"خلال الأشهر الأخيرة، أعرب برلمانيون عن تأثرهم ازاء تأخر الادارة في اتخاذ الاجراءات الضرورية لتنفيذ القوانين التي أقرها البرلمان. وُجه اذ ذاك عدد من الأسئلة الخطية والشفوية للحكومة، قُدم عدد من الاقتراحات الاصلاحية بهدف تقصير آماد التأخير أو وضع حد كلي له. وهذا التحرك الهام لفضح الظاهرة أو الاحتجاج عليها، لم يتوانَ عن الوصول الى الرأي العام، بعدما عكسته الصحافة مرات عديدة". هذه العبارة وردت في مستهل مقالة علمية[1] نشرت في مجلة القانون العام REVUE DE DROIT PUBLICفي فرنسا في 1974. وقد عمد المقال المذكور الى تحليل ما أسماه "ظاهرة عدم تنفيذ القوانين" phénomèneفي الفترة الممتدة من 1968 حتى 1971. وقد سعى من خلال مقاله الى قياس حجم هذه الظاهرة، وفهم أسبابها وأبعادها الدستورية والقانونية. وقد أدت دينامية النقاش في هذا المجال الى ارساء عدد من الحلول، آخرها ما نص عليه القانون الصادر في 8-2-1995 والذي آل الى تمكين القاضي الاداري بالزام الحكومة باصدار المراسيم في مهلة زمنية معقولة. وبذلك، أدخل المشرع تعديلا أساسيا على مبدأ فصل السلطات وتحديدا العلاقات بين القضاء والحكومة، بحيث بات للقضاء حق توجيه أوامر لهذه الأخيرة. وسيتناول هذا المقال الجدل الفقهي الذي دار بهذا الشأن بموازاة تطور اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي، وصولا الى تدخل القانون في 1995 للحدّ من هذه الظاهرة المناقضة للنظام الدستوري، وبوجه خاص لمبدأ فصل السلطات.  

مسؤولية سياسية أم مسؤولية قانونية؟
من النقاشات الفقهية التي أثارتها هذه الظاهرة تحديد طبيعة مسؤولية السلطة التنفيذية في تنفيذ القوانين. فهل هي مجرد صلاحية معطاة للادارة تخضع كيفية ممارستها وتوقيتها لسلطتها التقديرية وفق ما تراه مناسبا من الناحية السياسية، أم أنها مسؤولية دستورية قانونية تكون ملزمة بموجبها باتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ القوانين ضمن مهل معقولة عملا بمبدأ فصل السلطات؟ وبالطبع، في هذه الحالة (وهي الحالة التي استقرت عليها غالبية الفقهاء الفرنسيين)، يستدعي الأمر التفكير بأدوات قضائية لفرض تنفيذ هذه الالتزامات، فيما تكون المساءلة الممكنة في الحالة الأولى، هي سياسية محض يمارسها البرلمان بما له من صلاحيات، تصل الى حد طرح الثقة بالحكومة. وقد يكون السبب الرئيسي في تكوين قناعة بوجود مسؤولية دستورية قانونية لدى الفقهاء هو أن المراهنة على دور البرلمان في محاسبة الحكومة يبقى غير مجدٍ في نظامٍ تستند فيه سلطة الحكومة على أكثرية برلمانية مستقرة، مما يجعل محاسبة الحكومة من خلال التلويح بسحب الثقة أو باسقاطها فعليا أمرا لا يعوّل عليه. فضلا عن ذلك، فان حصر المسألة بالعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يؤدي الى تصوير الظاهرة على أنها مشكلة بين مؤسسات سياسية، مع ما يستتبعه لجهة تجريد المواطنين المتضررين من اللجوء الى اية وسيلة قانونية لمحاسبة تقاعس الحكومة في هذا المجال وتاليا لتحصيل حقوقهم التي تم اقرارها قانونا. وعليه، بدت جميع الاقتراحات الآيلة الى تفعيل نشاط البرلمان في متابعة تنفيذ قوانينه، وقوامها انشاء هيئات نيابية مكلفة بمراقبة اصدار المراسيم التطبيقية في مهل زمنية معقولة أو بدرس العوائق التي تعترض اصدار المراسيم، غير كافية وغير مرضية[2].
وتبعاً لذلك، اتّجه البحث عن حلول تسمح بالحاق مسؤولية الدولة قانوناً. وقد انتقل الجدل اذ ذاك الى تعريف "التأخير" retard، وعمليا المدة المعقولة لاتخاذ الاجراءات الضرورية لتنفيذ القوانين، على أن يتم الفصل بين التأخير المبرر والتأخير التعسفي الخاطئ[3].

