تعتبر ظاهرة المخدرات من الملفات الشائكة التي تثير جملة من الإشكالات، إذ إن لها أبعاداً قانونية وأمنية تتعلق باستهلاك المخدرات وترويجها وتبييض الأموال المتأتية منها وتمويل الإرهاب، هذا بالإضافة الى الأبعاد المتعلقة بالصحة العمومية كالإدمان وعلاجه وعملية تأهيل المدمنين وإدماجهم في المجتمع.

وتطرح دراسة موضوع المخدرات في تونس مصاعب عدة، أولها قلة المعطيات الرسمية المنشورة حول نسب الإدمان على المخدرات واستهلاكها وبيعها والعود. وتعكس هذه الوضعية صعوبة التخلص من بعض ممارسات الحكم السابقة في حجب التدفق الحر للمؤشرات والإحصائيات التي تتعلق بظواهر سلبية في المجتمع التونسي. إلا أن الإحصائيات والمؤشرات المتوفرة حول استهلاك المخدرات وبيعها في تونس يؤشر الى ارتفاع مطّرد لنسب الإدمان وجرائم المخدرات والعود في هذا البلد، الأمر الذي يطرح بإلحاح مدى ملاءمة المقاربة القانونية والأمنية المعتمدة في مكافحة هذه الظاهرة. فنجاح السياسة يُقاس عادة في هذا المجال بناءً على مؤشرات تتعلق بالحد من الجريمة والوقاية منها وبنسب عدم إفلات المجرمين من العقاب وبنسب تأهيل المحكوم عليهم أثناء فترة قضاء العقوبة الجزائية لضمان عملية إدماجهم في المجتمع.

ولقد مثلت المرحلة الانتقالية التي تمر بها تونس منذ 2011 تحدياً كبيراً للسلطات. فضعف الأجهزة الأمنية سمح بجعل "السوق التونسية" أكثر استقطاباً للمواد المخدرة على مستوى الترويج والاستهلاك.

ومن جهة أخرى، مكّن اتساع هامش الحريات أثناء المرحلة الانتقالية من طرح مسألة المخدرات كقضية رأي عام لأول مرة، حيث تعالت أصوات العديد من الحقوقيين في تونس للمطالبة بفتح حوار وطني لغاية مراجعة القوانين المجرّمة لاستهلاك المخدرات في اتجاه تخفيف العقوبات. ومن بين هذه التحركات نذكر مبادرة "السجين 52" التي ترمز في تسميتها لضرورة تحرير القانون من قيود الردع الجزائي[1].

ازدياد ظاهرة المخدرات في تونس: بعض المؤشرات
قدرت جمعية الوقاية من استهلاك المخدرات عدد مستهلكي مادة القنب الهندي "الزطلة" بمئة ألف مستهلك ومئتي ألف لمستهلكي الحبوب وعشرين ألفاً لمستهلكي المخدرات المحقونة ثم الكوكايين، فالهيروين، لتأتي «المواد الطيارة» (البنزين واللصق) في المرتبة الأخيرة، ويشمل استهلاك المواد الطيارة بالأساس المراهقين، رغم أنه يمكن أن يتواصل ما بعد فترة المراهقة[2].

وقد أثبتت دراسات وإحصائيات ازدياد ظاهرة الإدمان على المخدرات في أوساط المراهقين والشباب. وبيّنت دراسة ميدانية أصدرتها خلية علوم الإجرام بمركز الدراسات التشريعية والقضائية حول "المخدرات والعود: الواقع والتحديات"[3] أن "نسبة المتعاطين للمخدرات بمختلف أنواعها لدى المراهقين والشباب قدرت بـ57 بالمئة لدى الفئة العمرية 13 و18 سنة. بينما تقل نسبة التعاطي تدريجياً بالنسبة الى الفئات الأكبر سناً. وتبلغ نسبة الذين شرعوا في استهلاك المخدرات لأول مرة منذ سن المراهقة حسب الدراسة نفسها 86.8%.

ويعتبر تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والانقطاع المبكر عن الدراسة والفقر والبطالة والتفكك الأسري والمشاكل العائلية من الأسباب المباشرة لاستهلاك المخدرات والإدمان عليها ضمن المراهقين والشباب.

