"يجب أن تكوني قوية، صارمة وحازمة". بقيت هذه الكلمات تتردد في مجمل المقابلات التي أجريتها مع 14 محامية في لبنان. وإذ كان لهن آراء مختلفة حول العديد من القضايا، إلا أنهنّ أجمعن على أمر واحد: على المحامية أن تكون قوية وأن تفرض نفسها. فكأنما جوابهن على التحديّات المتجذرة أمام النساء لممارسة مهنة المحاماة في لبنان، يكمن في جعلها مصدراً للقوة. وقد عبرت إحداهن عن هذا الأمر ببلاغة لافتة: "لست محامية في المكتب فقط، أنا محامية في كل مكان، وعلى كل من يتحدث معي أن يقنعني بحجج منطقية".
ولقد برزت مسائل عدّة من المقابلات التي أجريناها، لكنّنا اخترنا أن نتناول هنا خمساً منها فقط وهي على التوالي: التمييز في الفضاءات القضائية، وتأثير الزواج على أداء مهنتهن، وتمثيل النساء في نقابة المحامين، وطبيعة علاقتهن مع القضاة النساء والآراء بشأن التحرش الجنسي. وهذا ما نحاول تفصيله بعد كلمات بشأن المنهجية المتبعة.
 
كلمات في المنهجية
لإنجاز هذا البحث، تم اختيار عينة من 14 محامية تم تشكيلها على الوجه الآتي: 6 محاميات على صلة  بأعضاء من المفكرة القانونية ومعروفات بنشاطهن المهني المتميز، أما البقية، فقد تم اختيارهن عشوائياً من خلال دليل المحامين والمحاميات. ارتكز البحث على مقابلات نوعية حيث أجابت المحاميات عن مجموعة من الأسئلة المطروحة. وتتمركز المحاميات اللواتي قابلناهن في مناطق مختلفة في بيروت، باستثناء ثلاث يقمن في كسروان وطرابلس وصيدا. وكانت بعض المحاميات من خارج هذه العينة قد رفضن مقابلة المفكرة بحجة الانشغال بالعمل وضيق الوقت. أما المحاميات اللواتي وافقن على المقابلة، فقد بدوْن في معظم الأوقات على عجلة من أمرهن، الأمر الذي منعنا أحياناً من التعمق في المقابلات أو الغوص في تفاصيل الأسئلة المطروحة عليهن والمعدّة مسبقاً.
ويلحظ أن العينة اقتصرت على محاميات مسجلات على الجدول العام للمحامين (أي العاملات في الاستئناف) من دون الاستماع الى أي محامية متدرجة، وهذا أمر ربما نقوم به لاحقاً على حدة. وقد تفاوتت أعمار المستمع اليهن بين أواخر العشرينيات والستين سنة.
ويسجل أن المحاميات يعملن في مجالات مختلفة. فجزء منهن يعمل في المحاكم الشرعية والمدنية، فيما يعمل جزء آخر في المحاكم الجزائية وأحياناً في المحاكم العسكرية أيضاً. وقد سجلت إحدى المحاميات أنها لا تتوكّل في قضايا ذات طابع أخلاقي كقضايا عاملات الجنس والمخدرات، وذلك خوفاً من إلصاق اسمها بما تصفه بالملفات غير النظيفة والخوف من الأحكام المسبقة عليها "إذا حصلت على إخلاء سبيل". أما غالبية المحاميات فلم يذكرن أي مقاومة أو اعتراض على العمل على هذا النوع من القضايا.
 
