ربطت شعارات ثورة الكرامة في تونس بين الفساد والاستبداد فقرنت التخلص من الفساد بدحر الاستبداد. وبعد أربع سنوات من الثورة وفي ظل الانتقال الديموقراطي، بدأ يتبين أن التصور النظري يحتاج تعديلاً، إذ إن الديموقراطية لا تمنع الفساد ما لم تكن هناك سياسة واضحة تقاومه. يطرح رئيس الجمعية التونسية للمراقبين العموميين السؤال عبر المفكرة القانونية ليشخص مظاهر الفساد التي برزت في ظل الانتقال الديموقراطي وينتهي لتصور ما بهدف معالجتها (المحرر).
 
كان يتوقع أن يؤدي إرساء نظام ديموقراطي ينهي التسلط السياسي الى "تقهقر الفساد وتراجع مداه بعدما تحول الى ظاهرة ميزت المعاملات في تونس قبل الثورة. وإذ كانت الثورة قد نجحت في إنهاء أشكال من الفساد كانت سائدة قبل الثورة وتميزت خصوصاً بالعمولات والصفقات المشبوهة، فإن المفاجئ أن الفساد في مجمله لم يتراجع في تونس أربع سنوات بعد الثورة بما يحتم طرح السؤال حول هذا الموضوع.

تبيّن العديد من الدراسات حول الفساد بتونس أن هذه الآفة قد زاد انتشارها خلال السنوات التي تلت الثورة. وليس أدلّ على ذلك من أن تونس تراجعت إلى المرتبة 79على مؤشر الشفافية الدولية سنة 2014 بعدما كانت في المرتبة 59 سنة 2010. كما أكدت دراسة أصدرتها الجمعية التونسية للمراقبين العموميين مؤخرا أن 77% من التونسيين يرون أن حجم الفساد زاد بعد الثورة. ويرجع ذلك بالأساس حسب ما تؤكده عديد البحوث في هذا المجال إلى ضعف مؤسسات الدولة خلال فترات الانتقال الديموقراطي وعدم قدرتها على مجابهة ما يطلق عليه عملية دمقرطة للفساد والرشوة. وتظهر في هذه الفترات أشكال جديدة من الفساد أفرزها الوضع السياسي الجديد ومتطلبات إعادة تشكيل الخريطة السياسية. ويضاف اليها عدم وضوح أولويات الحكومات المتعاقبة على تونس بعد الثورة واعتبار أغلبها أن توفير الأمن وتحسين الوضع الاقتصادي وإجراء الانتخابات هي في مطلع الأولوياتمقابل تجاهلمكافحة الفساد الذي يبدو بمثابة مطلب رفاهي.

الفساد الصغير: ديموقراطية الفساد
يوصف اصطلاحاً هذا النوع من الفساد بالصغير لكون المبالغ المدفوعة بصفة فردية في كل عملية رشوة ضئيلة، إلا أن الحجم الجملي لهذا الفساد يعدّ هاماً، حيث تم تقديره في تقرير صدر مؤخراً [1]بقرابة 220 مليون دولار وهو مجموع المبالغ التي دُفعت في السنة الماضية رشىً صغيرة لموظفين صغار لتسهيل معاملات إدارية يومية أو تلافي خطايا أو عقوبات، وذلك دون احتساب الهدايا والخسائر المباشرة لميزانية الدولة. ولئن كان هذا النوع من الفساد موجوداً منذ عقود، إلا أن حجم وتواصل انتشاره خلال هذه الفترة هو ما يثير التخوف من تحوله إلى سلوك جماعي ومعيار اجتماعي ومكرّساً لما يمكن أن يسمى "النهب الجماعي لمقدّرات الدولة". وما يزيد الأمر تأزماً هو قبول التونسيين بمثل هذا السلوك الخطير واعتباره أمراً عادياً وأسلوباً مقبولاً لقضاء الحاجيات الإدارية رغم ما يمثله هذا النوع من الفساد من تهديد لعملية الانتقال الديموقراطي ولأمن البلاد، كما أنه يؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ويحول دون نجاح أية محاولة إصلاح تقوم بها الدولة.

الفساد السياسي: ثمن إعادة تشكيل الخريطة السياسية
يبرز هذا النوع من الفساد بصورة جديدة خلال فترات الانتقال الديموقراطي. فبعدما كان النظام القديم وبطانته مسيطرين على مخصصات الدولة ومتحكمين فيها، تبرز مع الانفتاح السياسي وحرية النشاط الحزبي واحتداد التنافس بين الأحزاب ووصول البعض منها إلى سدة الحكم أشكال غير معهودة من الفساد.

