"القانون ليس مطلقا كما قد نتصوره"[1] فهو "انساني الى حد يجعله عصيّا على القراءات المطلقة بخطوط مستقيمة"[2] المجردة من اي اعتبارات اجتماعية او انسانية، وهو "خط مرن""[3]، يميل ويلتوي، تعتريه الصراعات الفكرية والاجتماعية والانسانية.
يندرج القرار الصادر بتاريخ 12-3-2015 عن قاضي الامور المستعجلة في المتن انطوان طعمة في هذا الاطار اذ انه يعيد الاعتبار الى نظرية نسبية الحقوق والتعسف في استعمال الحق، فيحيي الروح التقدمية لقانون الموجبات والعقود اللبناني، بالاستناد الى أعمال العلامة الفرنسي جوسران الذي انطبع القانون ببصماته ورؤاه.

في الوقائع، مستثمر لأرض يقوم بالحفر في عقاره، فيقطع مجرى المياه الباطنية عن العقار المجاور متسببا" باتلاف المزروعات الواقعة عليه. مالك العقار المجاور يقيم دعوى ضد جاره أمام قاضي الامور المستعجلة في المتن. وقد أدلى في دعواه بأن أعمال الحفر هذه قد أقدم عليها مستثمر الارض بقصد واضح وهو قطع مجرى النبع عن عقاره. وهذا الأمر يشكّل تعديا" واضحا" يستلزم تدخل قاضي الامور المستعجلة لوضع حد له. فما كان بالمدعى عليه، المستثمر المذكور الا ان تذرع بان لمالك العقار اجراء اعمال الحفر والتنقيب في ارضه واستخراج المياه لان له حق الانتفاع بها وذلك سندا" للمادة 13 من القرار رقم 3339 التي نصت على انه "تشمل ملكية الأرض ملكية ما فوق سطح الأرض وما تحته، وعليه فإن لمالك أرض أن يغرس فيها ما يشاء من الأغراس وأن يبني ما يشاء من الأبنية، وأن يجري فيها حفريات الى أي عمق شاء وأن يستخرج من هذه الحفريات كل ما يمكن أن تنتجه، ضمن التقيدات الناتجة عن القوانين والقرارات والأنظمة".

وتاليا، طُرحت امام القاضي مسألة "مدى حق مالك او مستثمر عقار في حفر عقاره والتنقيب عن المياه فيه واستخراجها في حال أدى هذا العمل الى انقطاع او انتقاص المياه التي كان يستعملها مالك عقار مجاور له لحاجاته الشخصية او لحاجات عقاره".
 
وقد جاء جواب القاضي لافتا. فاستند القاضي على نظرية نسبيّة الحقوق والمادة 124 من قانون الموجبات والعقود بعد دراسة معمّقة ومفصّلة لكافة النظريات المتناقضة في هذا المجال لتحديد موقفه من الدعوى. فأكد القاضي على دور المشرع والقضاء في صون اتجاهات فلسفية واجتماعية في القانون. فبناء على "فلسفة قانون الموجبات والعقود (...) الذي يقضي بوجود وظيفة اجتماعية للحق بحيث انه لا يجوز ممارسة الحق على اطلاقه وبدون غاية محددة او غرض مقبول اجتماعيا" وانسانيا" وفق ما يستفاد من نص المادة /124/ م.ع. التي تنص على انه يلزم ايضا" بالتعويض من يضر الغير بتجاوزه، في اثناء استعمال حقه، حدود حسن النية او الغرض الذي من اجله منح هذا الحق"، قرر القاضي تكليف خبير لوضع وتنفيذ آلية من شأنها السماح لكل من الفريقين الاستفادة من المياه النابعة حاليا" في عقار المستثمر.
 
في نسبية الحقوق والتعسف في استعمال الحق
يتبنى القرار موضوع التعليق النظرية الموضوعية للتعسف في استعمال الحق التي دافع عنها العلامة جوسران وكرّسها في المادة /124/ من قانون الموجبات والعقود اللبناني. فللحقوق اهداف موضوعية ووظائف اجتماعية والتعسف باستعمال الحق لا ينطوي على نية الاساءة للغير فحسب، بل يتمثل ايضا" بممارسة الحقوق خارج الاطار الاجتماعي التي قد كرّست من اجله اذ ان "الحقوق ليست بحقوق مطلقة" بل هي نسبية، تحكمها غاياتها الاجتماعية"[4].