جهد مضاعف للاقناع بالقدرة والكفاءة
فيما لم تسجل معظم المحاميات أي تمييز واضح من قبل القضاة، أو المحامين، أو الشرطة، أو المدّعين بحقهن، تحدثت أخريات عن شعورهن بأنّ بعض المحاكم، ومنها مثلاً محكمة الجنايات، لا تأخذهن على محمل الجدّ كما تفعل مع نظرائهن الرجال.
          "حين أعمل في المحاكم الجنائية، أعرف ما ينتظرني، أي نظرة مختلفة عن تلك التي يُنظر فيها إلى زملائي الرجال. هي نظرة فيها تشكيك مستمر بقدراتي في التعاطي مع القضية. حتى مع الموكلين تشعرين بتردد ما حيالك كمحامية، فيسألونني إذا كنت واثقة من قدرتي على معالجة قضية مماثلة، بوصفي محامية شابة. بالطبع، فإنّ الخبرة المهنية مهمة، لكن الكفاءة لا تتعلق بالجندر بالنسبة اليّ. فالمادة القانونية موجودة ويمكن تحليل القضية ومناقشتها وكتابتها . أن تكون رجلا أو امرأة هي مسألة غير مؤثرة في هذا المجال".
وتحدثت لنا محامية أخرى عن تخوّف بعض الموكلين الرجال من توكيل محامية في قضايا الأحوال الشخصية خشية أن تتعاطف المحامية مع الزوجة والأطفال.
ومن الواضح أن المحاميات يختبرن مهنتهن ويؤدّينها ويعشْنَها كلّا بشكل مختلف عن الأخرى. فيما قد لا تشعر بعضهن بأي نوع من التمييز ضدّهن، قد تكون أخريات واعيات للديناميات الجندرية المتجذرة في ممارسة القانون. ولكن أن تكون الغالبية غير شاعرة بالتميزات الجندرية فذلك يدل على أمرين: الأول أنه يمكننا تسجيل تقدّم بدرجة أو بأخرى في نوعية تقبل الحيّز العام للمرأة كجزء فاعل في المجتمع، ومشاركتها فيه اقتصادياً واجتماعياً. وثانياً أن أشكال التمييز تأخذ طابعاً معقداً وغير جليّ. وبالطبع، قد تكون الأمور مختلفة في بعض مناطق لبنان أو في دول أخرى حيث قد تواجه المرأة المحامية مواقف تمييزية واضحة وصريحة وفجة.
 
وقد عبرت إحدى المستمع اليهن عن أحد أشكال هذا التمييز المتخفي، بقولها إنّ النساء يصلن إلى اكتساب سمعة مهنية جدية من خلال القيام بجهود مضاعفة: "ينبغي أن تعملي بشكل مضاعف لإقناع الناس بأنّك ماهرة مثل المحامي الرجل، وكأنّه من الطبيعي للرجل أنّ يكون محامياً جيداً، فيما تبقى المرأة دوما موضع اختبار".
 
وعليه، من الميزات الممنوحة للمحامين الرجال هو أن بإمكانهم القيام بجهود أقل لكسب الاعتراف بهم كمحامين ماهرين. فقد يُلام المحامي الرجل نظراً لكيفية أدائه طبعاً ولكن أبداً لأنه رجل، لكن الأحكام المسبقة تبقى جاهزة في معرض تقييم عمل المحاميات لمجرد أنهن نساء بفعل التمييز الجندري المبطن.
 
          وعليه، أن تؤخذ المحاميات على محمل الجد يبقى أحد أكبر التحديات الذي تواجهنه، خصوصاً في بداية حياتهن المهنية، فعليهن أن يحاربن بشراسة ويبرهنّ عن قدراتهن وكفاءتهن للحصول على اعتراف مماثل.
          ولا يقتصر العمل المضاعف على المحاميات في ما يتعلق بإثبات كفاءتهن، فالمعركة تستمر وتنتقل من الحيّز العام إلى الحيّز الخاص. ورغم أن  عدداً من المحاميات المستطلعات لم يكنّ متزوجات، فإنّ العازبات عبّرن عن قلقهن على مستقبلهن كمحاميات متزوجات.
 
