يخرجن من قصورهن اليوم في 8 آذار، ويتجهن الى أماكن تكريمهن، التي تشبه بطبقتها الاقتصادية والاجتماعية، عرين سيدات القصر المكرمات. هن يكرمن أنفسهن في يوم المرأة العالمي. يعتلين المنابر ويلقين الخطابات، ويمثلن من خلال منابرهن كل النساء. هنّ نساء السلطة، اللواتي يشكلن جزءا لا يتجزأ  من النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والطائفي الذي ينتج ويستمر باعادة انتاج وتدوير مجمل أشكال القمع ضد النساء اللبنانيات والمقيمات في لبنان. وتبدأ خطابات التمجيد بالمرأة التي يختزلنها وتاليا بذواتهن. هي المرأة الأم، الأخت، الابنة والزوجة، صانعة الأسرة. وهي المرأة المرتبطة دائماً في خطاباتهن بالسلطة الأبوية المتمثلة بالزوج والأب ورب الأسرة. فنادرا ما تكون المرأة كياناً مستقلاً في هذه الخطابات. وهذا ما تذكر به بأية حال الدولة اللبنانية كل يوم من خلال اصرار الدولة على تظهير المرأة كمواطنة غير مخوّلة (غير جديرة) منح الجنسية لزوجها وأولادها. فالمرأة في لبنان هي ابنة رجل لبناني أو زوجته، فقط. فكيف تعطي لأزواجها وأبنائها ما ليس لها؟

في يوم المرأة العالمي، يبقى معظم حقوق النساء في لبنان كما في غالبية الدول العربية مهدورا. فبماذا نحتفل؟ تحت أي عناوين أو شعارات غامضة؟ بل يجرنا الامعان في الخطاب الى ما هو أبعد من ذلك: فمن هي المرأة التي نحتفل بها؟ هل هن فقط سيدات القصر، التي تمحي معهن مجمل الفروقات الطبقية وما يتفرع عنها من قمع ومعاناة ومآس تبقى في غالبها خارج الحفل العام؟ فالوقت حسب هؤلاء هو للاحتفال، لبهجة العيد وليس للشكوى، وليس لأي تفكر او مراجعة للذات. فأين الحق في بيئة عمل آمنة، لا تعتريها تساؤلات ومخاوف ازاء كيفية التعامل مع التحرش الجنسي ولا تنتهي ربما بالرضوخ لجشع صاحب عمل صونا للقمة العيش؟ وأين النساء المعنفات من خطاب نساء السلطة اللواتي لا يخجلن من أن يخطبن على المنابر، بينما تستمر السلطة عينها التي يمثلنها، في هدر حقوقهن، باسم الدين والتقاليد الحميدة؟ وأين النساء اللواتي ينزع منهن طفل بسبب طلاق أو بسبب ولادة خارج الزواج؟ وأين حقوق النساء بمنح جنسيتهن لأبنائهن أو أولادهن بل بسلوك طرق آمنة لا يحكمها التحرش الجنسي؟ وأين حقوق النساء في معرفة مصائر أحبائهن المفقودين؟ وأين حقوق النساء من ذوات الاحتياجات الخاصة؟ وأين النساء الكويريات والمثليات؟ وما يصح على هؤلاء النساء اللواتي يبقين خارج المشهد الاحتفالي، يصح طبعا ومن باب أولى على اللاجئات وعاملات المنازل ومجمل المهاجرات الوافدات اللواتي يتعرضن لأبشع أنواع الاستغلال، استغلال المأساة، استغلال الضعف والحاجة، فتزيد سعادة أصحاب القصر على حساب كراماتهن التي تسحق كل يوم.  

في كل سنة، نجلس لنتفرج على رمزية اليوم العالمي للمرأة. نضيع في شكليات التكريم في فنادق الخمس نجوم وهيمنة المؤسسات والوجوه ذات الطابع الطبقي الطائفي، فيتحوّل ذلك اليوم من نهار نستذكر فيه الحقوق المهدورة ونتعهد فيه على تجاوزها خلال العام القادم، الى مهرجان احتفالي برموز السلطة التي تجدّ خلال السنة كلها في قمع مطالب النساء وتحجيمها. فهل أصبح يوم المرأة العالمي نهارا تجتمع فيه سيدات القصر يصفقن معا، الواحدة للأخرى، يتجاملن ويتباجلن ويتعانقن دائما ويتبادلن التهاني على  "انجازات" قلما تمس قضية جوهرية من قضايا النساء.  
الكلام كثير والخطابات كثيرة، ويبقى الواقع الذكوري طاغيا، ملؤه كلمات رنانة أفرغت من معانيها، كلمات تظهّر ما ليس حقيقيا وتحجب تحت غطائه مجمل الواقع.