غالباً ما تكون الأحزاب في الديموقراطيات الوليدة "متعطشة للسلطة"، وذلك بعد فترة طويلة من الإقصاء، إلا أنه لقلة خبرتها وعدم معرفتها بدواليب سير الحكم تكون غير قادرة على بناء منظومة حكم تعبّر عن المرحلة الجديدة وتستجيب لمتطلباتها. ويدفعها التعجل بالإمساك بمقاليد السلطة إلى استمالة المنظومة القديمة وتأليف قلوب منتسبيها من أصحاب المصالح المهددة لضمان الاستفادة من "خبراتهم" واطلاعهم على القواعد الخفية لتسيير الدولة والاعتماد عليهم لتمويل حملاتها الانتخابية ومصاريف انتشارها الباهظة. فيما يسارع أصحاب المصالح المهددة من ناحية أخرى إلى الارتماء في أحضان كل قوة سياسية صاعدة لضمان الحفاظ على امتيازاتهم. ويكفي للتدليل على ذلك ما برز أثناء الحملات الانتخابية من عدم التزام من الأحزاب الكبرى بقواعد تمويل الحملات الانتخابية، وهو أمر أقرت به اللجنة المستقلة للانتخابات وكذلك العدد الهام من رجال الأعمال المنضمين للهياكل القيادية للأحزاب الناشئة حديثاً في تونس. وقد اعترف العديد من هؤلاء بتمويل أكثر من حزب عملاً بمقولة "لا تضع جميع بيضك في السلة نفسها". وتسبب هذا الوضع في تكريس زبونية جديدة على حساب بناء مؤسسات ديموقراطية حقيقية تكرست أكثر من خلال التعيينات في مراكز الحكم (الوزراء، أعضاء الدواوين الوزارية) لا على أساس الكفاءة والنزاهة بل على أساس القرابة والاستمالة، كما ساهم هذا الأمر في تعزيز الإفلات من العقاب ومنع إقامة عدالة انتقالية حقيقية تسمح بالمرور إلى مرحلة جديدة من بناء الديموقراطية التونسية. ومن جهة أخرى يبرز التمويل الأجنبي لهذه الأحزاب كنوع من الفساد السياسي وتهديد جدي للمسار الديموقراطي وتحريف للتنافس السياسي النزيه. وعادة ما يتخفى هذا النوع من الفساد وراء أنشطة جمعياتية ظاهرها مساعدات اجتماعية وباطنها التأثير على الناخبين، خصوصاً في الأحياء الفقيرة. وقد أكدت دائرة المحاسبات بصفتها مكلفة بالرقابة على تمويل الانتخابات عن صعوبة مراقبة هذا النوع من التمويل نظراً لتخفيه وراء جمعيات تكون واجهة للتمويل غير المباشر لهذه الأحزاب.

من جهة أخرى، يتشكل الفساد السياسي في هذه المرحلة عبر استغلال الواجهة الإصلاحية للنظام الجديد لإعادة توزيع "لمنظومة نهب الثروات الوطنية" من خلال إمكانية سعي الكثير من السياسيين الجدد لخدمة مصالح ذاتية وتكديس الثروات الشخصية بالاستعانة بالوسائل القديمة غير المشروعة وتطويع الأدوات التي سبق أن استعملها النظام الفاسد لمواصلة نهج الفساد (تطويع القوانين للحصول على الامتيازات، الرخص الإدارية والبيرقراطية المكثفة). وقد أكد تقرير البنك الدولي الصادر في 2014 حول الوضع الاقتصادي التونسي بعنوان "الثورة غير المكتملة" تواصل نظام الامتيازات والاقتصاد الريعي الذي كرسه نظام بن علي والتباطؤ في اتخاذ إجراءات جذرية للحد منه.

كما برزت فرص جديدة للفساد خلال هذه الفترة من خلال الصراع من أجل إعادة السيطرة على مخصصات وأصول النظام القديم، وخاصة منها الشركات الكبرى التي كانت مملوكة لعائلة بن علي والتي صودرت بعد الثورة وسرعان ما تم التفويت في العديد منها.

الفساد في قطاع الإعلام: الإعلام في خدمة من يدفع أكثر
لئن كان هذا النوع من الفساد موجوداً قبل الثورة التونسية. وهو ما يؤكده تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد والذي أثار حالات فساد تعلقت بتبييض الإعلام لنظام بن علي لدى الرأي العام الوطني والعالمي باستعمال وسائل الدولة واللجوء إلى أبواق إعلامية محلية أو أجنبية مقابل امتيازات مالية هامة عبر الوكالة التونسية للاتصال الخارجي. إلا أن حجم وطبيعة هذا النوع من الفساد تغيّر بعد الثورة وأصبح هدفه الأساسي إما تبييض وجوه سياسية ورجال أعمال أو خدمة أحزاب أو تصفية حسابات.

حررت الثورة  الإعلام التونسي من سلطة الدولة، وأدى مناخ الحرية لبروز تعددية إعلامية على مستوى المؤسسات والإصدارات. لكن يلاحظ أن عدداً من هذه الوسائل الإعلامية تحول سريعاً  لخدمة أجندات سياسية لأحزاب ومهاجمة وتشويه أطراف أخرى وتوجيه الرأي العام. خاصة أن العديد من المؤسسات الإعلامية التونسية مملوكة لرجال أعمال أو أطراف قريبة من أحزاب سياسية نافذة.

رغم خطورة هذه الأشكال الجديدة من الفساد، إلا أنه يصعب كشف خيوطها نظراً لعدم استجابة المنظومة القانونية القديمة المرتكزة أساساً على أنواع الجرائم الواردة في الباب الثالث من المجلة الجنائية التونسية المتعلق "بالجرائم المرتكبة من الموظفين العموميين وأشباههم حال مباشرة أو بمناسبة مباشرتهم لوظائفهم" لمتطلبات مكافحة هذا الفساد، وتعطّل مصادقة مجلس نواب الشعب على حزمة من القوانين الحديثة  كقانون الإثراء غير المشروع وقانون التصريح بالممتلكات بالنسبة لكبار موظفي الدولة وقانون حماية المبلغين عن الفساد والقوانين المتعلقة بالحد من تضارب المصالح باعتبارها تمثل وسائل فعالة لكشف ومجابهة هذه الأشكال الجديدة من الفساد التي يصعب إثباتها بصفة مباشرة.

٭رئيس الجمعية التونسية للمراقبين العموميين

نشر في العدد واحد من مجلة المفكرة القانونية


[1]تقرير الجمعية التونسية للمراقبين العموميين حول الفساد الصغير الموجود على موقع الجمعية  atcp.org.tn