الزواج ومهنة المحاماة: وظيفتان بدوام كامل
تنظيم الوقت من أهم جوانب حياة المحامية. عليها أن تمارس وظيفة بدوام كامل في منزلها كأم وزوجة، وفي الوقت نفسه عليها أن تقوم بكامل واجباتها في العمل.
          "إذا كنت تعرفين كيف تنظمين وقتك يمكنك النجاح في المجالين، لكن لا يمكنك أن ترفضي أي أمر وإلا فسيستبدلونك. لا يقدّر الجميع حقيقة أنّ لديك عائلة ومهنة. فبوصفك امرأة عليك أن تقومي بكل شيء. الأمر مليء بالصعوبات والتحديات حين تكونين حاملاً، أو عندما يمرض أحد أولادك، وعليك أن تستيقظي في اليوم التالي والذهاب إلى العمل. وهذه تحديّات لا يواجهها الرجل أبداً".
 ونظراً إلى الطبيعة التنافسية لمهنة المحاماة، إذا تأخرت محامية ما ضمن ضوابط المهل والمواعيد النهائية، تصنف مباشرة كمحامية غير كفؤة.
          "أتعب كثيراً أحياناً، ويكون الوقت عنصر ضغط، لكن لا أسمح لعملي بأن يؤثر على حياتي العائلية، أو أن تؤثر عائلتي على حياتي المهنية".
          رغم هذا الضغط، قالت المحاميات المستمع اليهن إنّ أول ما تعلمنه كمحاميات هو مهارة تنظيم الوقت بين عملهن وحياتهن الأسرية. وما يجعل مهنة المحاماة أكثر تعقيداً للنساء هو الاعتقاد الخاطئ بأنّه حين يصبح لديهن عائلة يهملن عملهن. وتؤدي هذه المسألة أساساً إلى إيجاد بيئة تنافسية غير عادلة، من شأنها مضاعفة الضغط على المحاميات، الأمر الذي ما يترك لهن وقتاً قليلاً للراحة.
 
تمثيل النساء في نقابة المحامين
          في العام ٢٠٠٩، ولأول مرة في تاريخ نقابة المحامين في بيروت، انتخبت على رأسها امرأة، هي المحامية أمل حداد (١). وحتى اليوم تبقى حداد المرأة الأولى والوحيدة التي انتخبت كنقيبة للمحامين، رغم أنّ النساء يشكلن أربعين في المئة على الأقل (٢) من أعضاء النقابة. هناك إشكالية في واقع أن هناك امرأة واحدة منتخبة كرئيسة في تاريخ النقابة.  كذلك، تطرح ندرة عدد النساء المنتخبات في مجلس النقابة (حالياً هناك امرأة واحدة) (٣) مسألة تمثيلهن فيه: فلماذا يسيطر الرجال على النقابة حتى يومنا هذا رغم أن عدد النساء المنتسبات اليها يشكل النصف؟
          تحدثت المحاميات المستمع اليهن صراحة عن خياراتهن الانتخابية. فهنّ يسعدْن دوماً حين يتم انتخاب امرأة. تحدثت البعض منهن عن تعقيدات الترشح المستقل، واستحالة أن يتم انتخاب أي مرشح\ة إذا لم يكن مرتبطاً بحزب سياسي لبناني. وفي الوقت نفسه، قالت أغلب المحاميات إنّهن يصوّتن للمرشحين وفق مؤهلاتهم من دون أي اعتبار لجندرهم. كان هناك استثناء واحد أثناء القيام بهذا البحث، حيث قالت إحداهن:
          "من الأهمية أن تكون محاميات في مجلس نقابة المحامين، سواء كانت المحامية مؤهلة أم لا.  ليس كل المحامين الرجال الذين ينتخبون لعضوية المجلس مؤهلين أصلاً، لذلك ينبغي أن يسمح للنساء أن يصلن إلى هذه المراكز وحين يخطئن نحاسبهن".
          وعلى صعيد آخر، قالت محامية ثانية حين سألناها عن الموضوع:
          "مجلس النقابة ليس وحده الذي يهيمن عليه الرجال، البلاد بأكملها وضعها مماثل".
          وفق محامية أخرى، لا يمكن فصل مجلس النقابة عن أسلوب الحكم في لبنان. تتم إدارة الدولة عبر نظام طائفيّ ينتخب فيه الناس السياسيين وفق انتماءاتهم الطائفية، والمذهبية والسياسية. وهذا النظام الطائفي عينه يحكم مجلس النقابة. تسمح هذه البنية الطائفية المهنية فقط للمحامين الملتحقين بأحزاب سياسية معينة ذات انتماء مذهبي، بالوصول إلى مواقع السلطة. وتاليا، حين تترشح امرأة للانتخابات، ينبغي عليها أن تكون تابعة لأحد هذه الأحزاب، وإلا تكون فرصها بالفوز ضئيلة جدا. وتتمتع الأحزاب السياسية المذهبية في لبنان بنسيج وديناميات مماثلة للأخويات fraternities، يسيطر الرجال غالبا عليها. وتشكل الأخويات الفضاء الافتراضي لاجتماع الرجال من أجل التلاقي حول هويتهم الوطنية، وهي روابط خاصة. وتاليا، فإنّ مشكلة تمثيل النساء في مجلس نقابة المحامين لا تقتصر على النظام البطريركي الذكوري الذي يحكم البلاد، بل هي أيضاً ترتبط مباشرة بسواد التنظيم المذهبي والطائفي، وهما نظامان (أي البطريركي والطائفي) مترابطان ويتعاضدان لإعادة إنتاج القمع ضد النساء وقمعهن أو على الأقل إعاقة وصولهن الى مواقع قوة.
 