كيف تصدى القضاء لهذه الظاهرة؟ 
في هذا السياق، كان للقضاء الاداري الفرنسي محاولات عدّة لحلّ هذه المسألة من خلال اصدار سلسلة من القرارات أقرّ فيها بواجب الحكومة باصدار المراسيم في مهلة زمنية معقولة والاعتراف بالضرر الذي يسبّبه التأخّر في اصدار تلك المراسيم بحق المواطنين، محملاً الحكومة المسؤولية.

وقد اتخذ هذا الأمر شكلين أساسيين:

الزام الدولة بتسديد تعويضات للمتضرر تبعا للتأخر في تنفيذ القوانين
أول الغيث حصل في 1934، حين أقرّ مجلس الدولة بعدم قانونية قرار وزاري بتمديد المهلة القانونية لوضع مرسوم تنفيذي لأحد القوانين، معتبراً ان الوزير الذي أصدر هذا المرسوم قد خالف التزامه في تطبيق القانون ضمن المهلة المحددة له[4]. وقد انتهى مجلس الدولة في هذه القضية الى منح المواطن المتضرر تعويضا عن الضرر الناجم عن التأخير المتعمد في تنفيذ القانون. وقد كرس مجلس الدولة مبدأ المسؤولية في هذا المجال في حالات التأخّر في تنفيذ القوانين، حتى ولو لم تتم قصدا، كأن يحصل نتيجة تقاعس أو خلل في المرفق العامّ[5].

ابطال قرارات رفض اتخاذ الاجراءات الضرورية لتنفيذ القانون 
وفي 1951، عدّل مجلس الدولة موقفه ليكرس في حيثيات واضحة واجب الادارة في اتخاذ القرارات الضرورية لتطبيق مرسوم وضمنا واجبها في اصدار المراسيم الضرورية لتنفيذ القوانين ضمن مهل معقولة[6]. ومن النتائج العملية التي ترتبت على هذا التحوّل تمكين المواطن أن يتقدم الى الادارة بطلب اتخاذ المرسوم الضروري لتنفيذ قانون معين، فاذا رفضت هذه الادارة الطلب صراحة أو ضمنا[7]، جاز له الطعن بقرار الرفض وابطاله لتجاوز حد السلطة في حال ثبوت أن التأخر غير مبرر أو تعسفي. وكان هذا التوجه موضع اعتراض من فقهاء سابقين عدة، على اعتبار أن ابطال رفض الادارة بالقيام بعمل معين يعني عمليا الزامها بالقيام به، الأمر الذي يشكل تجاوزا لمبدأ عدم جواز اتخاذ الادارة بالقيام بأمال معينة injonction[8]. وقد تأيد هذا التوجه بقرارات لاحقة، أبرزها القرار”kevers pascalis”  الصادر في 1962.
الا ان هذه الحلول ليست كافية، فهي اقتصرت على محاسبة الحكومة المتقاعسة عن اصدار المراسيم. الا أنها بقيت عاجزة عن الزامها باصدار تلك المراسيم. مما استدعى تدخل المشرع لتقديم الحل المنتظر، وهو منح القاضي الوسيلة لالزام الادارات العامة باتخاذ المراسيم التطبيقية.

تدخّل المشرع لحل المسألة
في 8/2/1995، وفي خطوة ثورية لجهة دور القضاء في ضمان تنفيذ القوانين، أقرّ المشرع الفرنسي تعديلا قانونيا أساسيا يهدف الى منح القاضي الاداري الصلاحية لالزام الادارة باتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ أحكامه (ومعها القانون المتأخر تنفيذه) ضمن مهلة معينة (مادتان 911-1 و911-22 من قانون القضاء الاداري الفرنسي). ويكون للقاضي في هذه الحالات أن يرفق قراره بالزام الادارة بتنفيذ الحكم بغرامة مالية في حال تخلف الادارة عن التنفيذ ضمن المهلة المحددة.

وبذلك، فتح القانون الباب أمام كل مواطن متضرر من تأخر الحكومة في اصدار المراسيم التطبيقية، ان يلجأ للقاضي الاداري ليأمر رئيس الحكومة باصدار المراسيم اللازمة ضمن مهلة زمنية معنية تحت طائلة دفع غرامة مالية عن كل يوم تأخير.

نشر في العدد السابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1]  M.Guibal, “Le retard des textes d’application des Lois”, RDP, 1974, p. 1039.
[2]M.Guibal, “Le retard des textes d’application des Lois”, RDP, 1974, p. 1039. 
[3]R. Harnicotte, “Le juge face au retard des textes d’application”, RDP. 1986, p. 1667.
[4] Arrêt Soc.Van Outryve, 6 juillet 1934. 
[5] Arrêt Demoiselle Ruben, 9 juin 1967.
[6] Arrêt Union des anciens militaires titulaires d’emplois réservés a la SNCF, 13 juillet 1951.
 
[7] يحصل الرفض الضمني في حال أعرضت الادارة عن تقديم اي جواب على طلب معين رغم انقضاء شهرين من تقديمه.
[8] R. Harnicotte, op.cit, p. 1688.