شهد العقد الأخير تجاذبا لافتا بين قضايا المرأة وعدد من مرتكزات النظام الطائفي. وخلافا لما يعتقده البعض لجهة أن الاعتبارات الدينية هي العائق الأساسي أمام نجاح هذه القضايا، نرى أن هذه القضايا حققت نجاحا في  خرق النموذج الطائفي للأحوال الشخصية ولو في مجالات محددة ومحصورة، فيما بقيت بالمقابل عاجزة عن تجاوز القواعد السياسية المتصلة بتقاسم السلطة. فبعد نقاش طويل حول أحقية المرأة في منح أولادها الجنسية، انتهى مجلس الوزراء في 17-1-2013 الى حسم المسألة، أقلّه مؤقتاً، باعلان رفضه التسليم بهذه الأحقية رضوخا لاعتبارات التوازن الديمغرافي الطائفي. ولضبط هذه الظاهرة الجديرة بالتوقف والتفكر، يجدر التذكير بأهم تجاذبين حصلا على هذا الصعيد.

خرق الهيمنة الدينية في مسائل الأحوال الشخصية
الوجه الأول لهذا الخرق حصل مع التوجه الذي اعتمده عدد من قضاة الأحداث (وهم قضاة مدنيون) باعلان اختصاصهم لاتخاذ تدابير حماية لأي طفل قد يجدونه في حال الخطر، حتى ولو أدت هذه التدابير الى نتائج مخالفة للأحكام الصادرة عن محاكم شرعية أو مذهبية. وهذا ما يحصل مثلا في حال قرّر القاضي ابقاء الطفل في منزل والدته رغم بلوغ الطفل سنّا توجب حسب المحاكم الشرعية نقل الحضانة الى والده (فوزي خميس)، أو في حال الزام أحد الوالدين بتسديد نفقة لأولاده المودعين لدى والدتهم (جناح عبيد). وقد تكرّس هذا التوجّه في الحكم الصادر عن أعلى مرجع قضائي (الهيئة العامة لمحكمة التمييز، 7-7-2009) والآيل الى رد الاعتراضات الصادرة عن المراجع الدينية في هذا الشأن على خلفية أن هذا الاجتهاد يشكل تطاولا على صلاحياتها.

وقد كان لهذا التوجه آثار هامة انتهت الىاحداث مفاعيل تراكمية في مجالات أسرية عدة.

فقد شكّل أوّلا مدعاة ولو غير مباشرة الى اعادة النظر في القواعد الطائفية بخصوص سنّ الحضانة، وتاليا الى انجاز اصلاحات داخل الطوائف، وذلك تجنبا لتدخل القاضي المدني. وهذا ما آل لاحقا الى اصدار قانون سمح برفع سن الحضانة لدى الطائفة السنّية من 7 سنوات للصبي و9 سنوات للفتاة الى 12 سنة. ويسعى تكتل نسائي الى تعميم هذا التوجه على الطوائف كافة،

والثاني، أنه شكل حافزا لوضع تشريعات حمائية جديدة أو لاعادة النظر في تشريعات طائفية قائمة. وهذا ما يتحصل من اقرار قانون حماية المرأة من العنف الأسري بما فرضه من مجال لتدخل القاضي المدني في قضايا الأسرة. كما نتبينه بوضوح في الأسباب الموجبة لاقتراح قانون تقدم به في 2014 النائب غسان مخيبر لاخضاع زواج القاصرات لموافقة مسبقة من قاضي الأحداث، حيث جاءحرفياً في ديباجته: "أن حق الدولة في التشريع على مستوى حماية العائلة اللبنانية محفوظ وثابت وأنه يقع على الدولة اللبنانية واجب رعائي يقضي بحماية رعاياها من كامل الأوجه الاجتماعية". وهذا الاعلان يقطع عمليا مع الخطاب الرسمي بأن الأمور الأسرية تدخل حصرا ضمن سيادة الطوائف في تنظيم الأحوال الشخصية وأنه ليس للمشرّع أيّ أحقية في مناقشتها حتى. وقد وصفت الوثيقة هذا الواجب بوضوح كلي لا يترك مجالا للبس ب"الانتظام العام". ومن هنا، يقتضي حسب واضعي الاقتراح أن يوفّق المشرع دوما بين مراعاة قوانين الأحوال الشخصية عملا بالمادة 9 من الدستور والتزامات الدولة تجاه رعاياها والمقيمين على أراضيها من خلال تحصين دور الدولة الرعائي والحمائي. وبالطبع، يشكل هذا التوجه أحد أبرز انجازات الحياة المدنية، ومسارا يسمح للقاضي بتخفيف حدّة القواعد الطائفية التقليديّة في مجال الأسرة.