ازدياد جرائم المخدرات[4]
في ما يتعلق باستهلاك المخدرات، تعهدت المحاكم التونسية بالنظر في 4328 قضية خلال الفترة نفسها. وقد شهد عدد القضايا المتعلقة بالاستهلاك نسقاً تصاعدياً تجاوز خلال السنة القضائية 2010-2011 ضعف عدد القضايا المسجلة خلال السنة القضائية 2006-2007. وقد أصدرت المحاكم التونسية 5827 حكماً من أجل جريمة استهلاك المخدرات خلال الفترة الممتدة بين السنة القضائية 2006-2007 والسنة القضائية 2010-2011.

وقد تضاعف عدد الأشخاص المحكوم عليهم من أجل جريمة الاستهلاك حيث كان عددهم خلال السنة القضائية 2006-2007 بحيث ارتفع عددهم من 731 محكوماً عليه الى 1593 محكوماً عليه خلال السنة القضائية 2010-2011. وتأتي فئة الذكور في صدارة المحكوم عليهم من أجل استهلاك المخدرات وبيعها خلال السنة القضائية 2010-2011 حيث بلغ عدد الذكور 3977 حالة مقابل 97 حالة فقط بالنسبة للإناث.
وبحسب الأستاذ غازي المرابط المحامي الناطق باسم المبادرة 52، يقدر عدد المتهمين الموقوفين بجرم استهلاك المخدرات  8000  من أصل 25000 نزيل في المؤسسات السجنية بتونس حالياً.

ومن جهة أخرى، تؤكد الإحصائيات أن 94%من السجناء بتهمة المخدرات يقضون عقوبتهم ويعود أغلبهم إلى السجن مجدداً. حيث بينت الدراسة الميدانية حول المخدرات والعود أن نسبة العود بلغت 54%وهناك من هو عائد لأكثر من مرتين. وقد بلغت نسبة الذين لم يتلقوا أي علاج من أجل الإدمان 94.6%.

وتعد هذه الأرقام حول تفشي المخدرات مؤشراً قاطعاً على عجز سياسة الردع الجزائي في معالجة ظاهرة المخدرات وضرورة اعتماد مقاربات جديدة في هذا المجال.

فشل مقاربة الردع الجزائي في مكافحة المخدرات… ماذا بعد؟
حسب الفصل 1 من القانون عدد 52 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بالمخدرات "تعتبر مخدرات وتخضع لتطبيق القانون جميع المواد المدرجة بالجدول ب الملحق بهذا القانون، سواء كانت طبيعية أو مركبة ومهما كان نوعها أو شكلها وفي أي مرحلة من نموها أو تركيبها الكيميائي".

ويشتمل الجدول – ب - على قرابة 130 مادة[5] تم تصنيفها كمخدرات دون أي تمييز على أساس خطورتها. حيث نجد في الجدولنفسهالقنب، صمغه وتحضيراته والخشخاش والكوكايين والهيروين... إن هذا التعريف الموسع للمخدرات والذي يشمل المواد المخدرة أو المخرجة عن الوعي، سواء كانت طبيعية أو مركبة ومهما كان نوعها أو شكلها وبغض النظر عن درجة خطورة الإدمان عليها يؤدي حتماً إلى إخضاع كل المواد المخدرة إلى العقوبات المقررةنفسهاعلى جرائم المخدرات. وهو ما يعتبر من أهم نقائص المقاربة التشريعية في مجال مكافحة المخدرات في تونس.

ويفرض القانون على المحاكم تسليط عقوبة سجنية أدناها سنة واحدة وأقصاها خمس سنوات على من يثبت استهلاكهم للمخدر وخطية مالية قدرها ألف دينار تونسي، كما أن المحاولة تستوجب العقاب أيضاً. إن مثل هذا التنصيص التشريعي يغلق باب الاجتهاد أمام القاضي، إذ إنه ينزع عن القضاء صلاحية تقدير أسلوب التعاطي مع مستهلكي المخدرات.ويشدد القانون العقوبة بـ5 سنوات بالنسبة للعائد الذي يمنعه في الوقتنفسهمن ظروف التخفيف. كما يعاقب بالسجن من 6 أشهر إلى 3 أعوام وبخطية من 1000 دينار إلى 5000 دينار، كل من تردد على مكان أعد وهيّأ لاستهلاك المخدرات.

من جهة أخرى، يلاحظ ضعف البعد العلاجي للقانون عدد 52، إذ لا يعتبر قبول من ثبتت إدانته باستهلاك المخدرات للعلاج من الإدمان سبباً للإعفاء من العقوبة إلا بالنسبة للأطفال (الفصل 19 مكرر من قانون 18 ماي 1992 كما وقع تنقيحه بقانون 9 نوفمبر 1995). ويتعرض الفصل 19 من القانون عدد 52 لسنة 1992 إلى بعض التدابير العلاجية حيث ينص على إخضاع المحكوم عليه المدمن للعلاج من التسمم لفترة يحددها الطب المختص. كما يمكن للنيابة العمومية في حالة رفض المحكوم عليه الخضوع إلى العلاج بصفة تلقائية استصدار إذن من رئيس المحكمة الابتدائية لإلزامه به[6].