علاقة المحاميات بالقاضيات
من خلال المقابلات، حاولنا فهم ما إذا كان تعامل المحاميات النساء مع القضاة النساء مختلفاً عن تعاملهن مع القضاة الرجال.
وفي هذا المجال، أعربت معظم المحاميات أن لا اختلاف في شروط التعامل:
" ما إلا علاقة قاضي أو قاضية. هيدا شخصيتو وكيف بيتعاطى، ما إلا علاقة،"
"في هيك وفي هيك، في عندك قضاة نساء جداً محترمين وجداً بيعرفوا قانون. وفي عندك قضاة بتجي لتحكيهن، عم يسمعوكي بس هني مش سامعينك. يعني أسمع ولا أصغي. مقتنعين بالفكرة وخلص. ليكي هني أغلبن لذيذين، بس أنو ما بيمنع أنو في عندك ... بجوز طبع، بجوز حب الفوقية بجوز.. ما بتعرفي شو السبب".
 
قلة من الأخريات أشرن الى وجود إشكالات خاصة مع النساء القاضيات. ولكن حتى في هذه الحالة، لم يربطْن هذا الاختلاف بالجندرة. فالأمر يتفاوت حسبهن بين حالة وأخرى. 
 
أخريات أشرن بإيجابية الى عمل القاضيات:  
"ليكي أنا القضاة ما تعاملت مع كل القضاة النسوان. بس أنا تعاملت مع قضاة نسوان، كتير مهذبين وبيفهموا. وانبسطت كتير فيهن". 
ومن الأهمية بمكان أن نشير الى أن نظرة المحاميات اللواتي استمعن اليهن الى عمل القاضيات النساء هي مجردة عن التعميم والتنميط. فهن لا يضعن جميع القاضيات في خانة واحدة جامدة بل تتفاوت آراؤهن من قاضية الى قاضية على ضوء شخصيتها وطريقة تعاملها مع الملف والمتقاضين. وتجدر الإشارة الى أن هذه النظرة هي نظرة نوعية، والأرجح أنها مرتكزة على وعي مكتسب من خبرة المحاميات.
 