الغلبة للتوازن الديمغرافي في مسألة حق المرأة في منح جنسيتها لأولادها
خلال الفترة الممتدة من 2008 حتى 2013، شهد الخطاب حول حق المرأة بمنح جنسيتها لأولادها تطوّرا لافتا. فخلال هذه الفترة، صدر القرار القضائي الشهير في قضية سميرة سويدان والذي منحها حق اعطاء جنسيتها لأولادها تبعا لوفاة زوجها المصري (محكمة جديدة المتن، 16-6-2009). وقد أسهم هذا القرار في تعزيز الزخم الكبير حول هذا الحق، بمعزل عما أعقبه من خطوات قضائية ورسمية أدت الى فسخه والى نقل رئيس المحكمة التي أصدرته من محكمته خلافا لارادته. وقد شهدت سنتا 2009 و2010 وضع مسودات اقتراحات ومشاريع قوانين عدة، أبرزها مسودة مشروع القانون الذي وضعه وزير الداخلية آنذاك زياد بارود والذي ترك فيه لمجلس الوزراء الخيار بين تكريس المساواة بين الجنسين كليا في مجال منح الجنسية للأولاد، وتكريس مساواة نسبية فلا يستفيد منها المولودون من لبنانية ومن شخص لا يحمل جنسية دولة معترف بها بما يشمل طبعا الفلسطيني، منعا للتوطين[1]. وعلى ضوء النقاشات التي دارت حول هذا المشروع، نستدلّ أن المسألة قد تقدمت كثيرا وأن الجدل حول مبدأ الغاء التمييز وما يتصل به من قيم تقليدية ذكورية قد انحسر، لينتقل الى مسألة فرعية، وهي اذا كان يقتضي رفع التمييز في المطلق أم مع استثناء الأشخاص المولودين من أب فلسطيني منعا للتوطين. الا أنّ هذه المسألة الفرعية، السياسية بعمقها، ما لبثت أن تعاظمت الى حدّ احباط مجمل التقدم الحاصل على الصعيد المبدئي. فاذ وضعت حكومة نجيب ميقاتي مسألة منح الجنسية على جدول أعمالها في جلستها في 21-3-2012 اكراما للأمهات في عيدهن، فان الخلاف الوزاري تمخّض عن انشاء لجنة وزارية للامعان في درسها لتكون العيدية تاليا مجرد اجراء شكليّ. وقد تحوّلت هذه العيدية فيما بعد الى ضربة قاسية أعادت النقاش الى نقطة الصفر، بعدما أفرغته من أي زخم. فقد عمدت اللجنة الوزارية في تقريرها غير المعلن عنه والصادر في 14-12-2012 الى أمرين: (1) استبدال اشكالية "توطين الفلسطينيين" باشكالية أوسع هي "اشكالية التوازن الديمغرافي بين الطوائف" و(2) حسم هذه الاشكالية الأخيرة من خلال تغليب اعتبارات التوازن الطائفي على اعتبارات المساواة وما شابه من حقوق المرأة. وعليه، بدا المعيار الحاسم لاتخاذ قرار في هذا المجال براغماتيا محض وهو يتمثل في عدد الذين سيحصلون على الجنسية في حال تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين، وفقا لطوائفهم. فاذ بدا أن من شأن الغاء التمييز أن يعمّق اللاتوازن الديمغرافي الطائفي، تبنّت الحكومة توصيات اللجنة المنبثقة عنها بصرف النظر عنه (جلسة 17-1-2013). واللافت أن الحكومة لم تجد حرجا في الاعلان عن ذلك، بما فيه من فجاجة، ومن دون أي مواربة. وهذا ما نقرؤه حرفيا في الحيثيات التي استند اليها التقرير الوزاري وأهمها:

"أن مواءمة مقتضيات العيش المشترك والمناصفة والتساوي والفعالية في معرض التمثيل النيابي تصبح أكثر تعذرا وتعقيدا في ظل تفاقم الخلل الديمغرافي بين أبناء الشعب اللبناني من المسيحيين والمسلمين قبل التحرر المأمول من القيد الطائفي"،

و"أن مبدأ المناصفة في السلطة التشريعية والسلطة الاجرائية على ما سبق وصفه من تساو وفعالية في التمثيل لا يمكن أن يتحقق فعليا أو أن يصمد، في المرحلة الانتقالية التي تسبق تحقيق الغاء الطائفية السياسية، عند اختلال التوازن الديمغرافي بين الطوائف اختلالا كبيرا".