من هنا، يرفض القرار اعتماد النظرية الشخصية للتعسف باستعمال الحق التي تماشت معها محكمة استئناف جبل لبنان برئاسة القاضي خليل جريج بموجب القرارين الصادرين بتاريخ 10/3/1953 و21/5/1953 معتبرة ان ممارسة الحق "ضمن نطاقه الشرعي" واستعماله "بدون سوء نية او كيد او قصد الاضرار بالغير" لا يشكل تعسفا" باستعمال الحق.
ومن شأن هذا التصوّر للقانون وللحقوق التأكيد على دور القاضي في تنظيم الحياة الاجتماعية من خلال مراقبة ممارسة الحقوق والمحافظة على غايتها الاجتماعية والانسانية، خاصة وان قاضي الامور المستعجلة يؤكّد على أبعادها الاجتماعية والانسانية والاقتصادية في قضية تدور حول حق استعمال المياه. فالمياه هي بموجب القانون اللبناني من ملحقات الاملاك العامة بحسب احكام المادة الثالثة من القرار رقم /144/ الصادر عام 1925. وتبرز بشأنها مرة أخرى مميزات القانون اللبناني وبعده التقدمي عند اقراره، اذ ان "حق مالك العقار على المياه التي يستخرجها حو حق استعمال وليس حق ملكية، ذلك ان مالك العقار ليس مالكا" للمياه التي يفجرها لان هذه المياه تعتبر من ملحقات الملك العام".
 
في دور القضاء و"وحدة القانون"
لا بد من الاشارة فضلا" عمّا سبق على المنهجية المعتمدة في التعليل للتوصل الى النتيجة المبينة آنفا" من قبل القاضي في هذا القرار. فبعد شرح وقائع القضية وادلاءات الفريقين، عمد القرار أولا" الى الغوص في النظريات والنقاشات التي طرحت في الفقه والاجتهاد قبل التوقف ثانيا" على النظرية الموضوعية للتعسف باستعمال الحق واعتمادها بناء من جهة على روحية وفلسفة قانون الموجبات والعقود ومن جهة ثانية على تناسب هذا الرأي "مع اهمية المياه كعنصر حيوي واساسي للحياة البشرية والنباتية والحيوانية، المساهمة في بناء الاقتصاد الوطني، بحيث انه لا يجوز استعمالها بدون ضوابط محددة، خوفا" من تبذيرها، او اهدار الفائض منها بدون سبب مشروع". فيثبت القاضي مكانته كحكم في النضالات الفقهية القانونية رابطا" اياها" بالابعاد الانسانية والاقتصادية والاجتماعية. مما من شأنه بالطبع، تسليط الضوء على دور القانون والقاضي في توجيه المجتمع بالتواصل مع المعضلات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية.
وان ربط الحل القانوني المتبنى بالتوجهات الفقهية وقضاة سابقين متسلسلين في المحاكم اللبنانية، على رأسهم القاضي اميل بو خير الذي اكدت عليه الغرفة الثانية لمحكمة التمييز برئاسة القاضي جورج سيوفي ومحكمة الاستئناف في جبل لبنان برئاسة القاضي فريد الدحداح، انما يعيد الى السمع مبدأ "وحدة القانون" الذي كان قد تقدم به الفيلسوف رونالد دوركين كمعيار للحكم في القضايا الصعبة في سبيل استخلاص مبادىء قانونية على ضوء نظرة شمولية للقانون ولتسلسل العمل القضائي، وكأن القضاة هم كتاب لرواية واحدة، متمكنين من بناء تنظيم قضائي متراتب ومتجانس[5].

بالطبع، ان استعادة القاضي لدوره في تفسير القانون وربطه بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية وابعاده الانسانية انما من شأنه اعادة انعاش البعد الاجتماعي لقانون الموجبات والعقود الذي يتميز بتوجهاته الفقهية المترسّخة في نظرة تعددية للقانون.

نشر في العدد السابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1] Jean Carbonnier, Flexible droit. Pour une sociologie du droit sans rigueur, LGDJ, 10e éd., 2001, p. 487
[2]idem, p. 8
[3] Idem.
[4]Loïc Cadiet et Philippe Le Tourneau, « L’abus de droit », Encyclopédie de droit civil, Dalloz, n. 24 et s.
[5] Ronald Dworkin, « La chaîne du droit » dans « Droit et Société », 1985, n.1, p. 51 et s.