هل الفضاءات القضائية آمنة للمحاميات؟
كما سبق وأسلفنا، تتعلم المحاميات التصرف بطرق معينة لتسهيل حركتهن في فضاءات يسيطر عليها الرجال بشكل مكثّف. ورغم ان غالبية المحاميات لم يسجلن أي نوع من التحرش في مخافر الشرطة، فان جزءا آخر منهن روين كيف يتم التحرش بهن. والجدير بالذكر ان التحرش يأخذ أشكالا عدة، فمنه التحرش النظري، ومنه الاتصالات التليفونية، ومنه اضافتهن على "الواتساب" فقط "للتسليم" عليهن.
وفي هذا المجال، تقول إحدى المحاميات:
          “النظرة الذكورية في مراكز الشرطة هي دوماً حول من هي هذه المحامية وماذا تفعل هنا، ومباشرة يبدأون بنسج أفكار مختلفة عنك“.
          “في تحرش في المخافر. النظرة الذكورية دائما تستقبلك من اللحظة التي تدخلين فيها الى المخفر. نظرة تشييئك من رأسك الى قدميك. في بعض الأوقات يتخلل الحديث مع الشرطة أسئلة عن حياتك الشخصية لا دخل لها بالملف. فمثلا سألني أحد عناصر الشرطة في احدى المرات اذا اتصلت به من اجل المعلومات عن الملف او لأنني "اشتقتلوا". وفي مخفر آخر، قال لي شرطي ان شكلي ليس لبنانية، فقلت له انني كنت اكمل الدكتورا في الخارج, فأجابني انه هو ايضاً دكتور "بيقولوا عني دكتور في الحب".
          “في مركز الشرطة، يجب على المرأة أن تكون صارمة. ليس سهلاً التواجد هناك، وإذا شعرت بضرورة الصراخ في وقت ما عليك فعل ذلك“، قالت محامية أخرى.
          فسّرت المحاميات لنا كيف أنّهن تعلّمن وضع حدود عبر فرض فكرة أنّهن في مركز الشرطة للقيام بواجبهن المهني، وليس من أجل أهداف أخرى. الهدف الوحيد هو تمثيل الموكلين وحلّ القضايا القانونية.
وفي هذا المجال، أوضحت احدى المحاميات أن الذهاب الى المخفر يشكل تحديا وعليها أن تأخذ بعين الاعتبار كل خطوة تقوم بها لتفادي التعرض للتحرش، وأن هناك نوعا معينا من السلوك الذي يجب ان تتبناه حتى تستطيع القيام بعملها.
          "يجب عليكي ان تحولي نفسك الى كائن غير جنسي في المخافر لانك أصلاً هناك مشيّئة". 
ومن الاعتيادي في الفضاءات القضائية، تقدير المزايا الذكورية. ومن أجل أن تتمكن النساء من التحرك بحرية داخل هذه الفضاءات، ينبغي عليهن أن يتحلّين هن أيضاً بهذه المزايا، ومنها على سبيل المثال الصراخ، كما فسر المثال أعلاه. النظام مبني إذا بشكل يفرض على المحاميات أن يكنّ عدائيات من أجل وضع حدود وإنجاز عملهن.
وتعتبر احدى المحاميات ان لديها حصانة ويمكن لو تعرضت الى التحرش التوجه الى المسؤولين ولكنها تعبر عن قلقها حول السجينات المحتجزات في المخفر. وأوضحت أنها دائماً تتساءل اذا كان التعامل مع المحاميات في هذا الشكل، فكيف عساه يكون مع النساء وسائر الفئات المهمشة؟ 
ولا تقتصر المشاكل الخاصة بالمحاميات في مكان عملهن على فرض أنفسهن كمهتمات بالعمل فقط، بل تمتد إلى علاقتهن بأجسادهن، وأجساد النساء الأخريات أيضاً.
          "عليك أن تحترمي نفسك، من أجل أن يحترمك الآخرون"
          "عليك أن تلبسي بشكل يوحي أنّك هنا للعمل"
          "لا يمكنك أن تفتحي المجال لأي نوع من الغزل، وإلا سيؤدي ذلك إلى مواقف لا تريدينها"
          عبّرت عدد من المحاميات اللواتي التقينا بهن عن اعتقادهن بأنّ المحامية تكون هي الملامة حين تتعرض للتحرش الجنسي، لأنّها فتحت المجال لذلك بسبب لباسها أو تصرفاتها. قلة من المحاميات يعتقدن أنّه مهما فعلت أو لبست المرأة، لا تبرير للتحرش الجنسي. وقد ذهبت بعض المحاميات الى حدّ الاعتراض على طريقة لبس زميلات لهن لباساً غير محتشم، مع التشديد على أنّ العدلية هي مكان للعمل وليست حفلة أو شاطئاً.
          وبالواقع، لا توجد الفضاءات القضائية في العدم؛ فهي نتاج النسيح الاجتماعي اللبناني حيث ترتفع نسبة التحرش الجنسي (٤). ويتم غالباً تحميل النساء مسؤولية تعرضهن للتحرش كما يتم اعتبارهن راغبات بالتعرض للتحرش أو العنف الجنسي بسبب أسلوب لبسهن أو تصرفهن أو حديثهن، إلخ.
"لا يهم ماذا تلبسين، ستتعرضين لتصرفات مثل التحرش الجنسي أو النظرات" تقول إحدى المستمع اليهن".
 
