منذ الثورة في 2011، مرت مصر بأكثر من مرحلة دستورية. فقد تم في البداية التصويت على تعديلات أدخلت على دستور 1971 في مارس 2011، ليصدر الإعلان الدستوري الذي استمر العمل به حتى إصدار دستور 2012. في مارس 2012، انتخب مجلس الشعب أعضاء اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، ولكن محكمة القضاء الاداري في 10-4-2012 ألغت قرار مجلس الشعب بتشكيل الجمعية التأسيسية الأولى لصياغة الدستور[1]. ومن ثم، انتخب مجلس الشعب لجنة جديدة لصياغة الدستور، وتم وضعه والاستفتاء عليه في ديسمبر 2012. وبعد تظاهرات 30-6-2013 وسقوط نظام الإخوان، تم الاتفاق على إدخال تعديلات على دستور 2012، ليتم الاستفتاء على دستور جديد وإصداره في بداية عام 2014. الدستور الصادر في 2014 هو الدستور الساري في مصر حتى اللحظة، وهو الدستور الذي سنتناول الخطوات التي اتخذتها الدولة في سبيل تطبيقه.
 
تشكيل اللجنة العليا للإصلاح التشريعي
بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية في شهر يونيو 2014، أصدر أول قراراته في 15-6-2014 بتشكيل اللجنة العليا للإصلاح التشريعي. وقد ضمت اللجنة بموجبه رئيس مجلس الوزراء رئيساً، وزير شؤون مجلس النواب والعدالة الانتقالية، وزير العدل، رئيس مجلس الدولة، مفتي الجمهورية، وكيل الأزهر، رئيس هيئة مستشاري مجلس الوزراء، رئيس قسم التشريع بمجلس الدولة، مساعد وزير العدل لشؤون التشريع، بالإضافة الى ثلاثة من أساتذة كليات الحقوق بالجامعات يختارهم المجلس الأعلى للجامعات، اثنين من رجال القضاء بدرجة رئيس استئناف أو ما يعادلها يختارهما مجلس القضاء الأعلى، اثنين من المحامين يختارهما مجلس نقابة المحامين، وثلاثة من رجال القانون من الشخصيات العامة يختارهم رئيس مجلس الوزراء.
ونلاحظ مما سبق أن اللجنة يغلب عليها الطابع "الحكومي". فأغلب أعضائها وزراء أو تابعون لوزارات أو معينون من مراجع رسمية. وباستثناء ممثلي نقابة المحامين، لا نجد أي تشريك للقوى الاجتماعية غير الرسمية. وهي تالياً ليست لجنة قانونية، ولا لجنة تشاركية. وهو الأمر الذي يعكس اتجاه الدولة الى حصر وضع القوانين ضمن الآليات الرسمية، خاصة إذا تم إصدارها بناءً على قرار بقانون من رئيس الجمهورية من دون انتظار انتخاب مجلس النواب الجديد.
 
وقد حدد القرار المهام الموكلة الى اللجنة كالآتي:

-         "إعداد وبحث ودراسة مشروعات القوانين والقرارات الجمهورية وقرارات رئيس مجلس الوزراء اللازم إصدارها أو تعديلها تنفيذاً لأحكام الدستور المعدل الصادر في 18-1-2014، أو التي تحيلها اليها الوزارات والجهات المختلفة لمراجعتها وتطويرها والتنسيق بينها وبين التشريعات المختلفة لضمان عدم تعددها وقصورها أو تناقضها أو غموضها، والعمل على ضبطها وتوحيدها وتبسيطها ومسايرتها لحاجة المجتمع، وملاءمتها للسياسة العامة للدولة وفلسفتها وأهدافها القومية التي يحددها الدستور.
-         بحث ودراسة ومراجعة مشروعات القوانين الرئيسية بهدف تطوير وتجديد التشريعات، وتوحيد وتجميع التشريعات في الموضوعات المتجانسة، بما يتوافق مع الدستور ويواكب حركة المجتمع وتبسيط نظام التقاضي وتيسير إجراءاته وإزالة معوقاته.
-         بحث ودراسة الموضوعات التي يرى رئيس اللجنة العليا عرضها عليها بحكم اتصالها بشؤون التشريع وتقديم التوصيات اللازمة في شأنها".
 
ونلاحظ مما سبق ان اللجنة هي التي تولت مهمة إعداد مشاريع القوانين التي يجب إصدارها أو تعديلها لتنفيذ مواد الدستور الصادر في 2014، بالإضافة الى مراجعة التشريعات المصرية، الى جانب أي موضوع آخر يطرحه رئيس مجلس الوزراء. وقد أشار البعض[2] الى أن عمل هذه اللجنة يتداخل مع عمل بعض اللجان الموجودة حالياً مثل لجنة التشريع بمجلس الدولة، وإدارة التشريع بوزارة العدل.
 
