مع الازدياد العددي للقاضيات في لبنان، بدأ الحديث عن ظاهرة "تأنيث القضاء". وبالطبع، تشكل هذه العبارة بحد ذاتها موقفاً تمييزياً. ففعل المساواة الجندرية الذي سمح للنساء بالانضمام إلى الجسم القضائي بعد أن كان فضاءً ذكورياً، يصبح، رغم كونه منقوصاً، عملاً استثنائياً ومقلقاً. وعليه، يظهر انفتاح القضاء على النساء، بما فيه من إيجابية، وكأنه هجمةٌ ذات مفاعيل سلبية وخطيرة، وينبغي تالياً مقاومته. الى ذلك، يجدر التنبيه هنا الى أن زيادة عدد القاضيات لا يعني بحال من الأحوال تعزيز المساواة الجندرية داخل الجسم القضائي (1).

وكما في كل المهن التي تتمحور حول السلطة، تعكس النظرة إلى القاضيات صوراً نمطية عدة. وبهذا الشأن، تحدثت "المفكرة" مع عدد من القاضيات للتعرّف على شروط عملهن وأشكال التمييز التي يعانين منها، في حال وجودها. وقد حصلنا على عدد من الإجابات، يقتضي التعاطي معها بحذر لأنها تشمل عينة صغيرة من القاضيات (5 فقط). وقد تم التحادث مع القاضيات النساء انطلاقاً من مجموعة من الأسئلة الجاهزة.
ويجدر الذكر أن الاستماع الى عينة صغيرة من القاضيات لا يهدف الى الإحاطة بما تعيشه القاضيات  بل هو مجرد محاولة لبدء النقاش بشأن التمييز الجندري داخل القضاء في لبنان وانعكاساته على مبدأ استقلالية القضاء.
 
الخلاف حيال انضمام النساء الى القضاء
غالباً ما يتردد أن النساء يرغبن بدخول القضاء لأن دوام العمل فيه يتناسب مع طريقة عيشهن العائلية. فيطلب من القضاة الحضور مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً، ويقومون بغالبية أعمالهم (دراسة ملفات، إصدار أحكام) في منازلهم. وهذا ما يسمح للمرأة بملازمة منزلها والقيام بواجباتها العائلية. لكن حين سألنا القاضيات عن هذا الأمر، كان لهن رأي مختلف تماماً.

 "أعمل في المحكمة ثلاثة أيام في الأسبوع، لكن آخذ ملفاتي معي إلى المنزل. أقضي بعد الظهر مع الأولاد، وبعد أن يخلدوا إلى النوم، أعمل على ملفاتي. معظم الليالي أنام عند الواحدة والنصف فجراً. ليس صحيحاً أنّ مهنة القضاء أسهل على النساء بسبب عدم اضطرارهن للحضور إلى المحكمة كلّ يوم. الأمر ليس صحيحاً على الإطلاق. هناك دوماً عمل في المنزل، والأمر أصعب. يتمتع الناس الذين يعملون وفق ساعات محددة بحياة أكثر بساطة منّا. يأتون إلى مكاتبهم، يقومون بعملهم، ومن ثم يذهبون إلى منازلهم للراحة. لا يحصل ذلك معنا، فنحن نأخذ العمل معنا إلى البيت".

حين سألنا قاضية أخرى إن كانت متزوجة، وكيف يؤثر ذلك على حياتها المهنية، رفضت الإفصاح عن هذه المعلومات لأنّها برأيها لا ترتبط بإنتاجيتها.

"هل كنتم تطرحون علي سؤالاً مماثلاً لو كنت رجلاً؟ أن يكون القاضي امرأة أو رجلاً أمر غير مؤثر. فمن المنطقي والطبيعي أن أقوم بعملي وأنجز واجباتي. النساء كيان مستقلّ، لماذا ينبغي ربطهن بالرجل عند الاستفسار عن كيفية القيام بعملهن؟".