                   في ما يتعلق بالتحرش الجنسي، فإنّ طرق مقاومة وتفادي هذه الظاهرة مختلفة شكلاً ومضموناً. فعلى سبيل المثال، قالت بعض المحاميات إنّه حين تعرضن للتحرش طلبن من المكاتب التي يعملن فيها تكليفهن بقضايا أخرى، أو حصرن عملهن على هذه الملفات في المكاتب، فيما حلّ زملاؤهن الرجال محلهن في المحكمة. ولا يمكن تعميم هذه الأمثلة التي أوردناها أعلاه، وما يحصل مع بعض المحاميات لا ينطبق طبعاً على أخريات. وعلى سبيل المثال، قالت بعض المحاميات إنّهن لا يتعرضن للتحرش، وإنّ المسألة نسبية وتختلف من مكان لآخر وفق الانتماء والعمر والمرتبة. وقد يؤدي اختيار عينة المحاميات على نحو مختلف يأخذ بعين الاعتبار العمر والمنطقة والبيئة الاجتماعية، وعوامل أخرى الى نتائج أكثر وضوحاً في هذا المجال.
          وينبغي الإشارة أخيراً إلى أنّ مشكلة التحرش الجنسي لا تتعلق بأسلوب لبس المحاميات. المشكلة تكمن في نظام القمع البطريركي الذي يجعل جسد كل امرأة في الفضاء العام هدفاً جنسياً وغرضاً للاستغلال.
 
 خاتمة
رغم أنّ بعض المحاميات لا يرين جنسهن عائقاً أمام ممارسة مهنة المحاماة، أظهرت المقابلات التي أجريناها وجود بعض الفجوات في البنية المنهجية للفضاءات القضائية. فلا تزال البطريركية والمذهبية والطائفية مسيطرة، ما يشكل معضلة. وقد أصبح وجود التمييز الجندري أمراً طبيعياً، مع استثناءات قليلة. التطبيع يحصل حين يصبح أي شعور بالظلم متجذراً في الحياة اليومية لدرجة تحوّله إلى أمر عادي. وغالباً ما تعتقد المحاميات أنّ الفضاء القضائي في لبنان قد لا يكون كاملاً، لكنّه لا يمنعهن من بناء مستقبل مهني، ما يجعلهن أكثر قوة. لكن غض النظر عن احتمال وجود تمييز جندري لا يحل المشكلة. في النهاية، من الأهمية بمكان التنبيه إلى أنّ النضال من أجل العدالة والمساواة الجندرية لا يقتصر على قاعات المحاكم، لكن تكمن حلبته أيضاً في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية.
 
(1)  Elias Sakr, First woman elected as head of Beirut Bar Association, The Daily Star, Nov. 16, 2009-
(2)               كلوديت سركيس، 29نسبة المحاميات 40 في المئة ومعيار النجاح واحد عند الجنسين - 29آذار 2014 . 
(3)               عن موقع نقابة المحامين في بيروت.
(4) India Stoughton, Sexual harassment، assault on the rise, The Daily Star, Jun. 22, 2013. 
 

* باحثة وكاتبة نسوية. تحمل شهادة الماجيستير في دراسات الجندر والمرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نشر في الملحق الخاص بالمرأة - آذار / مارس 2015