آليات عمل اللجنة

·        الفترة الزمنية
نصت المادة السابعة من القرار الصادر بتشكيل اللجنة بأن تنتهي اللجنة من التشريعات العاجلة في صورتها النهائية وتقوم بعرضها على رئيس الجمهورية خلال شهرين من تاريخ العمل بهذا القرار. ولكن اللجنة ما تزال منعقدة حتى اللحظة وتقوم بأداء عملها، وقد فسر البعض أن المدة الزمنية المنصوص عليها في القرار الجمهوري بتشكيلها ما هي إلا مدة تنظيمية وليست تنفيذية. وسواء كان الأجل المنصوص عليه تنظيمياً أو تنفيذياً، فإنه يعكس السرعة المرجوة من اللجنة لمراجعة التشريعات ومناقشتها. وهو الأمر الذي قد لا يكون مفهوماً، خاصة مع غياب مجلس النواب في مصر حتى اللحظة واستمرار تأجيل الانتخابات.
فهل أنّ ثمة اتّجاهاً بأن يصدر رئيس الجمهورية كل التشريعات التي تقوم اللجنة بمناقشتها قبل انتخاب مجلس النواب؟ وهو الأمر الذي يشير د. فتحي فكري، أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، الى عدم دستوريته، نظراً لأن سلطة التشريع التي يتمتع بها رئيس الجمهورية يطلق عليها "لوائح الضرورة"، وهي لا تصدر إلا إذا كان هناك ضرورة لا تحتمل انتظار البرلمان. وهذا الأمر يعني أن كلّ ما يصدر بقرارات بقوانين من رئيس الجمهورية دون أن يكون هناك ضرورة لإصدارها، معرضة للطعن عليها بعدم الدستورية[3].
أم أن الاتّجاه هو أن تكون كل مقترحات مشاريع وتعديلات القوانين جاهزة حتى يتم وضعها على أجندة المجلس القادم فور انعقاده؟ وهو أمر غير منطقي نظرا لعدد التشريعات التي يقتضي بحثها، مما يحتاج الى مناقشات قد يتجاوز طولها مدة ولاية البرلمان (خمس سنوات).
وفي سبيل تحقيق تلك السرعة، نص القرار على ضرورة اجتماع اللجنة العليا للإصلاح التشريعي مرة واحدة على الأقل كل أسبوعين بناءً على دعوة رئيسها، وهو رئيس مجلس الوزراء.
 
·        اللجان المساعدة للجنة العليا
الىجانبذلك، صدر قرار بتشكيل لجنة فنية يكون من واجباتها إعداد مشروع جدول أعمال اجتماعات اللجنة العليا، وتحضير المواضيع التي تطرح في جلستها، الى جانب مباشرة الإجراءات اللازمة لتنفيذ قرارات وتوصيات اللجنة ومتابعتها، بالإضافة الى إعداد الدراسات والبحوث اللازمة لأعمال اللجنة العليا.
 
كما نص قرار التشكيل على استحداث 6 لجان فرعية هي:
-         لجنة التشريعات الاقتصادية،
-         لجنة التشريعات الاجتماعية،
-         لجنة التشريعات الادارية،
-         لجنة تشريعات الأمن القومي،
-         لجنة تشريعات التقاضي والعدالة،
-         لجنة تشريعات التعليم.
 
وبذلك، يكون القرار قد قسم التشريعات الى ستة أقسام، تهتم كل لجنة بأحدها. ويعد هذا الأمر جيداً، خاصة أن عدد التشريعات المخول الى اللجنة مراجعتها ومناقشتها مرتفع. وبذلك، يساهم هذا التقسيم في تسريع وتيرة عمل اللجنة ومناقشة القوانين بصورة أعمق وإعطاء كل قانون وقته وحقه، بالإضافة الى التواصل مع الجهات المعنية بالقانون محل المناقشة. كما نص القرار على أنه بإمكان اللجنة أن تشكّل لجاناً أخرى لدراسة مشروع أو موضوع بذاته. كما أنه أجاز للجنة الاستعانة بمن تختارهم من الخبراء والمختصين في مجال التشريع.
 