حين سُئِلت القاضيات عن السبب الذي يدفعهن للعمل في السلك القضائي، تحدثت غالبيتهن عن الرغبة بتحقيق العدالة، ولم تعزُ أي منهن الأمر لإمكانية التوفيق بينه وبين مهمتهن الثانية كـ"ربات بيوت". تحدثت أغلب القاضيات عن الانزعاج القضائي من كونهن متزوجات. فقالت إحداهن:

"نسمع معظم الوقت تعليقات من نوع: بتقضيها عم تعمل صبحيات (تقضي وقتها تشرب القهوة صباحاً مع أصدقائها)؛ تقضي وقتها بالحمل وإنجاب الأطفال. لا يعجبهم أن تحمل الواحدة منّا وتأخذ إجازة الأمومة".

حين يكون للقضاء تاريخ من الهيمنة الذكورية، فمن الطبيعي أن يضيف دخول النساء اليه أبعاداً جديدة غير مألوفة، أهمها إجازة الأمومة. وعليه، تصبح هذه الإجازة  مشكلة ما دامت تتسبّب في تأخير البتّ في الملفات ويتمّ التعاطي معها على أنها عاهة من شأنها التأثير على إنتاجية القضاء. وهنا أضافت إحدى القاضيات أن طبيعة عملها لا تحتمل التأخير وأنها لم تتأخر في أي من أعمالها في فترة إنجابها. 

لكن هل تنجو القاضية من استخدام جنسها كأداة ترهيب إذا كانت غير متزوجة؟ تحدثت قاضية أخرى، غير متزوجة، عن كيفية استخدام ذلك ضدها كأداة ترهيب.

"معظم الوقت حين أناقش مواضيع قانونية مع قاض أكبر سناً ونصل إلى نقطة أثبت فيها وجهة نظري ولا يملك هو أي حجج إضافية ليقولها، يستخدم وضعي العائلي ضدي ليقول: الآن أفهم لماذا لم تتزوجي حتى الآن، فمن سيرغب بالزواج منك بكل الأحوال".

وهذه الشهادة إنما تضيء على مسألة أخرى، قوامها استخدام التمييز ضد المرأة لفرض سيطرة معنوية على النساء القاضيات. 

ماذا عن الصورة النمطية بشأن قسوة أو عاطفية القاضية؟
ثمة أمر ثان يتردد، مفاده أن القاضيات أقسى من نظرائهن الرجال. معظم القاضيات المستمع اليهن يرين أن هذا الأمر غير صحيح.

"القول بأنّ القاضية قاسية هو كليشيه. نعم بعض القاضيات يصرخن على المحامين والمتقاضين من القوس، لكن يمكن إيصال الرسالة من دون الصراخ. السلطة ليست في الصراخ فهو ليس قوة. القوة هي بقول كلمتك من دون الحاجة إلى الصراخ". 

"يقوم زملائي الذكور بالصراخ علي لأني لطيفة مع المتقاضين في محكمتي. لا يقدرون على استيعابي، يريدونني عدائية مع المتهمين.يحاولون تخويفي عبر الصراخ علي لأني لطيفة. لكني أسكتهم لأن ذلك عملي، فأنا القاضي. وموقعهم لا يسمح لهم بالتدخل في عملي، ولكن هنا ترين الذكورية التي فيهم. يعتقدون أننا يجب أن نصرخ على المتقاضي و"نكسرلوا راسوا".

وفي هذا الصدد أيضاً، كررت القاضيات المستمع اليهن فكرة أنّ عمل القاضي هو منح العدالة وأن ذلك لا يتطلب لا القسوة ولا التعامل بفوقية مع المتقاضين.
         
هل تتعاطف القاضيات مع المتقاضيات النساء؟
أمر نمطي آخر يتردد مفاده أنّ القاضيات عاطفيات وينحزن إلى النساء بناءً على التضامن الجندري. في هذا المجال،  سألنا القاضيات عن ردات الفعل إزاء الأحكام التي قد يصدرنها لمصلحة نساء، فجاءت إجاباتهن على النحو الآتي:

"نعم يحصل ذلك، المعضلة هي البقاء على الحياد والالتزام بالعدل، ولا يمكن للقاضي أن يكون عاطفياً، خصوصاً حين ترين امرأة وأطفالها بعد تعرضهم للعنف المنزلي. لو سألني أحدهم لماذا حكمت بأمر حماية لامرأة على سبيل المثال، فسأريه الوقائع، وأسأله ماذا كان سيفعل في مكاني! لا يمكنهم القيام بأمر آخر لو أرادوا أن يبقوا عادلين، لأنّ هناك وقائع وأحداثاً لا يمكن إخفاؤها. أنا أعتمد دوماً على الوقائع والأحداث حتى لا يتمكن أحد من انتقادي".

