بتاريخ 29-1-2015، أصدرت القاضية المنفردة المدنية الناظرة في قضايا الإيجارات في بيروت لارا عبد الصمد حكماً بقضية استرداد مأجور. والمميز في هذا الحكم أنه كان سبّاقاً في تطبيق القانون الجديد في دائرة قضاة الإيجارات في بيروت، بحيث قدر القاضي قيمة تعويض الاسترداد على أساس المادة 32 فقرة د من القانون الجديد والتي تنص على وجوب تطبيق أحكامه على دعاوى الاسترداد التي لم يصدر بها قرار مبرم قبل تاريخ نفاذه. وهذا الحكم يستدعي عدداً من الملاحظات:

-  أن القاضية أثارت تطبيق القانون الجديد من تلقاء نفسها حسب ما نفهم من حيثيات الحكم، من دون أن تعرض على الفرقاء مناقشة مسألة القانون الواجب التطبيق.

- أن القاضية أغفلت مسألة مدى نفاذ القانون الجديد تبعاً لصدور القرار الدستوري بإبطال اللجنة المكلفة بتحديد بدل المثل في حال الاختلاف، فضلاً عن تحديد مدى استحقاق المستأجر لمساعدة مالية من الصندوق. فانطلقت من فرضية أن القانون الجديد نافذ من دون تبيان الأسباب التي تدفعها الى ذلك. وعليه، بدت ليس فقط مصممة على عدّ القانون نافذاً بمعزل عما سيثيره فريقا الدعوى من حجج وحجج مضادة، بل كأنها لا تجد أي حاجة لإيضاح موقفها أو للسعي الى إقناع فريقي الدعوى بمدى صوابيته.

- أن القاضية حددت من تلقاء نفسها قيمة بدل المثل بـ5% من القيمة المخمنة للمأجور، لتحدد من ثم التعويض المتوجب بستة أضعاف هذا البدل. وهي بذلك لم تحلّ محلّ اللجنة التي تم إبطال النصوص المنشئة لها وحسب، بل أيضاً تجاوزت مجمل الأصول التي حددها قانون الإيجارات الجديد لغاية احتساب بدل المثل، ومنها أن يسعى الطرفان الى الاتفاق عليه خلال ثلاثة أشهر من نفاذ القانون (أي في 28-3-2015)، فإذا لم يحصل ذلك، يتم تبادل تقارير خبراء بين الفريقين على أن تحسم اللجنة المبطل إنشاؤها النزاع في حال استمراره.

وبالمحصلة، شكل الحكم نموذجاً لافتاً في تجاوز عوائق تطبيق قانون الإيجارات، في قضايا الاسترداد، وذلك بالمقارنة مع الصعوبة التي يتوقعها المؤجر كما المستأجر في الدعاوى الآيلة الى إلزام المستأجر بتسديد البدلات الجديدة. والفارق بين الأمرين ناجم عن أن قانون الإيجارات نص صراحة على أن مهلة تسديد بدل الإجارة تبقى معلقة حتى بت اللجنة المبطل إنشاؤها بطلب المستأجر بالحصول على مساعدة مالية من الصندوق. وتجاوز هذا العائق يبدو اليوم مستعصياً، ليس فقط بسبب إبطال اللجنة (التي لها وحدها باتفاق المالكين والمستأجرين) البت في الطلب المذكور، بل أيضاً بسبب غياب أي ضمانات لتمويل الصندوق الذي ما يزال حتى اللحظة فارغاً. وأكثر ما نخشاه أمام قرار مماثل هو أن يؤدي قانون الإيجار الجديد الى نتائج مخالفة تماماً لخريطة الطريق التي نص عليها. فبدل أن يمنح المستأجر حق البقاء في المأجور لمدة معينة ببدل مخفض (تتحمل الدولة جزءاً منه حسب مدخول المستأجر) على أن يحرر المأجور تماماً بعد انتهائها، يلجأ المالك الى الاستفادة من القانون الجديد لتحرير المأجور ضمن أقصر المهل. وتبعاً لذلك، تصبح المجابهة المنتظرة بين المالكين والمستأجرين حول تحديد بدل المثل مسألة غير منتجة، ليتحول القانون الى أداة تحفيزية للمالكين لمضاعفة الدعاوى لاسترداد المآجير وتحرير مآجيرهم ضمن أقصر المهل.

أمام نتيجة كهذه، بالإمكان المغامرة في اقتراح حلول لأحجية إنشاء صندوق لمساعدة المستأجرين من دون وضع أي آليات لضمان موارده. فربما وُجد هذا الصندوق فقط كي يهدئ خواطر المستأجرين، من دون أن يكون هناك أي نية في ملئه أو تفعيله. فبقدر ما يبقى معطلاً، بقدر ما تزيد محفزات المالك للمطالبة باسترداد المأجور، على نحو يؤدي الى تحرير الإيجارات قبل أوانها. 

نشر في العدد السادس و العشرين منمجلة المفكرة القانونية