-         الأولويات التشريعية للجنة

·        أولويات تشريعية فرضها الدستور
نص الدستور في بعض مواده على ضرورة إصدار بعض القوانين في دور الانعقاد الأول للبرلمان، ومنها قوانين العدالة الانتقالية، وقانون تنظيم بناء وترميم الكنائس. وبالاضافة الى ذلك، نص الدستور على أن يصدر مجلس النواب "قانوناً بتنظيم قواعد ندب القضاة وأعضاء الجهات والهيئات القضائية، بما يضمن إلغاء الندب الكلي والجزئي لغير الجهات القضائية أو اللجان ذات الاختصاص القضائي أو لإدارة شؤون العدالة أو الإشراف على الانتخابات، وذلك خلال مدة زمنية لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور".
كذلك نص الدستور في المادة 240 منه على ضرورة "توفير الإمكانات المادية والبشرية المتعلقة باستئناف الأحكام الصادرة في الجنايات وذلك خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وينظم القانون ذلك"، وهو ما يعني إجراء تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية.
 
·        الأولويات التشريعية الفعلية للجنة
ولكن أولويات اللجنة التي تم الإعلان عنها ليست تلك التي نص عليها الدستور. فقد تم الإعلان من خلال الصحف المختلفة أن رئيس الجمهورية طلب منها الإسراع في إنجاز تشريعات الاستثمار وفي مقدمتها قانون الاستثمار الموحد وما يرتبط به من قوانين العمل والشركات والإفلاس وحماية المستهلك، بالإضافة الى قوانين الأحوال الشخصية والنقابات والإدارة المحلية[4]وقوانين مكافحة الإرهاب.
وتتضح هذه الأولويات أكثر بالنظر الى مشاريع القوانين التي وضعتها كل لجنة فرعية على قائمتها لمناقشتها:
فقد أعلنت لجنة التشريعات الاجتماعية عن قائمة تتضمن 25 قانوناً تحتاج الى الإصدار أو الى المراجعة انسجاماً مع مواد الدستور الجديد. ومن أمثلة القوانين الموضوعة على أجندة لجنة التشريعات الاجتماعية: قانون الرعاية الصحية، قانون التضامن والتكافل الاجتماعي، قانون الجنسية، قانون العمل، قانون التأمينات الاجتماعية، قانون تنظيم وترميم الكنائس، قانون المؤسسات الصحافية، قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، القوانين الخاصة بالنقابات، سواء العامة أو المهنية، وغيرها من القوانين. والجدير بالذكر أن العديد من هذه القوانين تم إعداد مشروعات قوانين خاصة بها من قبل بعض الوزرات أو مؤسسات المجتمع المدني، ويتم التباحث والنقاش بخصوصها منذ فترة. وهو الأمر الذي يعكس ان لجنة التشريعات الاجتماعية قد استجابت الى متطلبات المجتمع عند وضعها الاجندة الخاصة بها.
أما لجنة التشريعات الاقتصادية، فقد أعلن رئيسها[5] ان قانون حماية المستهلك سيكون على رأس أولويات القوانين التي ستطلبها من الجهات المعنية، بالاضافة الى الاتجاه الى تعديل قانون التجارة وتنظيم الإفلاس.
أما لجنة تشريعات الأمن القومي فقد حددت أولوياتها[6] بقوانين تتعلق بالهجرة غير الشرعية، الارهاب بجوانبه الإجرائية والموضوعية بما يتضمنه ذلك من تشريع لإدراج الكيانات والجماعات الارهابية، بالإضافة الى مراجعة منظومة الإضراب في التشريعات المصرية.
 
ومما سبق، نلاحظ أن اهتمام الدولة اتجه نحو القوانين الاقتصادية في المقام الأول وذلك لجذب الاستثمار، وهو الأمر الذي ينذر باتخاذ خطوات لجذب الاستثمار وتشجيع المستثمرين قد تكون على حساب الحقوق الاقتصادية للمواطنين.
والجدير بالذكر كذلك، أن الرئيس لم يطلب من اللجنة إعادة النظر بقانون التظاهر، رغم أنه كان وما زال محور مطالبات اجتماعية عدة بوجوب تعديله، ومطابقته بالدستور، وتوقيف حبس الشباب المتظاهر على أساسه. وقد تواصل تجاهل هذا القانون في موازاة إيلاء قوانين الاستثمار مكانة هامة. بالاضافة الى ذلك، تم الاهتمام بالقوانين الخاصة بمكافحة الارهاب، وهو الأمر الناتج من الأوضاع التي تمر بها البلاد من حوادث ارهابية بعد 30-6. وكان من الأجدر الاهتمام بتطبيق قانون العقوبات الذي يحتوي العديد من المواد الخاصة بمكافحة الارهاب، بدلاً من إصدار تشريعات جديدة.
 