"في إحدى المرات، قبل أن يصدر قانون العنف الأسري، رفضت إخلاء سبيل أحد الموقوفين المُعنِف، ولكنهم أخلوا سبيله وقالوا لي إن هذا التصرف نابع من كونك امرأة. ولكني أرفض هذا التحليل. القرار لم يكن لأني امرأة. كان لأنه يستحق السجن".

"هناك سهولة في استخدام شرف المرأة ضدها في المجتمع. يعمد بعض المتقاضين أحياناً إلى استخدام جنس النساء ضدهن من أجل التهرب من منحهن حقوقهن. لكن أنا لا أحكم لمصلحة النساء لأنّهن نساء، أقوم بذلك حين يتطلب العدل ذلك".

وتالياً، ترفض القاضيات المستمع اليهن وجود أي انحياز للنساء المتقاضيات بناءً على اعتبارات تضامن على أساس الجنس، على نحو يصوّر هذه النظرة النمطية على أنها أقرب الى الفوبيا منها الى الواقع. والتفسير الذي أعطته القاضيات لوجود هذه النظرة، هو احتمال أن تكون القاضيات أكثر وعياً أو تحسساً لهرميات القوة التي تسود علاقة النساء بالرجال. من هذا المنظار، نجد أنفسنا أمام مسألة درجة وعي أكثر مما هي مسألة تضامن جنسي.

في أن تكوني قاضية: التفضيلات في اختيار المحاكم والعوائق أمام الترقيات
وجدنا العديد من الآراء المتناقضة حيال المحكمة التي تفضل القاضيات العمل فيها. لم يكن هناك إجابة واحدة، فبعض القاضيات فضلن البقاء في مناصبهن حيث يعتقدن أنّه يتم تقدير مهاراتهن، ولم يواجهن أي تمييز ضدهن كنساء. فيما فضلت أخريات الانتقال إلى محكمة مختلفة، أو الحصول على ترقية.

روت لنا قاضية تعمل في المحكمة الجنائية عن انزعاج زميلات لها من عملهن في هذه المحكمة لأنّها الأكثر تحدياً واستهلاكاً للوقت، فيما عملها هنالك يروق لها تماماً. أما قاضية ثانية فقد أعربت عن رغبتها بالانتقال إلى المحكمة الجنائية لأنّها تعتبرها مكاناً مثمراً لتطبيق العدالة لغايات عامة جيدة. لذلك نرى أنّ وجهات النظر تختلف من قاضيةالى أخرى.

أضف إلى ذلك، أن للقاضيات آراءً متناقضة أيضاً حيال وقوف جنسهن عائقاً من عدمه أمام ترقيتهن.

"لا شيء يقف في طريق حصولي على ترقية، قد يكون هناك تأخير لأسباب سياسية، لكن كوني امرأة ليس عائقاً أمام هذه الترقية. في نهاية الأمر سأحصل عليها".

"مع مؤهلاتي يجب أن أكون في منصب أعلى. لكنهم دوماً يفضلون الرجال. إذا كنت قاضية تتمتعين بالمؤهلات نفسها لقاضٍ ما، فسيختارونه لأنّ الذكورية متجذرة في طريقة تفكيرهم".

تشير التناقضات حيال موضوع العوائق الخاصة بالجنس إلى أنّه لا مجال للتعميم حول ما تعتبره النساء تمييزاً في مسيرتهن كقضاة، والأمر يختلف من قاضية الى أخرى.
 
التعاطي مع القاضيات
المثير كان مراقبة طريقة التعاطي مع القاضيات من قبل البيئة القضائية المحيطة بهن. فيما قالت نصف القاضيات المستطلعات إنّه مرحب بهن في المحاكم، ولم يشكين من أي تعاط سيئ معهن، عبرّت أخريات عن عدم ارتياح من تصرفات معينة حيالهن.

"في التسعينيات، كان البعض يتعاطى معي تعاطياً سيئاً في محكمتي، كوني امرأة. في الثمانينيات، كانوا يقولون لنا إنّه لن يتم تعيين امرأة كقاضي تحقيق لأنّ عليها الحضور في مسرح الجريمة. لكن في التسعينيات عيّنت امرأة كقاضي تحقيق، واليوم تترأس بعض القاضيات محاكم جنايات".

