراح القانون. انما يستفيدون من الزيادة الحاصلة بموجب الاقتراح فقط بعد اقراره.