وعليه، بدا واضحا أن المطلوب ليس فقط تطبيق مبدأ المناصفة، انما أيضا اتخاذ اعلى تدابير الحيطة ازاء كل ما بإمكانه تهديد منعة هذا المبدأ حاضرا أو مستقبلا، درءا لأي امكانية بتقويضه. ومن هذه التهديدات، أيّ أمر من شأنه خلخلة التوازن الديمغرافي على نحو يدفع الفئة المتفوقة ديمغرافيا الى المطالبة بتعديل شروط المحاصصة لصالحها، كما هي حال التوطين أو حال منح أولاد اللبنانيات من أجانب الجنسية اللبنانية.وما يؤكد عمق هذا التوجّه هو ما صرح به بوضوح وزير العدل آنذاك شكيب قرطباوي للمفكرة القانونية بتاريخ 17-1-2013 في سياق دعوته الى اكمال البحث في موضوع الجنسية بشكل شمولي: "فكيف نمنح الجنسية لفئات واسعة جديدة قبل حسم مسألة مرسوم التجنيس لعام 1994 وما شابه من شوائب؟ ثم، لماذا نحصر حق استعادة الجنسية اللبنانية للمتحدرين من ذكور لبنانيين حين نتناول حقوق المغتربين ثم نأتي بعد ذلك لنعطي حق الجنسية للمولودين من أم لبنانية"؟[2].  فوفق هذا التصريح، تصبح جميع الحقوق الأساسية قابلة للتفاوض وفق منطق السلة، كأن يوضع حق قد يزيد الوزن السياسي لطائفة معينة في سلة واحدة مع حق قد يزيد الوزن السياسي لطائفة أخرى من دون ايلاء أي اهتمام لهذه الحقوق بحد ذاتها.  

وما يزيد الأمر فداحة هو تبرير التقرير الوزاري لاستبعاد مبدأ المساواة في مجال الجنسية بالمصلحة العليا. ف"مبدأ المساواة الذي يتمتع بالقوة الدستورية لا يعمل به عند وجود أوضاع قانونية مختلفة لا يصحّ معها اعمال المساواة أو عندما تقضي بذلك مصلحة عليا". ومن النافل القول أن هذا التفسير للمصلحة العليا يتعارض مع المنطق القانوني ومع الاجتهادات الدستورية في القانون المقارن (مجلس دستوري فرنسي) والتي سبق للمجلس الدستوري اللبناني أن استند اليها في قراره الصادر في 2001 بمنع الفلسطينيين من التملك. فهذه الاجتهادات تؤكد على أنه ليس للمصلحة العليا أن تؤدي بحال من الأحوال الى تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الأصل الخ. فأي مصلحة تبنى على حساب شريحة من المواطنين لأسباب ملازمة لأشخاصهم (وفي هذه الحالة الغالبية) انما تكون بالضرورة مصلحة فئوية. فكيف بالأحرى اذا بنيت على حساب مصلحة نصف المجتمع أو ربما غالبية أفراده؟

ولعل الدليل الأبرز على الطابع المحبط لهذا القرار الحكومي، هو أن الحكومة امتنعت فيما بعد عن اتخاذ أي بادرة لتعزيز الحقوق المدنية غير السياسية للمولودين من أمهات لبنانيات وفق ما أوصت بها اللجنة الوزراية. وهي بذلك امتنعت ليس فقط عن اقرار الحق بالجنسية، بل أيضا عن اعطاء التعويض الشحيح الذي وعدت به فور خفوت الزخم المطلبي في هذا المجال.

خلاصة
بالطبع، قد يكون من المبكر أن نستخرج مما تقدم خلاصات حاسمة. الا أن عرض هذين التجاذبين بين حقوق المرأة والاعتبارات الطائفية وما أسفرا عنه، انما يشكل مؤشرا بليغا على طبيعة النظام السياسي والاجتماعي السائد في لبنان. فخرق الهيمنة الطائفية في مجال حقوق النساء داخل أسرهن يظهر على ضوئهما أكثر قابلية للتحقيق، من أي اصلاح من شأنه التأثير ولو بشكل ثانوي وغير مباشر، على شروط تقاسم السلطة في لبنان، حتى ولو كان مجرّدا عن أيّ بعد دينيّ كمسألة الجنسية.     
 
٭محام ومدير تحرير المفكرة القانونية 

نشر في الملحق الخاص بالمرأة – آذار / مارس 2015 
  


[1] فضلا عن ذلك، شهدت هذه الفترة وضع اقتراح قانون بالغاء التمييز في هذا المجال من قبل اللجنة النيابية للمرأة والطفل، وسط نقاش حول ربط حق منح الجنسية بمبدأ المعاملة بالمثل.
[2] سعدى علوه، "تكليف اللجنة الوزارية بتفصيل "التقديمات" الخاصة للأبناء، مجلس الوزراء يوافق ضمنا على توصية العار بحرمان المرأة من حقها بمنح جنسيتها"، الموقع الالكتروني، منشور في 17-1-2013.