"لا يأخذونك على محمل الجد، وهناك نوع من الفوقية. لكن يمكنك أن تفرضي نفسك كقاضية جديّة تقوم بعملها. عليك أن تفرضي نفسك. بعضهم يتحدث معك بفوقية. لكن الموضوع يتعلق بشخصيتك. ينبغي أن تتمتعي بشخصية تفرض نفسها. هي معركة يومية حتى تنالي الاحترام الذي تستحقينه. لم نصبح قاضيات، بل حاربنا حتى وصلنا إلى عالم القضاة. لا يتعلق الموضوع فقط بالجوانب العملية، فهم لا يتقبلون أنّنا قضاة. لكن حين يرون عملنا يعرفون أنّنا بارعات".

يبدو واضحاً من الاقتباسات السابقة أنّ بعض القاضيات يحتجن لتثبيت وجودهن في المحاكم عبر فرض أنفسهن كزميلات كفوءات للقضاة الرجال. وبانتظار ذلك، يوضعن تحت المهجر ويُعتبرن  دائماً في موقع اختبار.
 
فرضيات عن أسباب مقاومة الجسم القضائي لانضمام المرأة اليه
كما هو واضح من مضمون هذه المقالة، ثمة مقاومة لدخول المرأة في الجسم القضائي. مع العلم أن هذه المقاومة قد تراجعت عن ذي قبل، خاصة في ما يخص قبول النساء في معهد الدروس القضائية.

"يقبلوننا على مضض في معهد الدروس القضائية، ربما لانهم لا يقدرون السيطرة علينا".

وبالإمكان مقاربة هذه المقاومة، ليس فقط على أساس التمييز الجندري، بل أيضاً من زاوية وجود مسافة معينة بين القاضيات والطبقة السياسية، ما قد يجعلهن أكثر استقلالية أو أقل تبعية. وهذا ما أكدت عليه بعض القاضيات المستمع اليهن: 

"يلحظ أنه عندما يكون هناك نساء قاضيات في مكان ما، يكون المكان أقل تعرضاً للفساد"
"لا أسمح لأحد بالتدخل في قراراتي، أرسم حدودي بجدية وإذا حكمت في يوم لمصلحة قوة سياسية معينة في يوم، أحكم ضد مصالحها في يوم آخر، وذلك تبعاً لوقائع القضية. فأنا أحكم بالعدل ولا أخضع للضغوط السياسية التي تمارس عليّ".

"عندما تتدخل قوة سياسية لتسريع ملف مثلاً، بدل أن أرضخ لهذه القوة السياسية، بالعكس، يراودني الشك أكثر في الملف. وعند دراسته أكون جد حريصة ودقيقة في معاينته لأرى إذا كان هناك إشكالية غير واضحة فيه أو أمور مختبئة".

وإن كان من السذاجة طبعاً التعميم في هذا المجال، كأن نعلن تبعية كل الرجال القضاة أو استقلالية كل النساء القاضيات، إلا أن المسافة بين الطبقة السياسية والنساء تبقى مسألة جديرة بالدراسة. 
 
خاتمة
أمام التطور السريع لانتساب النساء إلى السلك القضائي، نكتفي هنا باستعادة التساؤلات التي طرحها  صاغية وكرامي في بحثهما السابق: هل تعزز الصورة الوردية لازدياد أعداد النساء حقيقة المساواة الجندرية في النظام القضائي؟ قد لا نحصل على إجابة واحدة عن هذا السؤال، وهدفه ليس أصلاً البحث عن إجابات، بل التقصيعن الفروقات والفجوات في الخطاب البطريركي داخل النظام القضائي والتي أحدثها دخول النساء اليه.

* باحثة وكاتبة نسوية. تحمل شهادة الماجيستير في دراسات الجندر والمرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نشر في الملحق الخاص بالمرأة - آذار / مارس 2015
 
 
[1]- نزار صاغية ولمى كرامة، "تأنيث القضاء: أي مناصب؟ أي وظائف؟ أي مناطق؟"، المفكرة القانونية، العدد 2، تشرينالأول 2011.