ولكن تبقى هذه التدابير محدودة الفعالية حيث يوجد على المستوى الوطني مؤسسة وحيدة وهي "مركز أمل"، متخصصة في العلاج من الإدمان بالنسبة للمحكوم عليهم من أجل الإدمان أو بالنسبة للمدمنين الذين يبادرون بصورة تلقائية لتلقي العلاج.

ومما تقدم، يظهر أن معاقبة مستهلكي المخدرات كانت لها آثار عكسية على حماية المجتمع من المخدرات. فصرامة المقاربة القانونية والأمنية لم تحقق ما كان يصبو له المشرع من منع تطور ظاهرة استهلاك المخدرات، إضافة إلى أنها أدت الى تحويل من استهلكوا المخدر ولو عرضياً لأصحاب سوابق عدلية بما أثر سلبياً على المستقبل الدراسي والمهني لعدد هام منهم.

نحو مقاربة جديدة لمكافحة المخدرات
ما زالت المقاربة المثلى لمكافحة المخدرات محل جدل بين من يطالب بتشديد العقوبات من أجل تحقيق الهدف من القانون ليكون هو الرادع لانتشار الظاهرة، ومن يرى في المقابل أن الاعتماد على الردع الجزائي لمكافحة المخدرات فشل فشلاً ذريعاً، وهو ما يستوجب إعادة النظر واعتماد مقاربة مختلفة.

وقد طالب العديد من الحقوقيين، أساساً من خلال مبادرة "السجين 52"، بضرورة تحرير القانون المتعلق بالمخدرات من قيود الردع الجزائي بفتح حوار وطني لغاية مراجعته في اتجاه تخفيف العقوبات، وخصوصاً في ما يتعلق بالاستهلاك والاعتراف لمستهلكي المخدرات بصفة الضحايا وتشديد الإطار القانوني في ما يتعلق بمكافحة ترويجها. وهو ما أفضى في سنة 2014 الى تشكيل لجنة وطنية مكلّفة بمراجعة القانون عدد 52. وبانتظار انتهاء هذه اللجنة من أعمالها، تجدر الإشارة الى أنه ليس بوسع القانون أن يحقق هدفه المتمثل في حماية المجتمع من آفة المخدّرات مع ضمان احترام حقوق الإنسان وكرامة المواطن دون مقاربة شاملة تقوم على الوقاية والردع والعلاج والإدماج.

نشر في العدد واحد من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]محمد العفيف الجعيدي، "مبادرة السجين 52 في تونس: محاولة لانتزاع اعتراف رسمي بخطأ سياسة الردع في مواجهة مستهلكي المخدرات"، الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[2]سنيم بن عبد االله ، بحث نشيط حول تطوير العمل الشبكي في مجال حماية الطفولة بصفاقس مسارات المراهقين المتعاطين للمواد الطيارة، تونس 2010.
[3]أجريت هذه الدراسة سنة 2008 على عينة تتكون من مئة وخمسين شخصا تراوحت اعمارهم بين 18 و60 سنة مودعين بالسجن من اجل استهلاك مادة مخدرة.
[4]تم الاعتماد في هذا الجزء على الاحصائيات القضائية في المادة الجزائية التي تعدها التفقدية العامة بوزارة العدل بتونس والمتعلقة بالاحكام القضائية الصادرة عن المحاكم طيلة خمسة اعوام ماضية. وذلك من السنة القضائية 2006-2007 الى السنة القضائية 2010-2011.
انظر سامية دولة، "جريمة استهلاك المخدرات في ضوء مؤشرات احصائية قضائية"، مجلة الأخبار القانونية، عدد 150/151 فيفري 2013.
[5]تم اضافة 3 مواد على الجدول –ب-  بمقتضى القانون عدد 6 لسنة 2009 المتعلق بتنقيح واتمام القانون عدد 52 لسنة 1992 والمتعلق بالمخدرات.
[6]الفصل 19 فقرة 2 التي تمت إضافتها إلى القانون عدد 52 بمقتضى القانون عدد 101 المؤرخ في 30 نوفمبر 1998.