-         إعداد المشروعات ومناقشتها
لم ينص القرار الجمهوري على آلية واضحة للجنة لإعداد المشاريع. فهل الأمر محصور في مبادرات اللجنة، أم اقتراحات الوزارات المعنية، أم يمكن للمنظمات المدنية أو المؤسسات المعنية التقدم باقتراحات وبمشاريع لتعديل أو لإصدار قوانين. هذا الأمر يبقى غير واضح.
أما عن مناقشة القوانين، فقد نص القرار على تولي اللجان الفرعية إجراء حوار مجتمعي حول مشاريع القوانين والقرارات التي تقوم بمناقشتها، ولكن من دون النص على آليات هذا الحوار. ويكون بذلك ترك للجان الفرعية أن تقرر ما تراه مناسبا بهذا الشأن. أما نتائج هذا الحوار المجتمعي، فقد نص القرار على أن تقوم اللجنة الفرعية بإعداد مشروع ثان يتضمن نتائج هذا الحوار، وأن تقدمه فيما بعد الى اللجنة العليا للإصلاح التشريعي. ولا يعرف هنا إذا كان يلزم الاستجابة للنتائج التي توصل اليها الحوار المجتمعي أم إذا كان للجنة العليا أن تتخذ القرار الذي تراه مناسباً. الاحتمال الأول يعكس اختيار الأسلوب التشاركي والتوافقي، أما الاحتمال الثاني، فيجعل من الحوار المجتمعي مجرد "تمثيلية" لإيهام المجتمع ان هناك حواراً وانه يتم إشراكهم في صياغة القوانين، خلافاً لواقع الحال.
بالاضافة الى ذلك، نصت المادة الرابعة من القرار على دعوة الوزير المختص او من ينوب عنه لحضور اجتماع اللجنة العليا عند مناقشة مشروع قانون مقدم من وزارته أو "التي يدخل في اختصاصها أو يتصل بها"، مع إعطائه حق التصويت.
 
الخلاصة
المنهجية التي أقرتها الدولة لتطبيق الدستور الصادر في 2014، هي في ظاهرها جيدة وإن كان عيبها الأكبر يكمن في استبعاد القوى الاجتماعية عن تشكيل اللجنة العليا للإصلاح التشريعي. والنص على ضرورة تنظيم اللجان الفرعية لحوارات مجتمعية حول المشاريع والتعديلات القانونية التي تعدّها، هو أمر من شأنه إشراك القوى الاجتماعية في العملية التشريعية، ولكن يجب ضمان أن تكون هذه الحوارات حقيقة وتفاعلية، وان تستجيب اللجان الى النتائج والمتطلبات الناتجة من الحوارات التي تجريها، وان تبين اسبابها في حال رفضها. وهي الأمور التي تحتاج الى مراقبة أعمال اللجان الفرعية للتحقق منها.
يبقى ان الاولويات التي اختارتها اللجنة تبقى موضع تساؤل، خصوصا مع إغفال بعض القوانين التي تم الاعتراض عليها مثل قانون التظاهر، والتعديلات الأخيرة على قانون الاستثمار[7]، وهي القوانين التي تم الطعن عليها بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا.
 
 نشر في العدد واحد من مجلة المفكرة القانونية في تونس
 
 نشر في العدد السابع و العشرون من مجلة المفكرة القانونية في لبنان


[1]راجع فتوح الشاذلي، "القضاء المصري في فترة ما بعد الثورة (2011-2014) (4): تفاعل أحكام القضاء المصري مع المطالب الثورية"، نشر على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 1-4-2014.
[2]راجع تصريح أ.فتحي فكري، استاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، خلال استضافته في برنامج "أخر كلام" مع الاعلامي يسري فودة على قناة "أون تي في"، بتاريخ 20-8-2014.
[3]راجع حلقة برنامج "اخر كلام" بتاريخ 20-8-2014 مع الاعلامي يسري فودة، على قناة "اون تي في".
[4]راجع "السيسي يطالب الاصلاح التشريعي بسرعة تعديل قوانين الاستثمار"، نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ 9-10-2014.
[5]راجع "رئيس التعديلات الاقتصادية: تعديل قانون شركات قطاع الأعمال والتجارة على أجندة اللجنة"، نشر على الموقع الالكتروني لجريدة الشروق بتاريخ 17-9-2014.
[6]راجع "الأمن القومي بالاصلاح التشريعي تحدد الارهاب والإضراب أولويات عمل"، نشر على الموقع الالكتروني لجريدة اليوم السابع بتاريخ 28-9-2014.
[7]راجع منة عمر، "منع المواطنين من الطعن على عقود الاستثمار: للمستثمر الأولوية في حسابات الحكومة المصرية ولا حياة لمن يعترض"، نشر على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 17-4-2014.